قبل ٢٧٠ عام، سنة ١٣٠٥ ب.قم

"مرت ١٥ سنة منذ أن انضممت الى الكتيبة التاسعة، لقد بلغت ال٣٦ مؤخرا. قاتلت في صفوف جيش ميرل كالمجنون و قفزت من على هاوية الخطر مرات لا تحصى خلال ذلك العقد ونصف..." تدفقت الكلمات بسلاسة على الورقة البالية تحت ضوء الفانوس البرتقالي.

لمعت عينا الرجل الفضية عاكسة لضوء الفانوس، بينما يحك الشعر القليل على ذقنه مفكرا بالمفردات المناسبة، وأكمل الكتابة "وجدت من ساعدني ووقف معي بالرغم من أنني لا أنتمي لهذا المكان من الأساس، لن أنسى كرم ميرل ما حييت." انتهى من كتابة الخاتمة ولف الورقة، ثم وضع سبابته على منتصف اللفافة و بدأ رأس اصبعه يقطر بسائل ثقيل و بقي يقطر الى ان شكل السائل حلقة ذهبية حول اللفافة و نُحتت الكلمات الثلاث تدريجيا على الحلقة: هلال، كنانة، صقل.

حين جف الختم الحلقي بالكامل، رفع الرجل عينه ناظرا الى الفراش الوحيد على الأرض.

نهض من على مقعده الأرضي و حزم رمحه و حقيبته من جانب طاولته المنخفضة، ثم رمى اللفافة على وسادة الفراش قبل أن يخرج من الخيمة ليجد فرسه في انتظاره.

وضع أمتعته على ظهر الفرس ثم تأمل سماء الليل حيث كان القمر بدرا، كان ضوءه يحجب ضوء النجوم من حوله و يفقدها بريقها.

ابتسم في نفسه مفكرا "البدر قبيح حقا، انه يفرض نفسه على من هم أصغر منه و يهرب حين يقترب الأقوى، تنهد" وضع قدمه على موطئ السرج ثم رفع نفسه حتى جلس بإعتدال، وقبل أن يتحرك.

صوت خطوات في درع حديدي ...

"أحسمت قرارك؟" كان الصوت مألوفا، التفت ربيعة الى المتحدث و قد أصبح تعبيره محايدا.

كان يستحيل رؤية جسد المتحدث في الليالي العادية لسواد درعه لولا القماشة الحمراء التي تغطي صدره و أكتافه، ولكن الآن كان واضحا تحت ضوء البدر حتى نصل مطرده بظهره قد عُكس ضوء البدر على صلعته.

"لم تكن نائما بعد كل شيء" قال ربيعة بلهجة ثابته.

حمل ديمار بوجهه البالغ ابتسامته المعتادة ولكنها بدت مضطربة هذه المرة "يصعب النوم بعد ما قلته"

حول ربيعة نظره الى الأمام برفق "أفهمك، مع ذلك لا أجد سبيلا لإكمال رحلتي معكم... لقد كنت أتبنى نهج الصقل عن إتباع ولكنني أصبحت أتبناه عن إعتقاد الآن"

"إعتقاد! أرى..." سأل ديمار بمفاجأة طفيفة حين سمع الحقيقة "ألم تقل أنك حولت نهجك؟ لحظة... أبقيت ترافقنا في مقدمة الصفوف وأنت لا تتبنى نهج الجناية من الأساس؟!!" بدأ صوته يرتفع كلما استوعب

"ههههه تقول أغير نهجي، هل أبدو لك مثل ڤان لارين أو لودويق؟ كان مجرد عذر حتى لا يعفيني ايراسموس من القتال، أنا مجرد ساقط من الساقطين" سخر ربيعة وهو يشد رباط فرسه للتحرك

ولكن عارض متن حديدي طريق الفرس فتوقفت، "أليس لودويق ساقطا أيضا؟" تلاشت إبتسامة ديمار وهو يسأل، عيناه في عيني ربيعة.

"ابتعد" شخر ربيعة.

