في يوم غائم بائس، كانت سماء المدينة مكتسحة بالغيوم داكنة اللون، والمدينة تموج بضجة خانقة من أصوات البشر والسيارات التي لا تهدأ.

وسط هذا الزحام، ها أنا ذا أقف وحيداً أمام مبنى مهجور، كان مبنى استوديو بث قديم يعود للقرن الماضي. جدرانه المتآكلة تئن تحت وطأة الزمن. الناس يمرون من حولي مسرعين، تتصادم أكتافهم بي أحياناً، لكنهم يتابعون سيرهم كما لو أنني لست موجوداً.. كأنني شبح عابر في هذا الشارع المكتظ.

طالما كان حلمي منذ البداية أن أقف خلف الميكروفون، أن أكون مذيعاً يتردد صوته في الآفاق.. لكن الواقع لم يكن رحيماً؛ تذكرت الانكسارات المتتالية، الأبواب التي أُغلقت في وجهي، وكيف تحطم ذلك الشغف ليتحول إلى عزلة وكبت طويل.

تراجعت خطوتين للخلف، محاولاً الابتعاد عن هذا المكان الذي يثير في نفسي ريبة مجهولة. سرت في المنعطف المجاور غايتي الفرار، لكن الغريب أنه كلما حاولت الابتعاد، أجد قدمي —دون وعي— قد ساقتاهني للوقوف أمامه مجدداً، وكأن الأبعاد من حولي قد طويت لتعيدني قسراً إلى نقطة الصفر.

تنهدت بعمق، وضغطت على يدي المخبأة في جيبي، وقلت بنبرة خافتة:

"آاخ.. تباً."

نظرت مجدداً إلى الباب الحديدي الصدئ للاستوديو؛ لم يكن مغلقاً بل كان يبدو لي مفتوحاً بشكل غريب، مصحوباً بشعور داخلي طاغٍ يهمس في أعماقي بأن علي الدخول، وأن مهربي الوحيد يكمن في الداخل.

تابعت في نفسي بجديتي المعتادة:

"ما من حلٍ آخر.. عليَّ الدخول."

تقدمتُ نحو ذلك الباب المفتوح قليلاً، ومما زاد رغبتي في الدخول رفعتُ يدي للإمساك بمقبض الباب الصدئ وفتحته.

وضعتُ خطوة داخل المبنى، ثم زدتُ التالية إلى أن دخل جسدي كله. دخلتُ المكان وكان الظلام طاغياً بالداخل. شعرت بريبة، فالتفتُّ ناحية الباب بعد أن أعدت التفكير، لكن الكلمات تجمدت في حلقي:

"..."

"أين الباب؟"

بحثت بعينيّ في العتمة، لكن لم يكن هناك أي أثر للمخرج أو للشارع الصاخب بالخارج.. لقد اختفى تماماً، كما لو أنه لم يكن موجوداً من البداية، تاركاً إياي سجيناً داخل هذا الفراغ المريب.

راقبتُ بذهول الجدار الذي من المفترض أن يكون المدخل الذي جئتُ منه. صفعتُ نفسي لأستوعب ما يحدث حولي. بعد أن تأكدتُ من أنني واعٍ تماماً، التفتُّ نحو الرواق الممتد أمامي.

بنظرات خوف وحذر، بدأتُ بالتقدم باحثاً عن طريقة للخروج. رافقني شعوري بالخوف والذهول في طريقي؛ شعرتُ كما لو كنت داخل قصة من قصص الرعب.

وأنا أمشي في الممر، لاحظتُ أنه لا يبدو متهالكاً كما كان يوحي به مظهره في الخارج. لاحظتُ وجود الأضواء الصفراء القديمة المتصلة بالثريات الكلاسيكية. هنا تذكرتُ أنه في قصص الرعب، الممر المضاء يدل على نذير شؤم.

توقفتُ وقلت بقلة حيلة:

"ماذا أفعل؟.. ما من طريقٍ آخر إلا هذا الممر. آاخ!"

التفتُّ لأحد الجدارين، فلاحظتُ وجود صورة لم أرها من قبل. تراجعت وتمتمت:

"ما هذا؟.. لم تكن موجودة قبل قليل!"

اقتربتُ قليلاً من اللوحة؛ كانت تبدو الشيء الوحيد القديم في هذا الممر. حدقتُ فيها بدقة، وفجأة اتسعت عيناي بصدمة..

رأيتُ في الصورة ذلك الشعر الذهبي المختلط بالأسود المميز، مع حدقتي أعين مختلفة؛ أحدهما باللون الذهبي والأخرى بالفضي، مع تلك البدلة الكلاسيكية..

تراجعت وأنفاسي تتسارع، وقلت بصوت مرتجف:

"مهلاً لحظة.. لماذا توجد صورة لي هنا؟!"

2026/08/10 · 4 مشاهدة · 475 كلمة
Roronewazoro
نادي الروايات - 2026