الفصل13: الأحمق
دوى صوت الرصاص مرتين، لتخترق الرصاصتان جسد اندرو الملقى على الأرض.
بدأ يصارع لالتقاط أنفاسه المبعثرة، بينما كانت عيناه تعكسان رعبا لم يختبره من قبل.. لم يكن خوفا من العدم، بل كان فزعا على أحلامه التي بدأت تتبخر أمام ناظريه.
في تلك اللحظة، رأى كل وعوده لنفسه بالانتقام، بالسعادة، وبالحياة التي أراد تعويضها، وهي تتلاشى كدخان في ليل موحش.
"لا.. لا.. لماذا يحدث هذا دائما؟ كل حياة هي نفس الشيء، ألا أستطيع الانتقام؟" سأل نفسه وهو لا يرى سوى الظلام.
أسئلة لم يكن لها جواب.. لماذا حقا يحدث له هذا؟
لا يعرف لماذا لم يستطع الانتقام أبدا.
لا يعرف أيضا، ولكنه يعرف شيئا واحدا... أنه انتهى.. انتهت حياته الأخيرة.
لقد انتهى كل شيء قبل أن يبدأ حقا.
...
"أحسنت صنعا يا مايكل.. شكرا لك على كل شيء، ولكن.." نطق لويس بالكلمات وهو يرفع نظره نحو مايكل، الذي كانت الابتسامة لا تزال تشق وجهه بانتصار.
"ولكن ماذا؟" رد مايكل بثقة، "أفترض أنك لست ممن يخلفون وعودهم.."
لم يمهله لويس لينهي جملته.
برصاصة واحدة خاطفة استقرت في منتصف جبهته، هوى مايكل جثة هامدة.
كانت الضربة من السرعة بحيث تجمدت تلك الابتسامة على وجهه.. لم يجد وقتا حتى لتتحول ملامحه من الفرحة إلى الذهول.
تمتم لويس في سره وهو ينظر لجسد مايكل الملقى: "أتظن حقا أن وحوش كتيبة الدم الأحمر لهم حق في العيش كبشر عاديين؟ قتلتم الآلاف بدم بارد، وتريدون عفوا؟".
لقد كان وعد لويس لهم مجرد طعم... أوهمهم بمعرفته بطرق قانونية تحولهم من مجرمي حرب مطلوبين دوليا إلى مواطنين أحرار، ليدفعهم إلى خيانة أندرو، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي ترك أحدهم يتنفس.
أفراد هذه الكتيبة لم يكونوا مجرد جنود، بل كانوا قتلة..
تمت تصفية قادتهم وكل من دعمهم، وظل من هرب منهم مطاردا كالجذام في كل بقاع الأرض.
كانت أمنية إريك ومايكل هي التوقف عن الاختباء، وهذا اليأس هو ما جعلهم يثقون في كلمات لويس ويغدرون بسيدهم الجديد.
نظر إلى الفوضى حوله ثم استدار نحو جين بنظرة عميقة.
"بما أنهم كانوا على بعد خطوة واحدة من سحق حياتك وحياة عائلتك، فليس لأحد منهم الحق في رؤية شمس الغد.. لن ينجو أي شخص حاول المساس بك."
كان هذا أحد عهوده لنفسه في هذه الحياة... فهو لم يكن يعرف من هو أندرو، ولم يسبق له أن قابله في حياته الماضية، ولكن بما أن أندرو حاول تصفية جين، فلم يترك له خيارا سوى القتل.
كان على لويس أن يعود إلى ذلك الجانب المظلم الذي ولد في أعماقه بعد وفاة جين المرة السابقة.
نعم، في حياته الماضية لم يتمكن من حمايتها ولا نيل الانتقام الذي أراده، لكنه على الأقل فعل أشياء لم يتخيل يوما أنه سيفعلها... لقد تتبع وقتل كل من له صلة بالموضوع، كل من كان يعرف شيئا عما حدث لها.
لكن في النهاية، حين وصل إلى كايل، لم يستطع فعل شيء.. فقد كان كايل قويا جدا في ذلك الوقت، مما أدى لموت لويس سريعا.
أما في هذه الحياة، فهو يدرك تماما أن كايل ليس بهذه القوة في هذه اللحظة بذات.. ومع ذلك، استطاع لويس تصفية التهديد الحالي، وشعر بنشوة عارمة لأنه، وأخيرا، استطاع إنقاذ جين.. وبسبب هذا كان متقدما بكثير عن كايل.
