الفصل 18: المتعة الحقيقية
"أليست ابنة عمك؟ كيف لا تعرف عنوان منزل عمك إذن؟" سأل الحارس باستغراب، وضيق عينيه وهو يتفحص ملامح أندرو مجددا.
"أنا جديد في هذه المدينة، ولم أزرهم من قبل."رد أندرو باقتضاب محاولا الحفاظ على هدوئه.
"آسف يا بني، أنا مجرد حارس أمن، ولا أملك صلاحية الوصول لعناوين منازل الطلاب."هز الحارس رأسه بأسف.
"تبا.. لماذا لم تقل هذا منذ البداية؟" خرجت الكلمات من فم أندرو حادة ومفاجئة، واستدار ليغادر وسط دهشة الحارس من تغير لهجته المفاجئ.
لكنه توقف فجأة، والتفت إليه مرة أخرى بنظرة خالية من أي ود.
"اسمع، هل تملك عنوان أحد الأساتذة؟" سأل ببرود، وكأنه لم يعد يكترث للحفاظ على قناع الشاب المهذب.
تجاهله الحارس هذه المرة وقرر العودة لعمله، لكن صوت أندرو أوقفه: "سأمنحك عشرين ألف دولار. أعطني رقم حسابك الآن وسأحولها لك في هذه اللحظة."
تسمر الحارس في مكانه، والتفت ببطء نحو أندرو وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما.
عشرون ألف دولار؟ هذا المبلغ يعادل راتب سنوات من الوقوف أمام بوابة هذه المدرسة.
دارت الأسئلة في رأسه بجنون: "لماذا يدفع مبلغا كهذا مقابل عنوان؟ هل يخطط لجريمة؟ ولكن أي قاتل يدفع ثروة كهذه؟". تملكه الصراع بين الخوف والطمع، لكن في النهاية، كانت كفة الطمع هي الأرجح.
"سيدي.. بصراحة، لا أعرف عناوين الأساتذة، لكنني أعرف أين يسكن المدير." قال الحارس بنبرة يملؤها الرجاء، آملا ألا يضيع هذا المبلغ من بين يديه.
"المدير؟ حسنا، هل تملك تطبيق كاش موبايل؟" سأل أندرو بجمود.
"أجل، أجل!" أخرج الحارس هاتفه بسرعة وقدمه لأندرو من بين قضبان السياج الحديدي. مسح أندرو رمز الاستجابة السريعة [QR]، وضغط عدة أزرار، ثم أعاد الهاتف إليه.
نظر الحارس إلى الشاشة بذهول.. لقد وصلت الرسالة فعلا، "تم استلام 20,000 دولار".
تداخلت مشاعر الفرح بالرعب في صدره، فنظر إلى أندرو بعينين مختلفتين تماما الآن، عينين تريان فيه سيدا مطاعا. "سيدي، هل أرسل لك العنوان على الواتساب؟"
"لا أحتاج لمراسلات. أعطني اسم المبنى، ورقم الوحدة، ورقم الشقة فقط" قال أندرو وهو يجهز هاتفه للكتابة.
***
"شارلوت، ما الذي تنوين فعله بشأن عرض إدوارد اليوم؟ هل ستخرجين معه حقا؟" سألت لينا وهي تسير بخطى هادئة بجانب صديقتها.
"ليس لدي وقت لهذه التراهات الآن. الامتحانات النهائية على الأبواب، وأي علاقة في هذا التوقيت لن تحصد لي سوى الفشل الدراسي." ردت شارلوت بنبرة جافة وخالية من الاهتمام.
"همم.. أشك أن الدراسة هي السبب الوحيد. ألم تقولي لي سابقا أن شكله لا يعجبك؟ لا تقولي لي أنك أصبحت عنصرية فجأة، أليس أصحاب البشرة السوداء بشرا كبقية الخلق؟"غمزت لها لينا بمكر وضحكت.
"ماذا؟ أنا عنصرية؟" التفتت شارلوت نحوها بغضب طفولي.
"أمزح، أمزح! لا تأخذي الأمر بجدية،" قالت لينا وهي تتوقف أمام بوابة بيتها، "لكن بصدق، هذه هي المرة الثالثة والعشرون التي يطلب فيها مواعدتك، ما هي خطتك؟"
"هذا شأني، لكن المؤكد أنني لن أواعد أحدا،" أجابت شارلوت وهي تلوح بيدها مودعة، مكملة طريقها نحو منزلها الذي يبعد حوالي خمس دقائق مشيا.
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساء. سارت شارلوت على الرصيف، تحاول نفض غبار ضغط الدراسة عن كاهلها.
فكرت في والدها.. منذ أن ترك الخدمة العسكرية وهو يعيش في عالم غامض، حذر بشكل يثير الريبة، ومنشغل بأمور لا يفصح عنها أبدا.