"كونك انتهجت الصقل مقتنعا ليس سبب مغادرتك، بل موت معلمي، أليس كذلك؟" صر ديمار على أسنانه ببغض مكبوت "أخذت مرادك و ستجعلني هنا لأحمل الكتيبة لوحدي؟"

"أتتذكر أول لقاء لنا؟ كنت أنت من حددت سبب إنضمامي. الآن أعتبر أن سببي للبقاء تبدد أخيرا"ركل ربيعة متن المطرد مفسحا طريقة، لقد أصبح أقوى حقا.

بينما يحدق ديمار في ظهر ربيعة وهو مغادر على فرسه، سأل: "ربيعة، أجبني قبل أن تذهب... معلمي، إيراسموس، كيف مات؟"

أوقف ربيعة فرسه، و لف رأسه نحو ديمار و وشم الهلال المجنح على رقبته أصبح معوجا، بوجه بارد: "لقد قتلته"

سواء قالها أو لم يقلها كان نصل المطرد على مقربة من منتصف جبينه بالفعل، لم يرف له جفن، تجنب الضربة و أمسك المطرد من عُرفه بيسراه

"أيها الخائن الملعون!!!" صر ديمار على أسنانه بحقد وكأنها ستتفتت، كان هناك عشرات الأوردة الحمراء في عينية و انتفخ كامل رأسه بالعروق ونزف بعضها.

"هون عليك، ستموت من فرط الغضب" تنهد ربيعة بشفقة وهو يرمي له المطرد.

حينها نظر ربيعة الى كفه التي تلطخت بالدماء بسبب العرف الحاد، سرعان ما استعمل تقنية مذهب الحداد خاصته لتحويل دمه الى ذهب ولكن كلما تحول الدم تبخر و عاد دم طازج اخر للنزيف.

توسعت عينا ربيعة في تعجب طفيف "النزيف لا يتوقف؟ تقنية مذهب المغتصب... بالتفكير في انك ستنشطها ضدي"

"لو أصابت رأسي لكنت انتهيت، ههههه." على الفور حول ربيعة كامل يده الى كتله ذهبية ثم قطعها، كانت الكتلة لا تزال تنزف على الأرض من موضع الجرح.

"لما لا تقدم هجوما آخر؟ جرب حظك" سخر ربيعة، بينما تجددت يده المقطوعة حديثا كانت من ذهب و فيها مفاصل بين الأصابع. بقي يشاهد ديمار يلهث بغضب وهو ساقط على ركبة واحدة، يده تضغط على موضع قلبه بينما يتنفس بصعوبة.

"استهلكت الضربة السابقة أغلب هيبتك، أيها المسكين"

الهيبة ليست مرئية ولا محسوسة ماديا، ولكن كل مخلوق يمتلك مخزونه من الهيبة... في حالة البشر قد استعملوا هيبتهم لتنشيط حركات مساعدة في كل جوانب حياتهم.

تنهد ربيعة مشفقا وهو يخرج ابرة صغيرة من جيبه، كانت ذهبية اللون و مضيئة، حين امسكها، حقن بعضا من هيبته فيها وهو يستعد لإطلاقها على ديمار ولكن قبل ان يفلتها رأى ديمار قد سقط على وجهة بسبب الضغط.

"هاه؟" استغرب ربيعة، أعاد الإبرة لجيبه و نزل من الحصان بإضطراب و توجه نحو ديمار.

عندما وصل اليه قلبه على ظهره ليفحص "تبا" كان جلد ديمار يابسا و وجهه متجهم في حالة قريبة من الموت.

وضع ربيعة كفه الحقيقي بسرعة على صدر ديمار و حقن هيبته معيرا اياه، بعد ثواني سعل ديمار و عادت ملامحه الى تعبير متزن وكأنه نائم يحارب كابوسا بدلا من جثة هامدة.

تنهد ربيعة، ثم ترك ديمار على الأرض حين تأكد من بقائه حيا، بعدها توجه الى موضع كفه المقطوعة و التقطها قبل ان يمتطي فرسه، كانت لا تزال كتله ذهبية لكن شكلها بدا مشدودا على بعضه وكأنها تواجه وقتا عصيبا، ولا تزال تنزف "لن يتوقف النزيف حتى تصبح جلدا على عظم... مثير للإهتمام".