"جين.." نطق اسمها برقة بالغة تناقضت تماما مع بروده قبل قليل.
كانت جين تقف متجمدة، عاجزة عن استيعاب حجم المأساة التي كادت تبتلعها.
أدركت بمرارة أن أندرو، الرجل الذي ظنت أنها أحبته، كان يخطط لذبحها مع عائلتها.
لولا هذا الشخص الغريب الذي ظهر من العدم، لكانت الآن هي ومن تحب مجرد جثث في هذا المستودع المنسي.
"لماذا؟ ماذا فعلت ليحدث كل هذا؟ أنا بالكاد أعرفه منذ يوم واحد!" صرخت جين وهي تنهار باكية، شهقاتها كانت تعبر عن رعب حقيقي...
ففكرة أن عائلتها كانت ستمحى من الوجود قبل لحظات جعلت عقلها يتوقف عن العمل.
"لا تخافي.. انتهى الكابوس، أنا هنا بجانبك." قال لويس وهو يضمها إليه بقوة.
كانت نبرته توحي بالحماية، لكن بداخله كان يعلم أن هذه هي الفرصة الذهبية التي انتظرها طويلا.. ليثبت في عقل جين أنه البطل الذي قدره لها الزمان.
خرج لويس وجين من ذلك المستودع الموحش، وبينما كانا يتجهان نحو منزلها، كان لويس في نظرها هو المخلص الوحيد.
ورغم أن مشاهد الدماء والتقلبات النفسية العنيفة تركت ندوبا في روحها، إلا أن معرفة أن عائلتها لا تزال تتنفس كانت كافية لتمنحها بصيصا من الارتياح وسط هذا الحطام.
على أرضية المستودع الباردة، كان أندرو يصارع للبقاء غارقا في بركة من دمائه.
كانت أفكاره تتسارع بوهن.
"دائما ما تنتهي الأمور بهذه الطريقة، لماذا حقا؟" قال في نفسه بمرارة.
"في النهاية، لويس هو المستفيد الوحيد مما حدث.. لقد تقرب من جين كثيرا وستحبه حتما.. كل هذا لا يعني سوى شيء واحد: إنه البطل." ثم توقف عن التفكير قليلا.
"أيها النظام، لدي سؤال واحد..." فكر في نفسه وهو يستسلم لكل شيء.
لم يدر كيف كان قادرا على التفكير، فكل هذا الوقت كان كافيا لموته... فقد خسر معظم دمائه، فضلا عن الرصاص الذي اخترق صدره وكليته، وهي مناطق حيوية.
لكن ذلك لا يهم ما دام قادرا على التفكير وإيصال كلماته للنظام، فهذا هو الأهم.
[النظام: اسأل]
"هل خنتني؟"
[النظام: لا]
"إذن، ما تفسير ما حدث؟"
[النظام: هل أنت أحمق؟]
"لا."
[النظام: إذن، ما تفسيرك أنت؟]
"عن ماذا تتحدث؟ أنا أطلب منك تفسيرا لكيفية غدري."
[النظام: وأنا أقول لك فسر لي لماذا سقطت بهذه السرعة؟ لم تكمل يوما واحدا في هذه الحياة وها أنت تودع الملاعب؟]
"أليس هذا بسببك؟ لقد قدمت لي قنبلة موقوتة انفجرت حتى قبل الأوان!" صرخ في نفسه.
[النظام: هل أنت أحمق؟]
"لا."
[النظام: هل أنت متأكد؟]
"لا.. أقصد نعم، متأكد."
[النظام: أشك في ذلك.]
"هيا أجبني، أشعر أنني سأموت في أي لحظة."
[النظام: اهدأ، لن تموت وأنت بين يدي، لا تخف.. هاهاها، ما رأيك؟ ألست مفيدا؟]
"..." شعر بالارتياح ولكن بالخوف أيضا.
[النظام: انس الأمر، هل قرأت الملاحظة تحت المكافأة؟]
"ملاحظة؟ أي ملاحظة؟"
[النظام: ألم أقل لك أن تتعامل معهم بحذر؟ وماذا فعلت أنت؟ هل تعتقد أنك ذكي؟ هل تظن أنك شرير داهية؟ أنت تبدو لي أحمقا بكل صراحة.]
..
ملاحظة: تم تعديل الغلاف للمرة الثالثة.