بعد أن انطلق ذلك الهمس المرعب، لم تكن مجرد أوامر، بل شعرت بسلطة غريبة تطبق على عقلي، برغبة قاهرة تجبرني على الإذعان والطاعة دون أدنى مقاومة.
تحركت قدمي رغماً عني وسرتُ بخطى ميكانيكية نحو المقاعد الخشبية وجلست. إلى جانبي، كان جين وماي يجلسان بالملامح الشاحبة والمستسلمة ذاتها، وكأننا مسلوبو الإرادة تماماً.
قَطَع الهدوء الصارم صوت ضربات حادة ومجلجلة:
"طَقّْ.. طَقّْ.. طَقّْ!"
تردد صدى المطرقة الخشبية في الأرجاء، وتبعها صوت مهيب وجاف ينبعث من المنصة العالية التي يحجبها الضباب:
= "لِتُفْتَحْ مَحْكَمَةُ الخَطَايَا.. وَلْتَبْدَأْ جَلْسَةُ الحِسَاب!"
توقف الصوت، ثم أردف بنبرة قاسية تجمدت لها دماؤنا:
= "يا هيئة المحلفين.. لنسمع ما لديكم عن المدّعى عليه!"
ساد صمتٌ ثقيل يقطع الأنفاس... وثوانٍ من الترقب جعلت قلبي يقرع كالطبول، حتى بدأ الضباب المتكاثف في الجهة المقابلة يتحرك ببطء، وتجلت من بين طياته هيئة بشرية غامضة.
ومع اقترابها من الضوء، شخصت أبصاري من الصدمة.. كانت هيئة تطابق شكل جاك تماماً، وكأنه يواجه نسخته الخفية!
رد القاضي بصوت رخيم هزّ الجدران:
= "تفضل أيها المحلف رقم 7."
تحدث الرقم 7 بنبرة مليئة بالغل:
"يا سيادة القاضي، إن المدّعى عليه قد تلطخت يداه بدم بريء! بسببه وطمعه الجشع، أقدم على قتل أخيه وأبيه طمعاً في ثروتهما، كما سرق جهود زملائه وزجّ بهم في السجن ليستأثر بكل الفضل لنفسه!"
لم أصدق ما سمعته.. أيعترف هذا الذئب بكل هذه البشاعة؟ هل هذه حقيقته؟
سأل القاضي جاك القابع تحت الضوء:
= "أيها المدّعى عليه.. هل تقرّ بصحة ما قيل؟"
أطرق جاك رأسه إلى الأسفل، وأجاب بنبرة خاوية:
"أُقِرُّ بذلك.."
= "حسناً.. التالي!"
برزت نسخة أخرى مطابقة لجاك من الظلام:
"أنا يا سيادة القاضي.."
= "تكلم أيها المحلف رقم 2."
أشار بأصبعه نحو جاك بحقد:
"المدّعى عليه قام بتشكيل وتجنيد عصابات لترهيب الناس، وتنسيق أعمال عنف وقتل متفرقة لمجرد التفريغ عن غضبه وساديته!"
= "هل هذا صحيح؟"
نظرتُ إليه بذهول، فاكتفى بتهشيم نظراتنا وهزّ رأسه في خضوع صامت.
= "المحلف التالي!"
تقدمت نسخة ثالثة وقالت:
"أنا يا سيادة القاضي.. المحلف رقم 1! المدّعى عليه دأب على إهانة النوادل وإذلال الضعفاء، والتشهير بكل من يجرؤ على مقارنة نفسه به، لتغذية غروره المريض ويهيئ لنفسه أنه الأول ولا منافس له!"
= "هل هذا صحيح؟"
همس جاك بصوت خافت متقطع:
"صحيح.."
توقف الزمان للحظات، ليعود صوت القاضي المجلجل:
= "هل من متقدم آخر؟"
"..."
= "لا أحد إذن. بما أن المدّعى عليه لم يكذب ولم ينكر أي اتهام موجّه إليه، أُصدر حُكمي: يُحكم على المدّعى عليه بالسير في السعير متجرداً من كل ما يملك، مع حمله لأوزان ثقيلة تعادل حجم آثامه، حتى يكفر عن خطاياه!"
"طَقّْ!"
= "رُفِعَتِ الجَلْسَة!"
توقف كل شيء. ساد سكونٌ مطلق لثانية واحدة، كأن العالم يحبس أنفاسه قبل الكارثة.. ثم اهتزت الأرض تحت قدمي جاك بعنف وتشققت!
انبعثت من الفجوة حرارة هائلة كادت تحرق وجوهنا، ولمحت اللهب المتأجج في الأسفل. في رفة عين، سقط جاك في قاع الشق الاشتعالي! كان مكبلاً بثلاث قطع حديدية ضخمة توهجت باللون الأحمر الساطع من شدة جمرها؛ واحدة تطوق رقبته كالقيد، واثنتان تضغطان على ذراعيه.
ارتفعت صرخاته المكتومة مع رائحة الاحتراق.. كان المنظر مرعباً ومؤلماً فوق الاحتمال!
ضرب القاضي بمطرقته للمرة الأخيرة:
= "إلى البقية.. اخرجو!"
اجتاحنا الدوار ذاته، واختفت القاعة الملتهبة من حولنا.
عندما فتحتُ عيني، وجدتُ نفسي قد عدتُ إلى النقطة الأولى في بداية المتاهة. التفتُّ خلفي بحذر، فرأيت جين وماي يقفان بذعر.. بينما اختفى جاك تماماً من بيننا!
وقفتُ ألهث ومعدتي تعتصر من هول ما رأيت، بينما استمر جين وماي بالارتجاف على الأرض.
جاء صوت "داميان" المزعج والمفعم بالحيوية المقيتة عبر مكبرات الصوت:
أيها المتسابقون! متى سوف تتحركون؟ لقد مرت خمس دقائق وأنتم جالسون على الأرض! لم يتبقَّ لكم سوى 40 دقيقة!
رفعتُ رأسي بنظرة حادة ملطخة بالصدمة، وصحتُ بصوت مرتفع:
"أيها المذيع! أين جاك؟ ماذا فعلتم به؟!"
توقف البث لثانيتين، قبل أن
يأتي رد المذيع بارداً وخالياً من أي اهتمام:
من...؟