حينها شد ربيعة رباط فرسه و خرج من المعسكر.

(الفصل ٦/نهاية الجزء ١)

قبل ٢٦٠ عام، سنة ١٣١٥ ب.قم.

"أبي، ماهي النهوج؟" عند مكتب خشبي سألت فتاة صغيرة الرجل الجالس و المنكب على الكتابة.

كانت لطيفة و خديها منتفخين و بشرتها فاتحة مشربة بلون وردي مثل خوخة طازجة.

إلتفت الأب اليها و ابتسم، مما رفع لحيته التي غطت كامل فكه و شاربه المشيب بعض الشيء على زاويتي فمه، كان شعره طويلا يتدلى على كتفه و بشرته أصبحت اغمق بدرجة.

انحنى و حملها مجلّسا إياها على ركبته ثم أخذ ورقة خالية على الطاولة و طلب منها الانتباه.

أخذ ربيعة القلم و غطسه بالحبر ثم أخرجه، ووضعه على الورقة راسما ٤ أشكال "انظري، هذه الأربعة تمثل النهوج" حدد ربيعة لها على الورقة:

ᶪ : نهج البلاغة

✝︎ مقلوب: نهج الجناية

𐌘: نهج الصقل

෴: نهج الحكم

"القلم يدعى البلاغة، السيف يدعى الجناية، المطرقة تعني الصقل، و أخيرا السوط يدعى الحكم... هؤلاء هم النهوج. حينما تكبرين سوف تسيرين على أحدها"

"رسمك جميل يا ابي" أثنت الفتاة

"أعلم" حك ربيعة انفه بفخر فوقها ثم استمر بالشرح

"كل نهج تكون تحته مذاهب لا تحصى، وليس بالضرورة ان المذاهب تتمحور حول الأشكال، خذي نهج الصقل 𐌘 على سبيل المثال، ان شعارة مطرقة لكن ليس كل منتهجي الصقل يتبنون مذاهب كالحداد و البنّاء، فمذهب الطباخ يتبع نهج الصقل كذلك."

لمعت عينا الفتاة بإثارة الفهم وألحت "أخبرني المزيد يا أبي" كانت تتحرك بقوة فوق ركبته.

"هههههه حسنا أسكني قليلا" هدأها ربيعة ثم قلب الورقة و رسم في ظهرها "هنا تبدأ الإثارة، في أحيان معينة يتشارك نهجان في مذهب واحد، هكذا: " ثم رسم شعارات النهوج و طرق تتفرع منه

"ابي، لقد وصلت طريقين ببعضهما هنا، وهنا أيضا!" أشارت الفتاة الى موضعين مختلفين على ظهر الورقة بسرعة و ربيعة لا يزال يرسم

"بالضبط، انظري الى الطريق المشترك بين نهج البلاغة و نهج الحكم، هذا سيكون مذهب الوزير، وهذان الطريقان هنا" اشار الى المشترك بين الجناية و الصقل "هو مذهب الساحر، يمكنك القياس على ذلك، هناك عشرات المذاهب المشتركة و غالبا ما تكون هي الأقوى و تكون أقلهم عيوبا"

"هذا رائع! أنت ذكي حقا يا أبي!" أثنت الفتاة وعيناها تلمعان، رد ربيعة ضاحكا "أعلم ههههه"

"لكن أبي، هل هناك مذاهب مشتركة بين ٣ نهوج؟ ماذا عن ال٤ جميعهم؟" استمرت الفتاة بالسؤال قبل أن يقاطعها فتح باب الغرفة.

ظهرت إمرأة متوسطة الجمال ترتدي زيا حريريا أخضر داكن، كانت طويلة وعظمات خدها بارزة "ربيعة، هناك شخص يريدك بالخارج، انه ينتظر عند الباب"

عاد ربيعة الى الوراء على الكرسي و سأل "همم؟ قولي له أن يذهب، أنا مشغول الآن."

ترددت المرأة قبل ان ترد "لكنه ليس كباقي زوارك، انه يتمشى و هو يحمل فقاعة معنى بين يديه..."

