الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حالْ
حَمْداً يُقَصِّرْ عَنْهُ طُولُ الْمَقَالْ
أَنالَني ما لَسْتُ أَهْلاً لَهُ
فَضْلاً وطَوْلاً من عَظيمِ الجَلالْ
فَلَسْتُ اُحْصِي جاهِداً حَمْدَهُ
وشُكْرَهُ في كُلِّ حِينٍ وحَالْ
حَمْداً كَعَدٍّ الحَمْدِ مِنْ كُلِّ ذِي
حَمْدٍ وتَعْدادِ الحَصَى والرِّمالْ
-محمد الشوكاني -رحمة الله-.
————————————
الفصل الأول: بديع..؟
"تطلب مني أن أتبعك ثم تأخذني في طريق مدته ساعة كاملة دون أن تنطق بكلمة واحدة؟ أنها مزحة رائعة، لورد شومينيل!"
بينما كانت الأحصنة تتبع بعضها عبر المرج الأخضر، ورائحة العشب الطازج تمتزج برائحة المطر المنتهي حديثا، امتدح الشاب الأصغر الذي يقود الحصان الرمادي من الخلف بنبرة منزعجة يطغى عليها الاحترام. كان يتمتع ببشرة شاحبة وشعر أحمر فوضوي يتطاير من تحت خوذته البسيطة، بينما كان درعه البرونزي المتآكل يصدر أصواتاً خفيفة مع كل حركة. تعابيره كانت متعبة، لكن عينيه الزرقاوتين ما زالتا تحتفظان ببريق من الإصرار لرؤية ما ينوي اللورد شومينيل القيام به.
أمامه، لم يحرك المدعو اللورد شومينيل ساكناً. متربعا على سرج مطيته الضخمة و يداه متقاطعتان، استمر في التقدم بثبات وصمت. ظهره المستقيم، كتفاه العريضتان، وحتى ابتسامته الدائمة لا تظهر عليهم أدنى علامة للإرهاق.
كان اللورد شومينيل طويل القامة بجسد عضلي صقلته المصاعب مختبئا تحت ردائه الواسع. لديه شعر كثيف و طويل و لحية حادة تتمتعان بخطوط فضية تشكل تلميحا لمرحلته العمرية، و عيناه سوداوان مع حدقية سوداء كالهاوية تكاد لا تُرى.
كان ردائه بسيطا مكونا من القماش الأسود متسخا بما يشبه الرماد، يتكون من طبقتين، الأولى تمتد من رقبته حتى أسفل سرته و السفلى ملفوفة حول خصرة و تصل لأعلى كعبه ، تظهر يداه و قدماه المزينه بأساور حديدية عتيقة عفى عليها الزمن من تحتها بينما كان يتحذى ب حذاء خشبي بسيط.
لم ينبس ببنت شفة حتى وصلا إلى "تل الندى"، ذلك التل العشبي الصغير الذي اشتهر بأن السماء تمطره ست عشرة ساعة كل يوم.
لم يستسلم الشاب البرونزي، واضعاً كل ما تبقى له من احترام في كلماته: "اللورد شومينيل، أرجوك... هناك ما هو أهم من الترحال الآن. جيشنا في الحصن يتضور جوعا و الكساندر على حد–"
بوووم!
انفجر صوت هائل من أعلى التل، وقُطع كلامه بظهور جسم كروي بلوري سماوي اللون، يطفو في الهواء كفقاعة عملاقة. جفل الحصان الرمادي وتراجع إلى الوراء في ذعر، بينما بقي الحصان الأسود ل شومينيل ثابتاً كأنه منحوت من الحجر. بعد لحظات من الفوضى، استعاد الشاب السيطرة على حصانه الهزيل وعاد إلى مكانه، ليجد الجسم البلوري يطفو أمام سيده مباشرة.
"لا تخبرني، أهذه... فقاعة معنى؟! اللعنة! منذ متى كانت فقاعات المعنى بهذا الحجم؟؟؟ لا يصدق، حقاً لا يصدق!" توسعت عينا الشاب البرونزي من الدهشة وهو يحدق في التفاصيل داخل الفقاعة ب لون من الإثارة
كان المشهد بالداخل مذهلاً: تربة خصبة تغطي النصف السفلي، مغطاة بسجادة خضراء من العشب الناعم بالأعلى، في وسطها شجرة ضخمة جذورها تمتد حتى قاع الفقاعة و قمتها تكاد تخدش سقفها. أوراقها متعددة الألوان - الأخضر والأحمر والأسود والأبيض - تتمايل بتناغم غريب في الأعلى تكاد تلامس جوانب الفقاعة. عند قاعدة الشجرة القديمة، كانت مجموعة من الذئاب تنهش جثث ذئاب أخرى بعنف، مما يبدو ان معركة شرسة انتهت للتو، بينما تلمع جذور الشجرة تحت الضوء وكأنها عروق من فضه.
