دوّى صوت المذيع في أرجاء المكان المجهول، ومع آخر كلمة نطق بها، بدأت مشاعل مثبتة على الجدران بالاشتعال بالتوالي، لتنير طريقاً حجرياً ضيقاً ومرعباً للمتاهة.

رفعت رأسي إلى الأعلى أحاول استكشاف المخرج.

أين السقف؟

لم أستطع رؤية نهاية الجدران، كان هناك ضباب خفيف يحجب كل شيء في الأعلى، كأننا في حفرة لا قاع لها.

التفتُّ نحو الفريق؛ كانت علامات الاستغراب والضياع واضحة على وجوههم، لكن الوقت كان يداهمنا والعداد التنازلي يتحرك بلا رحمة. دون تفكير طويل، بدأنا بالتحرك سريعاً هرباً من الوقت، فالموت ينتظرنا بعد ساعة. تقدم جاك الفريق بخطوات متوجسة، بينما التزمتُ أنا بالمنتصف خلفه.

ونحن نسير بخطى متسارعة تحت ظلال المشاعل الراقصة، تجمّد بصري على لافتة خشبية قديمة معلقة على الجدار، كُتب عليها بطلاء أحمر قرمزي:

(اعترف بخطاياك)

تسلل الارتباك إلى قلوبنا، لكننا آثرنا الصمت وأكملنا السير مجبرين، حتى اخترق الهدوء صوت ضغطة ميكانيكية حادة قادمة من الخلف.

التفتُّ أنا وجاك بسرعة للوراء.

كانت ماي تقف متصلبة، وقد غاصت قدمها داخل بلاطة حجرية متحركة.. لقد داست على فخ!

في اللحظة نفسها، انبعث صرير معدني مرعب من وسط الضباب في الأعلى. لَمحتُ ظلالاً لشفرات حادة وضخمة تسقط نحونا بسرعة البرق لتشطرنا إلى أشلاء.

"..."

ماذا؟!

اجتاحني الدوار العنيف ذاته، وفي رفة عين، وجدت نفسي أقف مجدداً في النقطة المظلمة الأولى.. لقد عُدنا إلى البداية!

اجتاحني شعور مفاجئ بالوخز والحكة في ظهر يدي. رفعتها سريعاً لأتحقق منها، فصدمت بوجود رمز غريب وغامض لم أره في حياتي من قبل، لكن الغريب أن عقلي استوعب معناه فوراً دون تفسير.. كان الرمز يشير بوضوح إلى الرقم "أربعة".

وجهت نظري ناحية البقية لأرى أثر ما حدث عليهم؛ كان جين يصرخ بهلع وهو يتفحص جسده غير مصدق أنه ما زال حياً، بينما سقطت ماي على ركبتيها ولم تعد تقوى على الوقوف من أثر الصدمة والرعب.

لكن ما حيرني حقاً هو جاك؛ كان يقف ببرود ولم يصدر منه أي رد فعل، كما حرت في نفسي أيضاً.. لم أشعر بأي ألم مما حدث قبل قليل.

توقفت عن التساؤل فالوقت يمر، وبدأت أحاول تهدئة جين وماي لكي نستعيد تركيزنا. التفتُّ طالباً المساعدة من جاك ليرفع ماي من الأرض، لكنه التفت إلينا وقال بحزم ونبرة جافة:

"هيا.. الوقت يداهمنا أيها الحمقى!"

لقد تغيرت نبرته تماماً عن ذلك الرجل الخائف الذي كانت ركبتاه تصطكان في الأستوديو. تملكتني رغبة عارمة في توجيه لكمة إلى وجهه المتغطرس، لكنني كبحت نفسي.. للأسف، هو على حق، فالعداد التنازلي لا ينتظر أحداً.

نظرتُ نحو الممر الحجري الممتد أمامنا، وحسمت أمري بالتحرك بخطى سريعة متبعاً غريزتي، لتتحرك ماي وجين خلفي بتثاقل. بمحاذاتي، ركض جاك محافظاً على سرعته، ثم التفت إليّ فجأة وقال بنبرة هادئة غير متوقعة:

"تبدو معتاداً على الأجواء أنت أيضاً."