شُد انتباه ربيعة "سوف أنزل اليه" نهض ربيعة حالا ولبس عباءته المعلقة على الباب، قبل ان يخرج قال لإبنته: "لا ادري وجود احد فعلها فالتاريخ، سيكون جيدا لو قمتي بذلك بنفسك و خلدتي ذكرك." وخرج.

. صوت النزول من الدرج

. صوت خطوات

"أنا قادم"

. فتح قفل الباب

"هلال الهلك؟" سأل الرجل حالما سمع صرير الباب، وهو يحمل فقاعة بحجم رأس رجل بالغ امام صدره.

نظر ربيعة بإستغراب نحو الرجل أمامه، انه عجوز غطت التجاعيد سائر بشرته و هناك الكثير من الفراغات في رأسه و شعره قليل كخيوط عنكبوت، ولكن أكثر ما ميز شكله كانت العصابة السوداء التي لفت عينيه و اذنيه

تمتم الرجل لنفسه في حيرة حين تأخر ربيعة بالرد ثم سأل بتحرج "عفوا، أهذا منزل هلال الهلك؟ هل أخطأت بالعنوان؟"

سرعان ما رد ربيعة عندما عاد لذهنه "أوه لا لا انت بالمكان الصحيح أنا من تبحث عنه، من طبعي ان اسرح بخيالي احيانا؟"

تنهد العجوز بإرتياح "حمدا لله، أنا أدعى تشي وو لو، يمكنك مناداتي بالطليس (١) او العجوز وو. لدي شأن معك لذا رافقني إلى متجري، إنه عن والدتك" لم ينتظر العجوز وو رد ربيعة على ما قاله فقد لف و أعطى ظهره له حين فرغ من كلامه.

الطليس: مطموس العين

لم يكن من ربيعة سوى أن يلحق به حتى خرجا من الحي، ثم تخطيا السوق، بل حتى غادرا اسوار المدينة لكن مع ذلك لم يتحدث ربيعة بأي كلمة، فالواقع استمتع بشكل غريب، فالنهاية لم يناديه أحد بلقب هلال الهلك منذ أن خرج من جيش ميرل.

فجأة توقف العجوز وو، وتوقف ربيعة معه، كانا في وسط سهل طبيعي "لما توقفت؟ لا أرى أي متجر هنا..." سأل ربيعة بتشكك ولكن رد العجوز زاد الغرابة "سوف يصل قريبا."

ربيعة: " ..؟ "

ما ان شعر ربيعة ببعض الريبة حتى دوى صوت نقيق غراب من السماء، حين رفع ربيعة رأسه شاهد أغرب شيء رآه منذ سقط من الأرض.

في السماء كان هناك مخلوق هائل بحجم جبل، له رأس غراب و جسد حوت و كان لون الجسد أخضر بتفاصيل شجرية

"هذه هي! هذه هي!" بقي العجوز وو يتقافز و يغني رافعا رأسه الى السماء بمرح بينما كانت الغربحوترة آخذة المنعطف الجوي و بدأت في النزول نحوهما.

قام ربيعة ببث هيبته تحسبا، عندما شعر العجوز وو بها التفت اليه "لقد اخضعت هذه الصغيرة منذ زمن بعيد، اطمئن" لم تمر سوى ثواني منذ ان قال العجوز وو ذلك حتى هبطت الغربحوترة على بطنها بسلاسة دون إصدار أي ضجيج ثم فتحت منقارها لتشكل مدخلا، و يمكن الرؤية من الأعلى انها مستلقية على شكل نصف دائرة.

"لهذا السبب خرجت من المدينة، سوف تسبب الكثير من المتاعب اذا رآها الكثير" تحدث ربيعة بفهم "السيد الطليس، لقد أثرت إعجابي حقا، مقدرتك على إخضاع مخلوق كهذا لوحدها شيء مبهر" أثنى بشدة.

"هيهيهي صغير مهذب، انك لا تشبهها" سخر العجوز وو بتسلية قبل أن يكمل "اتبعني، هنا يبدا الشيء المهم."

