الفصل 8: قائد الفريق إريك..
توقفت السيارة الفارهة أمام منزل جين، ولم تمر ثوان حتى خرجت هي من الباب.
كانت تبدو بالفستان الأحمر كزهرة برية وسط هذا الحي المتواضع.
نزل أندرو من السيارة، ووقف بجانب الباب يراقبها وهي تقترب ببطء، وعلامات الارتباك واضحة على مشيتها.
فتح لها باب السيارة بنفسه، وهي حركة جعلت قلبها يقفز.
انحنى قليلا وقال بنبرة دافئة وخفيضة:
"تبدين مذهلة يا جين.. الأحمر يليق بك أكثر مما تخيلت."
ركبت جين وهي تشعر بأن وجهها يكاد ينفجر من الخجل.
رائحة اندرو وتصميم السيارة من الداخل جعلها تشعر وكأنها في حلم.
أغلق أندرو الباب بهدوء، ثم التف ليركب في مقعد السائق.
بمجرد أن انطلقا، ساد صمت هادئ، قطعه أندرو بسؤاله وهو يركز نظره على الطريق بابتسامة خفيفة:
"هل كنت نائمة عندما اتصلت؟ أشعر بالذنب لأنني اقتحمت خصوصيتك في هذا الوقت."
"لا.. لا، كنت مستيقظة تماما،" أجابت جين بسرعة وهي تشبك أصابعها ببعضها.
"في الحقيقة.. كنت أفكر في موعد الغد، ولم أتوقع أن أراك الليلة."
التفت إليها أندرو لثانية واحدة، نظرة كانت هادئة ومليئة بالاهتمام المصطنع، ثم قال: "بصراحة، لم أستطع الانتظار. هناك شيء في هدوئك داخل المكتب جعلني أرغب في معرفة المزيد عنك بعيدا عن ضغط العمل والمدير ويليامز."
ازداد ارتباك جين، وسألت بصوت خافت: "لكن.. أنا مجرد موظفة عادية يا سيد أندرو. هناك الكثير من النساء اللواتي يتمنين لفت انتباهك، لماذا أنا؟"
خفف أندرو من سرعة السيارة قليلا، ورد بصوت رزين يحمل نبرة صدق متقنة: "كلمة عادية هي آخر صفة قد تخطر ببالي لوصفك يا جين."
" الحقيقة أننا لا ننجذب للأشخاص دون سبب، بل لأن أرواحنا أحيانا تتعرف على من يكملها قبل أن ندرك ذلك بأنفسنا. أنا لم أكن أبحث عن أي شخص، بل كنت أنتظر تلك اللحظة التي أشعر فيها أنني وجدت موطني أخيرا.. وقد وجدته في روحك الصادقة، وهذا هو السبب الوحيد الذي جعل قلبي يختارك أنت دون غيرك."
نظرت جين إلى النافذة لكي لا يرى اتساع عينيها من الدهشة.
لم يسبق لأحد أن تحدث معها بهذه الطريقة، وبهذا الرقي.
شعرت باهتمامه يحيط بها كوشاح دافئ، ولم تدرك أبدا أن كل كلمة تخرج من فمه كانت رصاصة مصوبة بدقة نحو قلبها، وأن هذا الاهتمام ليس إلا شباكا تنسج حولها ببطء.
تمتمت بصوت يكاد يسمع: "شكرا لك.. هذا يعني لي الكثير."
ابتسم أندرو في سره، وهو يرى انعكاس وجهها المرتبك في زجاج السيارة.
لقد نجح في تقمص دور العاشق النبيل ببراعة، والجزء الأهم هو أنها بدأت تصدق كل حرف يقوله.
"أتعتقدين حقا أنني قد أبحث عن مجرد شخصيات ثانوية؟ لا، أنا لا أريد سوى البطلات، تماما مثلك يا جين." قال في نفسه.
...
وصل لويس إلى حي جين بعد لحظات من مغادرة سيارة أندرو.
ترجل من سيارة الأجرة وهو يحدق في البناية المتهالكة التي تسكنها جين، وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه كأنه لم يغادر هذا المكان أبدا.
"منزل جين.. مر وقت طويل حقا،" تمتم لويس بمرارة.
تذكر تلك الأيام في حياته السابقة حين كان يتبع خطى جين بصمت، يحفظ عدد أفراد عائلتها، أسماءهم، هواياتها البسيطة، وكل تفاصيل يومها.
كان يراقبها من بعيد كظل يحميها، لكن القدر لم يمهله حينها.
قبض لويس على كفه بحزم وقال في نفسه: "لن يتكرر ما حدث.. عودتي بالزمن هي فرصتي الوحيدة، ولن أسمح لأي سوء أن يمسها هذه المرة."
بينما كان يهم بالتوجه نحو مدخل البناية، شق سكون الزقاق الضيق صوت محرك قوي.
توقفت سيارة دفع رباعي سوداء فخمة، ذات زجاج داكن يخفي من بداخلها.
وقف لويس متسمرا في مكانه، يراقب المشهد بذهول.
فمثل هذه السيارات لا تدخل أحياء فقيرة كهذه إلا لسبب مريب.
"ما الذي تفعله سيارة كهذه هنا؟" همس لويس، وشعر فجأة ببرودة تسري في جسده، كأن غريزته تحذره من خطر وشيك.
نزل من السيارة رجلان ببدلات سوداء، بملامح حادة وجدية لا توحي بالخير.
كانا يسيران بخطوات عسكرية منظمة نحو منزل جين.
