الفصل 19: رصاصة مجهولة
"هذه هي آخر عملية لنا، لذا يجب أن تكون ناجحة بنسبة مئة بالمئة." قال إريك وهو يقف أمام مايكل وبقية أفراد نوفا سيكيوريتي.
كانوا يرتدون زيا تكتيكيا أسود بالكامل، وخوذات سوداء صلبة تغطي رؤوسهم وتخفي معظم ملامح وجوههم، بينما تحمي ستراتهم الواقية من الرصاص صدورهم بإحكام. وعلى صدورهم وخصورهم كانت تتدلى مخازن الذخيرة والمعدات القتالية. وفي أيديهم رشاشات هجومية جاهزة، وأصابعهم قريبة من الزناد، ونظارات تكتيكية داكنة تخفي أعينهم، وقفازات سوداء تشد قبضتهم على السلاح.
وقفوا في أماكنهم بصمت تام، ثابتين كتماثيل سوداء، لا حركة ولا كلمة... فقط حضور ثقيل يوحي بأن هذه العملية مهمة للغاية.
هز الجميع رؤوسهم وهم ينظرون إلى إريك الذي كان يرتدي الملابس نفسها.
وبينما ظل رجال نوفا سيكيوريتي واقفين في أماكنهم كتماثيل سوداء، فتح الباب بهدوء. دخل رجل آخر إلى الغرفة، لكن مظهره كان مختلفا تماما عنهم.. لم يكن يرتدي الدرع الثقيل أو الخوذة السوداء، بل اكتفى بسترة تكتيكية داكنة خفيفة وبنطال عملي، وعلى خصره حزام يحمل بعض المعدات. كانت خطواته هادئة وواثقة، ووجهه مكشوفا بعكس الجنود الذين أخفت خوذاتهم ملامحهم.
بدا حضوره أقل صخبا، لكنه أكثر هيبة، وكأن الجميع يعرف أن الكلمة الأخيرة تعود له.
"إريك، هل كل شيء جاهز؟" سأل لويس ببرود تام. فأجاب إريك: "أجل يا سيدي، كل شيء جاهز. نحتاج فقط أوامرك".
في تلك اللحظة، لم يعد إريك يهتم بأي شيء آخر، ولأول مرة في حياته شعر برغبة حقيقية في أن يتبع شخصا غيره. فبعد أن رأى هو والبقية الطريقة التي تعامل بها لويس مع جين، أدركوا أنه رجل لا يخون وعوده... وأن ما يفعله الآن ليس سوى وفاء بوعده وانتقاما لها.
ومع ذلك، كان هناك شيء أعمق من مجرد الاحترام... شعور غريب في صدورهم يدفعهم لاتباعه دون تردد، لم يستطيعوا تفسيره، لكنهم كانوا متأكدين من أمر واحد... هذه هي المرة الأولى التي يشعرون فيها بشيء كهذا.
حتى الجنرالات في كتيبة الدم الأحمر، بكل هيبتهم وسلطتهم، لم يوقظوا فيهم هذا الإحساس من قبل.
"هذا جيد.. أين رصد آخر مرة؟" سأل لويس، وعلى شفتيه ابتسامة غامضة.
"آخر مرة شوهد فيها كان أمام متجر الملابس. جيسون يتبعه الآن، وسيصلنا موقعه بعد قليل" قال إريك وهو يخرج جهاز الاتصال اللاسلكي من جيبه.
ما لم يكن أندرو يعرفه هو أنه كان تحت المراقبة منذ البداية... فكل خطوة كان يخطوها كانت أخبارها تصل إلى لويس.
فمنذ اللحظة التي رأى فيها لويس ذلك المشهد البشع أمامه وكاد ينهار، أصدر أمرا سريعا بمراقبة أندرو... مراقبة دقيقة لكل تحركاته.
عرفوا موقع منزله بالفعل، وكان بإمكانهم الهجوم في أي وقت، لكن لويس لم يفعل.. فقد كان يعلم أن التسرع في الانتقام قد يقوده إلى الفشل... وربما إلى نهاية مشابهة لنهايته في حياته الماضية.
"أخبر جيسون أن يراقبه فقط... أخبره ألا يكشف نفسه أبدا.. وعندما يعود أندرو إلى شقته، فليرسل لنا رسالة فورا". قال ذلك وهو يخرج سيجارة من جيبه ويضعها بين شفتيه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة.
نفذ إريك الأمر فورا واتصل بجيسون ليبلغه التعليمات.
في تلك الأثناء، كان أندرو في موقف لا يحسد عليه.. مسدس موجه مباشرة إلى رأسه، بينما كان واقفا رافعا يديه.
"من أنت؟" سؤال بسيط، لكن النبرة التي قيل بها أوضحت شيئا واحدا فقط: أي إجابة خاطئة... تعني الموت.
"أبي؟!" صرخت شارلوت وهي تنظر بذهول إلى أبيها نوح، الذي كان يصوب مسدسه نحو أندرو.