تبع ربيعة العجوز وو الى المنقار المفتوح و قفزا في الداخل، كانت الغربحوترة قد نامت ولن تتحرك حتى يخرجا

كان اللسان تحت اقدامهما كما لو انهما يمشيان على اسفنج مبلول، مع كل خطوة كان يخرج سائل شفاف ابيض من اللسان الرمادي.

أكمل ربيعة و العجوز وو تقدمهم في الفم المظلم "الآن أنا فضولي، مالذي تطعمه لمخلوق مثل هذا؟" سأل ربيعة حين وصلا الى نفق في آخر اللسان، من الواضح انها الحنجرة.

"وجهتنا هي المعدة، ستعرف الإجابة عاجلا أم آجلا" دخل العجوز وو الى الحنجره بقدمية ثم سائر جسده و كأنه جالس في مزلاق، و سرعان ما تبعه ربيعة بعد بعض التردد.

كان المكان مظلما ولكنه واسع كذلك وكأنهم في مدخل كهف.

كانت سرعة الاثنين جنونية بعد عشر ثواني فقط و بقيا في تسارع دائم لمدة دقيقة كاملة في الظلام الدامس حتى شعر ربيعة انه أصبح يتزحلق على أرضية خشنة فقفز، لقد وصلا الى المعدة ولكن حين قفز ربيعة اصطدم بشيء صلب أمامه، رقد حطمها و أكمل تدحرجه على الارض "يا الهي... "

"هيهيهي" بقي العجوز وو يضحك بشدة وهو يدلك الفقاعة بين يديه، وجهه ينظر في مكان آخر، ولكن كان من الواضح أن ربيعة كان هو السبب.

"هل انت طليس حقا؟؟" سأل ربيعة بإنزعاج وهو يدلك رأسه بعد الصدمة. رد العجوز وو "قد تعرف اذا سألت أمك هيهيهي".

"كفاك مزاحا، أنا لم أرى أمي أصلا" نهض ربيعة و نفض ملابسه قبل ان يتمعن في ما حوله لأول مرة "هل هذه هي المعدة؟"

كانت المعدة مثل عالم مختلف، كانت هناك مئات الأشجار الحجرية الضخمة و عشرات الجبال كما ان هناك بحيرات مضيئة، ولكن لا يوجد أي حياة برية او الوان خلابة، كان مصدر الضوء هو عبوات المياة الزرقاء المضيئة المعلقة في السقف و على الجدران، كانت أشبه بكهف عظيم.

"الغربحوترة تحول أي شيء تأكله الى حجر بينما تستخلص فوائده و ألوانه الى طاقة تغطي جسدها، يمكنك استنتاج ذلك من رؤية جسدها فهي تأكل شجرة سماوية واحدة كل عامين" أفصح العجوز وو عن بعض الحقائق.

"ربيعة، أهلا بك في متجري المتواضع." رحب العجوز وو

"أرى، اذن اخبرني ايضا، لِما طرقت باب منزلي و طلبت مني اللحاق بك؟ و كنت تحمل فقاعة معنى من الواضح اني مرتبط بها مما جعلني ألحق بك دون اي اعتراض؟" سأل ربيعة عما يدور في ذهنه منذ مدة

"اوه إذن كنت على دراية بتأثير الفقاعة بك، كنت أظنك أحمقا رضيت اللحاق بي دون ان تقول أي كلمة" تحدث العجوز وو بجدية ولم يكن يسخر "عموما، هذه الفقاعة تخص والدتك، فقد ماتت حين ولدتك و استخرجت فقاعتها دون علم عن من هي"

"ظننت انني أتيت بجسد فتى صغير يعيش على جبل مع والده، اتضح ان والدتي بهذا العالم توفت عندما ولدتني." تحدث ربيعة بتشكك

"لدي علم مسبق بأنك أحد من يسمونهم الساقطين، لا نرى الكثير منكم لذلك أجدكم مثيرين للإهتمام، حتى والدتك كانت تعرف عنك، اليس عجيبا؟. لقد ضحت بغالب عمرها لرؤية المستقبل"

تقدم العجوز وو و أخذ غَرفة من الماء المضيء بيده "ما قلته لك هو ما شهدته بنفسي حين دخلتُ لفقاعة معناها، كانت عبارة عن مشهد واحد تتحدث فيه الي و طلبت مني فعل هذا الشيء، أمعن النظر" اخذ الغرفة التي بيده ثم تحولت لمكهب مائي بطول نصف رجل، كانت على الأرض كطاوله، ضل ربيعة يشاهد بصمت.