توقفت دقات قلبي للحظة. "همم...؟"

دار في ذهني سؤال واحد: ماذا يقصد؟

لم ينتظر جاك إجابتي، بل أكمل بملامح جامدة: "هذه ليست المرة الأولى لي.. لقد حدث لي أمر مشابه لهذا من قبل."

اتسعت الرؤية في عيني بصدمة، وقلت له بنبرة مستنكرة: "أتفوه بالخرافات في وقت كهذا؟ أتمزح معي؟"

ثبّت بصره عليّ بوجه جاد لا يحمل ذرة هزل، وأجاب باختصار: "لا."

"..."

ماذا؟!

تصارعت الأفكار في عقلي، لكنني نفضتها سريعاً عن كاهلي؛ فالآن ليس الوقت المناسب لاستجوابه، والعداد يلتهم الثواني.

قطع صمتنا صوت داميان الجاف وهو يصدح من العدم ببهجة مقيتة:

مرت ربع ساعة أيها المتسابقون! لم يتبقى الكثير!

تباً! الوقت يمر أسرع مما توقعنا، وعلينا الإسراع فوراً!

اندفعنا للأمام، لكن فجأة شُلّت حركتي وتجمد بصري على مظهر الممر. تذكرت تفاصيل الطريق بدقة قبل أن نموت في المرة الأولى.. لم يكن هذا المعلم موجوداً أبداً!

استدرت نحو الفريق وصحت بنبرة مذهولة:

"مهلاً يا رفاق.. لم يكن هذا الباب هنا من قبل!"

حدّقتُ في الباب الخشبي الضخم الذي سدّ الممر، ومع اقترابي منه، بدأت ألمح عبارة نُقشت بغموض على سطحه العتيق:

(خطايا الأول)

مددتُ يدي سريعاً وحاولت دفع المقبض بكل قوتي، لكن الباب ظل متصلباً في مكانه وكأنه جزء من الجدار الحجري، لم يتزحزح إنشاً واحداً.

في تلك اللحظة، تقدم جاك بثقة، ومد يده ليدفع الباب.

"هاا؟!"

انفلتت مني صيحة ذهول صامتة وأنا أرى الباب ينفتح أمامه ببساطة شديدة ودون أي مقاومة بمجرد أن لمسته أنامله.

في هذه الثواني، لمعت الفكرة في عقلي واسترجعت سريعاً الكلمات التي قالها المذيع داميان في الأستوديو: "لقد وضعنا الترقيم لأن كل فرد منكم لديه منطقة خاصة هو المسؤول عن حلها!"

الآن فقط.. اتضح الأمر بالكامل! الرقم واحد هو جاك، وهذه المنطقة هي منطقته المحرمة التي لا يملك مفتاحها سواه.

دخلنا عبر الباب ولم نلمح شيئاً من شدة الظلام الذي ابتلع المكان كلياً. تقدمنا بحذر، وفجأة.. دوّى صوت إغلاق الباب خلفنا بقوة، ليزيد من شعورنا بالوحشة.

بدأ المكان يتوهج بضوء خافت وأزرق باهت، وبدأنا نرى ملامح بعضنا البعض بوضوح، لكن حين نظرتُ إلى جانبي، تجمّد قلبي.

أين جاك؟

التفتُّ بحثاً عنه بجنون. لم نعد إلى البداية، مما يعني أنه لم يمت، لكنه اختفى! في نقطة وسط الغرفة، كان هناك بقعة ضوء مسلطة من الأعلى، وهناك.. كان جاك يقف وحيداً، ساكناً كتمثال من رخام.

حاولتُ والآخرين الاقتراب منه، لكن قبل أن أخطو خطوتي الثانية، شعرتُ بيد باردة تلمس كتفي، وتبعها صوت همسٍ مبحوح اخترق أذني:

"لا تلتفت."

تسمرتُ في مكاني، فقد كان الصوت قريباً جداً، وأدركتُ على الفور أنه لم يكن صادراً عن جين أو ماي اللذين يقفان خلفي.

"لا تلتفت.".. كرر الصوت بنبرة أكثر قسوة.

"اجلس على المقعد.. وابْقَ هادئاً."

ارتجف جسدي مع كل كلمة، وأكمل الصوت المجهول وهو يلف حولنا كالأفعى:

"سوف تبدأ الآن.. محاكمة الخطايا."

2026/08/10 · 3 مشاهدة · 847 كلمة
Roronewazoro
نادي الروايات - 2026