ما إن سمع أندرو كلمة أبي حتى ارتجف جسده فجأة، وتجمدت ملامح وجهه بشكل مرعب... لم يعد يظهر أي مشاعر، بل فراغا محضا.
كانت عيناه مثبتتين على الفراغ، بينما نوح يقف خلفه وسلاحه مصوب بدقة نحو رأسه.
حين تتجمد ملامح أندرو بهذه الطريقة، فهذا يعني أن الأمور بلغت أقصى درجات الخطورة... فإما أنه على وشك ارتكاب مجزرة، أو أنه سيفقد صوابه ليعود ذلك المجنون الذي يقتل لمجرد القتل، ليس للمتعة فحسب، بل لأن القتل في نظره غاية بحد ذاتها.
والجانب الآخر هو أن أندرو في خطر حقيقي.. وهذا بذات ما يحدث.
بدأت ذكريات حيواته السابقة تتدفق إلى ذاكرته بسرعة.. نوح، والد شارلوت... ذلك الرجل الذي يبدو هادئا لدرجة مخيفة.
نوح مجنون، لكنه جنون يفوق الوصف. هل تعرف ذلك الجنون الهادئ؟ إنه يتفوق على أندرو في هذا النوع من الجنون... فحين تسمع كلماته المطمئنة مثل.. من أنت؟ ويبدأ عقلك بتحليل نبرته، قد تظن أنه سؤال عادي، لكنك في الحقيقة تدرك أنك ستموت. هو لا يسأل عن هويتك، بل يخبرك بنهايتك.
أدرك أندرو أنه إذا لم تكن إجابته هي ما يريده نوح، فلن يتردد الأخير في إطلاق الرصاصة لتستقر في رأسه.
حاول التحدث، ففتح فمه وأغلقه، ثم فتحه وأغلقه ثانية دون جدوى.
تسمرت شارلوت في مكانها مصدومة، لا تعرف ماذا تفعل. نظرت إلى وجه أندرو، فرأته خاليا من أي تعبير.. لا خوف، لا غضب، لا عرق، ولا حتى توتر.. لا شيء. وحين نقلت بصرها إلى أبيها، وجدت الملامح ذاتها... لا غضب ولا استغراب، فقط فراغ. تحركت بسرعة وغادرت المكان متجهة نحو منزلها، وهي في حالة من الذهول من كمية الجنون هذه... فهي تدرك يقينا أن أباها سيقتله حقا. تلك النظرات تعرفها جيدا، وهي نظرات لم تر أباها يرمق بها أحدا منذ زمن طويل.
"هاهاهاهاها!" انطلقت ضحكة مفاجئة من أندرو وهو لا يزال رافعا يديه.
[النظام: لماذا تضحك؟ أعتقد أنه سيطلق الرصاص في أي ثانية.. ففي كل لحظة يزداد ضغطه على الزناد قليلا ثم يتراجع، إنه متررد.. لكنه قد يقتلك في أي لحظة.. ومع ذلك أنت تضحك!]
استغرب النظام من جنون أندرو مرة أخرى.
"أضحك لأنني لا أعرف من أنا حقا" أجاب أندرو في نفسه. هو فعلا لا يعرف هويته... هل هو أندرو؟ لا، أندرو لم يكن بهذا الجنون قط. هل هو ذلك الشاب اللطيف الهادئ؟ قطعا ليس هو.
[النظام: ولكن ما معنى هذا؟ هو يسأل عن هويتك، أي هل أنت هنا لقتله أم لعقد صفقة؟]
لم يجب أندرو، بل ظل صامتا.
ظل نوح هادئا وهو يخرج سلاحا آخر من خلف ظهره، ليصبح في مواجهته سلاحان. كانت تلك طريقته في القتل.. فإذا فشل السلاح الأول، فلن يخطئ الثاني.
"لماذا تضحك؟" سأل نوح بهدوء وهو يغرس فوهة سلاحه الثاني في خاصرة أندرو.
لم يتكلم أندرو في البداية، لكن بعد تفكير قصير قرر أن يجيب بكل صراحة.
"لأنني كنت أبحث عن ماهيتي ولكن..." توقف قليلا ثم تابع: "بصراحة، أنا مجرد مدني عادي أراد فقط شراء بعض الأسلحة منك.. أريد قتل بعض الأشخاص لأنهم سيقتلونني في أي لحظة إذا لم أبادر"، أجاب أندرو بكل صراحة.
ساد صمت مطبق.. صمت ثقيل كأن الهواء نفسه كف عن الحركة. لكن ذلك السكون لم يدم.. فجأة، وبلا سابق إنذار، شعر أندرو بشيء يمزق جسده من الخلف. لم يسمع دوي طلقة، ولم ير وميضا للنار، بل أحس فقط بذلك الألم البارد الذي اندفع عبر صدره كأنه نصل غير مرئي.
اتسعت عيناه بذهول، وتجمد جسده في مكانه للحظة بدت كأنها الأبد. لم يدر في أي بقعة من جسده استقرت الرصاصة.. لكنه أدرك يقينا حقيقة واحدة صعقته أكثر من الرصاصة نفسها: لم يكن نوح هو من أطلقها!
***