ثم أمسك العجوز وو الفقاعة و أفلتها بداخل المكعب لأول مرة منذ تلاقيا، سقطت بداخل المكعب وغاصت حتى دخلت بالكامل في النهاية، اصبحت تطفو بمنتصف المكعب وهناك بعض فقاعات الهواء بجانبها "أساليب مذهب الطباخ؟" سأل ربيعة وهو يراقب العملية.

"بل الساحر، تعال الآن." طلب العجوز وو بهدوء، كان يتعرق لدرجة أن العصابة على عينية أصبحت أغمق من البلل، كل افعاله منذ اخذ الغرفة من البحيرة حتى وضع الفقاعة بالمكعب المائي و الحفاظ عليها بهذا الشكل تستهلك من هيبته "بقي القليل، شمر عن أكمامك و ادخل يدك لإلتقاط الفقاعة، ثم أخرجها ببطئ لتتم معالجتها تماما" أمر لما شخر بإقتراب ربيعة منه.

فعل ربيعة كما طُلب تماما ووضع يده بالمكعب بلا نقاش، كان الماء باردا و سرعان ما انقادت الفقاعة لكفه، كان ملمسها مثل كرة مطاطية.

"جيد كل شيء يجري كما يجب، الآن اسحبها للخارج، ببطئ و رفق ولا تهتم بي" وجّه العجوز وو وهو يشاهد من الجانب، و تبع ربيعة تعليماته دون رد.

بدء برفع يده مخرجا الفقاعة حتى وصل الى مرفقة و لامس رأس الفقاعة سطح المكعب المائي.

ولكن الآن لم تخرج الفقاعة، كان الجزء داخل الماء هو فقاعة المعنى و الخارجي عبارة عن ورقة، كلما سحب ربيعة الورقة لأعلى، ارتفعت الفقاعة من الماء، كان أسلوب تحويل أصلي لمذهب الساحر.

بعد ان خرج ربع الورقة عُقر العجوز وو على ركبتيه و أصبح بالكاد قادرا على تحمل الضغط، ولكن هذه الأمور لا تؤثر على شخص كربيعة، استمر بالسحب مع الثقة في العجوز وو.

عندما سحب ثلاثة أرباع الورقة ولم يبقى سوى ربع الفقاعة فالماء اصبح المكعب المائي يتموج، لم يلتفت ربيعة أبدا مع ذلك، وثق في العجوز وو ولا يزال يسحب الورقة بتركيز شديد.

كان العجوز الوو على الجانب صامتا، ولكن أصبحت العصابة على عينية حمراء اللون، هناك دم يصب بغزارة من فمه و أنفه.

"لا تمت أيها العجوز الطليس، يجب أن تبقى على قيد الحياة حتى أنجز مهمتي" تحدث ربيعة بصعوبة وهو يتعرق من شدة الحرص الذي بذله في إخراج الورقة.

بقي أقل من ١٠٪ "افعلها!" عندما زأر العجوز وو، صر ربيعة على أسنانه و توسعت ابتسماته من الأذن للأذن "ها أنا ذا" سحب ربيعة الورقة الضخمة بالكامل للخارج.

وما إن خرجت كامل الورقة حتى أصبح المكعب ماءا جاريا ملوثا، لو انه تأخر ثانية واحدة لأصبح جهدهما هباء منثورا.

التفت ربيعة بسرعة الى العجوز وو للإطمئنان عليه ولكن بمجرد لمحة واحدة استطاع فهم كل شيء

لازال العجوز وو جالسا على ركبتيه ولكن نزيف فتحاته قد توقف و بقيت الآثار فقط، أصبح يتنفس بعمق وهناك ابتسامة سعيدة على وجهه.

أكثر ما تغير فيه كانت هيئته، لقد أصبحت التجاعيد أقل و عادت بعض أسنانه المبعثرة لمكانها و شعره أصبح كثيفا و صحيا مجددا، حتى أن هناك بعض الشعرات الشابة بينهن.