"لماذا نقوم بمهمات الأطفال هذه يا إريك؟" سأل مايكل بنبرة يملؤها الضجر.
كان مايكل، نائب رئيس الفريق الأمني في نوفا سيكيوريتي، لا يستوعب كيف لرجال من كتيبة الدم الأحمر أن يضيعوا وقتهم في أمور كهذه.
رد عليه إريك، قائد الفريق، وهو يعدل ياقة بدلته ببرود: "وماذا بيدي أن أفعل؟ الأوامر جاءت من الرئيس مباشرة، ولا أظن أن رفضها سيكون فكرة حكيمة.. الرجل لا يبدو عاديا أبدا."
تابع إريك كلامه بحزم وهو يتذكر نبرة أندرو الصارمة في الهاتف: "لا تستهن بالأمر يا مايكل. شخص بمكانته ونفوذه لا يولي اهتماما لمثل هذه التفاصيل إلا إذا كان خلفها شيء كبير. تلك النبرة التي تحدث بها معي قبل عشرين دقيقة.. لم تكن نبرة شخص يمزح."
كان لويس يراقب حوارهما من بعيد بقلب يخفق بشدة.
لم يسمع الكلمات بوضوح، لكن هيبة الرجلين والطريقة التي يتحركان بها أخبرته أن جين في خطر أكبر مما تخيل.
وصل إريك ومايكل إلى باب شقة جين.
رفع إريك يده وطرق الباب طرقات واثقة ومنظمة.
"طرق.. طرق.."
ثوان قليلة وفتح الباب بعنف، لتطل منه هانا، شقيقة جين الصغرى، وهي تصرخ بغضب دون أن تنظر حتى إلى الطارق: "جين! ألم تغادري في موعدك الغرامي قبل دقائق؟ ما الذي أعادك الآن؟ تبا لك يا.."
صمتت هانا فجأة، وتجمدت الكلمات في حنجرتها وهي ترفع رأسها لتجد أمامها رجلا فارع الطول، ببدلة سوداء فاخرة وشعر أحمر مصفف بعناية.
ملامحه الحادة ونظرته الثاقبة جعلتها تشعر وكأنها أمام عميل فيدرالي أو رجال المافيا من الأفلام.
"أوه.. أنا.. أنا أعتذر حقا، لم أقصد.." تمتمت بارتباك، وسرعان ما تملكها الخوف وهي تتساءل في سرها: "من هؤلاء؟ وماذا يريدون منا؟".
انحنى إريك برأسه قليلا، وقال بنبرة مهذبة ومصطنعة بعناية: "أعتذر على الإزعاج يا آنستي، لست هنا لإثارة قلقك".
تراجعت هانا خطوة للخلف بينما تابع إريك: "أنا الحارس الشخصي للسيد أندرو. لقد طلب مني سيدي أن أحضركم لمشاركته في مفاجأة كبيرة أعدها للآنسة جين. إنه ينوي التقدم لخطبتها الليلة، وأراد أن تكون عائلتها بجانبه في هذه اللحظة التاريخية. لكنه يرجو منكم الكتمان التام، فهو يريدها مفاجأة تليق بها.. أتمنى ألا تخيبوا ظنه".
"ماذا؟!" اتسعت عينا هانا وغطت فمها بكفها من شدة الذهول.
صرخت في سرها: "خطوبة؟ لقد أخبرتني أنها خارجة لعشاء عادي! هل كان حبيبها غنيا لهذه الدرجة؟ حراس شخصيون وسيارات بملايين الدولارات؟ تبا.. لقد فازت جين بالجائزة الكبرى!".
لم تستغرق هانا وقتا طويلا لإقناع والديها.
فبريق الثراء والسيارة الفخمة الواقفة بالأسفل كان كافيا لتبديد أي قلق.
نزل الجميع خلف إريك ومايكل، وركبوا سيارة الدفع الرباعي السوداء التي انطلقت بهم بهدوء نحو وجهة مجهولة.
في هذه الأثناء، كان لويس يراقب المشهد من خلف زاوية الدرج، وقد سمع كل حرف قاله إريك.
تجمد الدم في عروقه وهو يرى عائلة جين تقتاد بتلك السهولة.
ركض لويس نحو الشارع وأوقف سيارة أجرة بسرعة، وهو يصرخ في السائق: "اتبع تلك السيارة السوداء فورا! سأدفع لك ضعف ما تطلبه، فقط لا تفقد أثرها!".
بينما كانت سيارة الأجرة تلاحق الوحش الأسود، كان لويس يصارع أفكاره المجنونة: "ما الذي يحدث؟ هذا لم يحدث في حياتي الماضية أبدا! هل عاد ذلك الوغد كايل بالزمن مثلي؟ أم أن هناك لاعبا جديدا في هذه اللعبة؟".
أمسك لويس رأسه بيديه وهو يحاول الربط بين الأحداث: "ادعى الحارس أن سيده يريد مفاجأتها بخطوبة.. لكن لماذا أشعر بهذا الانقباض في قلبي؟ إنه نفس الشعور الذي راودني ليلة موتها في الماضي. جين لم تكن معهم في السيارة، لكنهم أخذوا عائلتها.. إلى أين؟ ولماذا الآن؟".
كان الغموض يلف كل شيء، وشعور لويس بأن التاريخ يعيد نفسه بشكل مشوه ومختلف جعله يدرك أن الخطر هذه المرة ليس مجرد جريمة قتل، بل هو فخ أعمق وأكثر تعقيدا مما يتخيل.