"عنصرية؟ لست كذلك، أنا فقط لا أشعر بأي انجذاب نحوه.." كانت تتحدث مع نفسها، لكن جملتها انقطعت فجأة حين تجمدت عيناها على رجل غريب يقف أمام باب منزلها تماما.
كان ينظر إليها مباشرة، وترتسم على وجهه ابتسامة هادئة، لكنها ابتسامة توحي بأنه لا ينتظرها بمحض الصدفة، بل يعرفها جيدا.
كان أندرو هو الواقف هناك. الوصول لعنوانها كان أسهل مما توقع.. لم يتطلب الأمر سوى ضغطة صغيرة على عنق المدير، وتهديدا صريحا بحرق حياته العائلية، حتى فتح له سجلات الطلاب وسلمه العنوان على طبق من ذهب.
[النظام: أهذه هي شارلوت؟ إنها جميلة حقا رغم صغر سنها.. مهلا، هل تميل للقاصرات؟ لعلمك فقط، القانون الجنائي يحظر تماما أي علاقة مع قاصر تحت السن القانوني، وتعتبر جريمة عقوبتها السجن لعشرات السنين وغرامات مالية كبيرة، وقد تمنع من التعامل مع الأطفال نهائيا.]
كان النظام يتحدث بنبرة يملؤها الاستهزاء، وكأنه يلقي محاضرة في الأخلاق على شيطان. لكن أندرو لم ينزعج، بل أطلق ضحكة خفيفة وهو يراقب اقتراب شارلوت.
"أيها النظام، أنا شرير.. هل تعتقد حقا أن القوانين التي وضعها البشر تمنعني؟" سأل أندرو في سره ببرود، "ألم تكن حاضرا بالأمس حين قتلت نفسا بريئة لم تكن لتؤذي ذبابة؟."
[النظام:هذا صحيح.. فلماذا قتلتها؟! هي لم تفعل لك أي شيء في هذه الحياة، أليس كذلك؟]
لم يجب أندرو، بل بقي صامتا، كأن صمته أعمق من أي كلمة يمكن أن يقولها.
في واقع الأمر، لم تقترف جين أي ذنب في هذه الحياة، لكنها في حياة أندرو التاسعة عشرة كانت هي السبب المباشر في هلاكه.. لذا لم يكن عقله يدرك سوى حقيقة واحدة متمثلة في اسمها: جين. والأهم من ذلك كله، هو تلك النشوة المرعبة التي كانت تتملكه... فكل تلك المناورات، وتلك الطلقات، وكل حركة محفوفة بالمخاطر، كانت تمنحه سعادة غامرة.
إنها إثارة لا يدركها إلا من تذوق لوعتها... أن تطارد شخصا بريئا لم يقترف إثما، تقتله بدم بارد، ثم تغرس في روعه أن عائلته ستلقى أشد أنواع العذاب.
قد يصف البعض هذا بالمرض العقلي أو الجنون الأخلاقي، لكن أندرو وأمثاله إن وجدوا يجدون في هذا الجحيم متعتهم القصوى. ربما يتخذون من الانتقام ذريعة واهية، لكن الحقيقة العارية هي أنهم يتلذذون بالفعل ذاته.
فالمتعة الحقيقية تكمن في فعل التدمير، في تلك السيطرة المطلقة على أرواح تتهاوى بين يديك، والأدهى من ذلك كله هو جهل الضحية المطبق بالأسباب. إنه شعور مرعب.. أن تموت أو تُسام سوء العذاب، وأنت لا تملك أدنى فكرة عما اقترفته يداك لتستحق هذا المصير.
"على أي حال، لست مهتما بالأطفال الصغار." قطع أندرو الحوار مع النظام، وركز بصره على شارلوت التي كانت على بعد خطوات منه، وقد بدأت ملامح الريبة تظهر على وجهها.
[النظام: حسنا، صدقتك.. ولكن، لا أزال لا أفهم ما الذي ستفعله حيال نوفا سيكيوريتي؟]
لم يجب أندرو. بدلا من ذلك، رسم على وجهه ابتسامة هادئة ودافئة، من ذلك النوع الذي يبعث الطمأنينة في القلوب الغافلة، وقال بصوت رخيم حين أصبحت شارلوت أمامه مباشرة:"شارلوت.. أليس كذلك؟ أعتذر إن كنت قد أخفتك، لكنني كنت أنتظر قدومك بفارغ الصبر."
توقفت شارلوت مكانها، وانكمشت ملامحها وهي تتفحص هذا الغريب الأنيق.
"من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟" سألت بحذر.
ظل أندرو محافظا على هدوئه، وعيناه تلمعان بمكر.. "أنا صديق قديم لوالدك.. ولدي رسالة هامة يجب أن تصل إليه الليلة، وأظن أنك الوحيدة التي يمكنها مساعدتي في الدخول إليه
دون أن يطلق النار علي، فكما تعلمين.. والدك رجل مجنون للغاية جدا."
ــ