ضحك ربيعة "لأجل هذا أحببت الرقعة الدنيا، على كم سنة حصلت؟"

"سوف أعيش ل ٨٨ عام أخرى، كنت سأموت هذه السنة" رد العجوز وو و صوته قد أصبح حيويا و شبابيا اكثر

"مبدأ المجازاة، لا يسعني سوى الإعجاب... مبارك لك، من الواضح أن استغلالي كان قيما"

حين يقوم المرء بتنشيط حركة تتطلب استهلاك هيبتهم فذلك سيعرضهم لإمتحان يسمى: مبدأ المجازاة.

بإختصار مبدأ المجازاة سيكون الحكم العادل، حين تفشل سيعاقبك بما يناسب مستوى فشلك، وحين تنجح ف سيكافئك بما يناسب مستوى نجاحك.

خذ ديمار على سبيل المثال لقد فعّل غالب هيبته لينشط أسلوب قتالي خطير في مذهب المغتصب حتى يقوم بهجوم وحيد، ولكن عندما صد ربيعة هجمته و لم يخرج منه الا بمجرد يد مقطوعة، إنتهى به الأمر شبه ميت و كان سيصبح جثة هامدة لولا تدخل ربيعة، لو أن ربيعة صدها تماما بذلك الوقت لكان مصير ديمار أسوء.

خذ في نفس الوقت لو أن ديمار أصابه في نقطه حيوية، ماذا لو قتله حتى؟ نظرا للمخاطرة و لكمية هيبته التي حقنا في مطرده ذلك الوقت، ف سيكون قد حصل على مكافآت ستجعله يضحك حتى في أحلامه.

كذلك نفس الشيء يمكن تطبيقة على الموقف الحالي، فعل العجوز الطليس تشي وو ليو كل شيء بدءا من طرق باب ربيعة و اخراجه من المدينة ثم استدعاء الغربحوترة و انشاء المكعب المائي و جعل ربيعة يحصل على ميراث والدته كل ذلك ليس لسواد عيونه، ولكن لأن العجوز تشي وو ليو كان قريبا من الموت و أراد طريقة تعطيه بضع سنوات أخرى للعيش ووقع إختياره على هذه المهمة.

"ليست هذه طريقتي في فعل الأشياء، لقد سلمتك أمانتك بالمقابل، قد أبدو شخصا سيئا لأن الأمانة لا تسلم بمقابل من ناحية أخلاقية ولكن ماذا عساي أن أقول، اذا لم تكن راضيا... فسمعني صياحك" تحدث العجوز وو بسخرية وهو يستمتع بدفئ جسده المجدد "عموما، الورقة التي خرجت معك هي الميراث الذي تركته والدتك لك، الورقة التي في يدك هي جزء من كتاب الرجال، ستنتفع منه لا محالة"

"كتاب الرجال..." فكر ربيعة

(الفصل٦/نهاية الجزء٢)

قبل ٢٤٥ عام، سنة ١٣٣٠ ب.قم

'في منتصف بحر نقي، تواجدت أرض ضخمة مكونه من ٥ قطع كنجمة بسيطة.'

'في منتصف هذه النجمة تواجدت قبة ضخمة، كانت حليبية اللون و مضيئة دوما حتى في أحلك الليالي تاركة حقيقة أن ضوء الأمل لا يطفئ.'

'بفضل جهود ستة كيانات: الأحمر و الأخضر و الأزرق و الأبيض و الرمادي و الأسود، تشكل الجيل الذي تكفل بإنشاء أعظم معجزة مادية غيرت التاريخ الى الأبد.'

'لقد أقام الأسود هذا المحفل العظيم بناء على وصية أبيض و قد سماها: قبة المرعى.'

'بقيت هذه القبة صامده ولم تفقد بريقها ولو لثانية واحدة حتى بعد عشرات القرون.'

ب.قم: بعد قيام قبة المرعى.

"يالها من رحلة، للظن بأن كتاب الرجال كان داخل قبة المرعى طوال هذا الوقت" خرج رجل عجوز عظيم اللحية طويل الشعر، كان قصير القامة يرتدي عباءة جلدية رثة و قد إنحنى ظهره بسبب كبر عمره.