رفع شومينيل كفه ببطء ولمس سطح الفقاعة البلوري. عيناه تومضان بإثارة غريبة بينما كانت ابتسامته تتسع أكثر فأكثر. "هذا بديع..." مسح على السطح برقة، لكن الشاب البرونزي شعر بقلق مفاجئ. ذلك التعبير على وجه سيده لم يُبشر بخير. "سيدي...؟"
رمى شومينيل لوحًا حديديا مشعا اليه فجأة، و بقي يضحك عندما بدأ جسده يتبخر ببطء، يُسحب نحو الفقاعة كما لو كانت تمتصه. حتى عندما اختفى تماماً، ارتفعت الفقاعة و تقلصت شيئا فشيئا بالأعلى حتى تلاشت بالهواء و اتحدت مع العدم.
حدق الشاب البرونزي في مكان الفقاعة الذي اصبح خاليا، ثم الى حصان اللورد شومينيل الذي تُرك بجانبه و سعل في عجز قبل ان يتذكر اللوح في يديه، انكب مباشرةً في قراءة المكتوب : "ثيو، هذه تعليماتي: عد إلى الحصن و اجمع كل من يستطيع المشي، اقتل البقية ان لزم الأمر، احرقوا الحصن بما فيه عندما تخرج أنت و رفاقك ثم توجهوا الى هنا و أقيموا معسكرا... و انتظروني." بينما يقرأ أوامر سيدة على اللوح، شعر ثيو ب طاقة صقيع أسفل عموده الفقري و ابتلع ريقه، الأمر لم يعد مزحة بعد الآن.
عندها تغير الكلام في اللوح و تحول لكلمات جديدة: "أيضا دع حصاني، انه يعرف ما يفعله، الان ضع اللوح على سرجي و تراجع." بقي ثيو واقفاً في صمت، تنهد وهو ينظر الى حصان شومينيل، فعل كما اُمر حقا ثم أدار حصانه عائدا بسرعة نحو الحصن، تاركاً وراءه حصان سيده. في أعماقه، همس: "اللورد شومينيل... أرجوك، لا تعطبها."
——
| |
| |
| |
——
بكاء...
"أجل، ادفعي مرة أخرى، سيلفي! اني أرى رأسه!"
بكاء...
"إنه يخرج! هذه الدفعة الأخيرة، ابذلي جهدك!"
بكاء...
"حسنا لقد خرج، ناولوني الخرقة بسرعة و لِتُدوّن الأخرى اليوم" كانت ممرضة قبيحة ذات وجه دائري تعمل بكد و توزع الاوامر بإحترافية عندما وصل العمل الى اللحظة الحاسمة، و قد انتهى اخيرا، كاد الدم و السائل المخاضي القرمزي يكاد يصل الى مرفقيها في شهادة على التفاني.
تحت الضوء الدافئ لفوانيس الزيت الأسود في كوخ ريفي بسيط، فتح شومينيل الشبحي عينيه فجأة بهذه الأثناء ليجد نفسه واقفاً في زاوية الغرفة. أمامه، مجموعة ملتفه في حلقة ناقصه، شابة شقراء تتمتع بجمال بسيط غير متكلف مستلقية على سرير مليئ بالدماء، تتنفس بارتياح و هي مغطاة بالعرق. تحيط بها ثلاث نساء فيما يبدو انهن ممرضات. في الجانب الآخر، رجل جالس على كرسي بجانب زوجته، و يده مدفونه في شعرها، تساند رأسها و الأخرى بين كفيها.
في الحال انقشعت الحالة الضبابية عن عيني شومينيل، وهمس في نفسه: "ها أنا ذا. هههه لا أملك رفاهية المحاولة بالإستكشاف هذه المرة، في حوزتي فرصة واحدة فحسب..." كان شومينيل واعيا بموقفه أكثر من أي شخص موجود بالخارج، فشله في استيعاب فقاعة المعنى هذه يعني نهاية جيشه المحتضر بالفعل، وربما نهاية كل شيء، بما في ذلك نفسه.
المشهد أمامه أصبح أكثر وضوحاً الآن: الشابة القروية على السرير بدأت تتنفس الصعداء مع ابتسامة راضية بعد انتهاء آلام المخاض. الممرضة القبيحة كانت تحمل الطفل بين ذراعيها، و ارتدت ابتسامه واسعة كفيلة بأن تنفر الشياطين منها جعلت الوليد يضحك بدلاً من البكاء. الرجل النبيل - الذي كان شعره البني ممشوطاً بدقة على جانب رأسه الأيسر، نهض متوجها نحوهم، وأخذ وليده الأول بين ذراعيه بحب شديد. "مبارك لك، سيد شيبرد، لقد رزقت بطفل جميل." كانت الممرضات تهنئنه واحدة تلو الأخرى و إختتمت زوجته هذه المباركات
مع نهاية المباركات أخيراً، أخذ شيبرد نفسا من الهواء وهو يستعد لإعلانه. نظر شومينيل بنظرة متوقِعة من الجانب وهو مبتسم.
الممرضة القصيرة حاملة اللوح الخشبي إنتقلت فقرة الى الأسفل تلقائيا مع بدأ شيبرد، قائلا بنبرة سعيدة: "في هذا الصباح المبارك، أُطلق عليك اسم 'لِسكيان'."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
حسابي ب تويتر: @M7_15on