ولكن مع ذلك كان سعيدا بنجاح مسعاه "نجم الشآم... تنهد، علي العودة لمملكة ايليا المباركة"

بعد أيام

في إحدى الليالي وبينما كانت الفرس العجوز تمشي على المرج الأخضر، و رائحة العشب ممتزجة برائحة المطر المنتهي حديثا، توقف ربيعة العجوز أمام مرتفع صغير يعرف ب تل الندى؛ ذلك التل العشبي الذي أشتهر بأن السماء تمطره ثلثي اليوم، مما يجعله بالثلث المتبقي نهارًا يبدو لامعا بسب القطرات المتندية.

أخذ ربيعة بعض الخطوات الثقيلة في صعود التل، وقد استدعى رمحا بيده المركبة، كان الرمح مزيجا من الذهب و الفولاذ الإيلياني الأسود.

عندما صعد تماما على رأس التل شعر به يهتز تحته، لكنه بقي هادئا حتى إنفجرت المساحة أمام قدمية و ظهرت فقاعة معنى.

كان المشهد بالداخل مذهلاً: مُلئ النصف السفلي بالتربة تماما، كان مغطى بسجادة خضراء، في الوسط قامت شجرة عتيقة امتدت جذورها الى القاع و حين تتمايل أوراق تاجها بفعل الريح تبدأ بحك الجدران الشفافة. أوراقها ذات لونين - الأخضر و الأسود -و عند نهاية جذعها، كانت مجموعة من الذئاب تفترس بعضها البعض، و جذور الشجرة بدت وكأنها عروق من فضه.

*AI*

"هون عليك أيها الماكر القديم، لستُ من تنتظره" سخر ربيعة وهو يمسح بيده العجوزة على جدران الفقاعة "هذه هي مساهمتي للنجم الشاب، إنهما ذروة ما توصلت اليه حصيلتي في نهجَي الجناية و البلاغة، من المؤسف انه لن يكون مهتما بنهج الصقل" تنهد ثم تحلل الرمح الى غبار و فتحت الفقاعة مدخلا لتمتص الغبار و كان هذا ميراث الجناية، و أضاف ربيعة يده الذهبية كذلك حيث تحولت لغبار هي الأخرىو امتصتها الفقاعة كذلك، وهذا هو ميراث البلاغة.

حين تمت العملية، طفت الفقاعة مرتين فالهواء لأعلى و لأسفل كأنها ممتنة لأنها شبعت، قبل أن تعود الى الأرض و تدفن نفسها بهدوء على قمة التل.

رأى ربيعة العملية و ابتسم، و بينما هو نازل من التل شعر برغبة في رفع رأسه إلى سماء الليل، حيث كانت النجوم معلقة كمصابيح، و الهلال يتجلى بينهم بجمال.

عندها داهم شعور ما قلب ربيعة، ضحك حتى أدمعت عيناه و لم يعد قادرا على كبح جماحه، لقد شعر بالرضى.

.

.

.

«هههههههه، هذا بديع.»

••••••••••••••••••••••••

الفصل السادس: كتاب الرجال

PaSaLyUs | X: @M7_15on

أهلا انا بصليوس، عندي رسالتين أود تقديمها.

١. شكرا لدعمكم الآرك الأول من قصة الندى الأدنى طيلة هذه الفترة، بفضل الله ثم بفضلكم حصدنا ما مجموعه ٢٠٠ قراءة في ٥ فصول، بدون إحتساب التجارب السابقة و التهذيب، فجزاكم الله خير الجزاء.

٢. هنا سأتوقف لفترة غير معلومة، أنا تخرجت ولله الحمد ولهذا هناك أمور يجب ترتيبها في حياتي ولا استطيع التوفيق بينهم و بين الكتابة، لكني لن أتوقف عن التحديثات على تويتر لذا... لا نقول وداعا ولكن الى لقاء قريب ♡.

2025/06/30 · 57 مشاهدة · 3569 كلمة
PaSaLyUs
نادي الروايات - 2026