# الفصل الخامس عشر:

*"أحياناً، تكون الوحوش الأكثر رعباً هي تلك المختبئة خلف الوجوه الأكثر اعتيادية."*

***

تحولت شاشة الكمبيوتر المحمول إلى ساحة معركة صامتة، بحر متلاطم من البيانات المشفرة والاتصالات المخفية. كان لين فنغ يغوص في أعماق شبكة شركة نجم الشمال للتجارة، ليس كمتسلل عشوائي، بل كجراح دقيق يشرح جسداً مريضاً، يبحث عن الأورام الخبيثة، عن نقاط الضعف التي يمكن استغلالها.

مرت الساعات وهو يتنقل بين تيارات البيانات الباردة، يفكك طبقات الحماية الواحدة تلو الأخرى، يتبع مسارات الأموال الوهمية التي تنساب كالأفاعي السامة عبر حسابات خارجية وشركات واجهة. كانت نجم الشمال أشبه بقلعة رقمية، مصممة لتبدو منيعة ومحترمة من الخارج، لكن لين فنغ كان يرى التصدعات الدقيقة في جدرانها، الفجوات التي تركها الجشع والتهاون.

كل ملف مالي مشبوه، كل بريد إلكتروني مشفر بين المديرين التنفيذيين، كل سجل وصول غير مبرر... كانت قطعاً صغيرة في فسيفساء مظلمة بدأ يجمعها بصبر ودقة. لم تكن مجرد شركة فاسدة، بل كانت مركزاً لشبكة إجرامية واسعة، تتجاوز مجرد الاحتيال المالي إلى ما هو أبعد وأكثر قتامة.

ابتسامة باردة، بالكاد مرئية، داعبت شفتيه وهو يكتشف ثغرة أمنية في نظام المراسلات الداخلية للشركة. *"لقد بنوا حصن الأكاذيب هذا، ظانين أنه منيع،"* همس لنفسه، وصوته يحمل نبرة نرجسية واثقة. *"حمقى. كل جدار له صدع، وأنا من يعرف كيف يجده ويوسعه ليصبح هوة سحيقة تبتلعهم جميعاً."*

كان يرى الازدواجية بوضوح صارخ. الواجهة اللامعة للشركة، سمعتها الدولية، مبناها الشاهق في قلب المنطقة التجارية... كلها قناع يخفي حقيقة مقززة. تذكر مرة أخرى كلمات دوستويفسكي التي طالما ترددت في ذهنه: *"أن تخطئ بطريقتك الخاصة أفضل من أن تكون على صواب بطريقة شخص آخر."* لقد اختار طريقه، طريقاً مظلماً ومحفوفاً بالمخاطر، لكنه كان طريقه الخاص. لم يكن يسعى لأن يكون بطلاً أو قديساً، بل كان يسعى للحقيقة، للانتقام، وللبقاء في عالم لا يرحم الضعفاء.

أدرك أن المعرفة التي يكتسبها، هذا الوعي المتزايد بأعماق الفساد البشري، كان له ثمن. لم يعد يرى العالم بنفس الطريقة. كل وجه مبتسم قد يخفي وحشاً، كل يد ممدودة قد تحمل خنجراً. هل كان هذا هو الحزن العظيم الذي تحدث عنه دوستويفسكي، الحزن الذي يلازم العقول الكبيرة والقلوب العميقة؟ ربما، لكنه لم يكن حزناً يشلّه، بل وقوداً يدفعه للمضي قدماً، لتنفيذ خططه بدقة أكبر وبرودة أشد.

قرر أن المراقبة الرقمية وحدها لا تكفي. كان بحاجة لرؤية الهدف بعينيه، ليشعر بإيقاع المكان، ليدرس محيطه عن قرب. ارتدى ملابس عادية، قبعة ونظارات شمسية لإخفاء ملامحه، وانطلق نحو المنطقة التجارية.

وقف على الجانب الآخر من الشارع، يراقب مبنى شركة نجم الشمال الشاهق. واجهة زجاجية لامعة تعكس سماء المدينة الرمادية، مدخل فخم، حراس أمن ببدلات أنيقة يتحركون بكفاءة هادئة. كل شيء يوحي بالشرعية والقوة والنظام. لكن لين فنغ رأى ما وراء القناع. رأى الظلال تتحرك خلف الزجاج، شعر بالبرودة المنبعثة من هذا الصرح الذي بني على المعاناة والأكاذيب.

راقب حركة الدخول والخروج، أنماط دوريات الأمن، مواقع الكاميرات. لم يكن مجرد مبنى، بل كان حصناً، مصمماً لحماية الأسرار القذرة التي يحتويها. شعر بتوتر خفيف، ليس خوفاً، بل إثارة الصياد الذي يقترب من فريسته. المدينة من حوله تحولت إلى غابة خرسانية، وهو المفترس الذي يتنقل في ظلالها، يدرس هدفه بصبر.

بعد ساعة من المراقبة الدقيقة، عاد إلى مخبئه الآمن، حاملاً معه صورة أوضح للهدف. فتح قناة الاتصال الآمنة مرة أخرى.

"فو، هل هناك أي جديد؟"

"نعم سيدي. تمكنت من تأكيد بعض الأنشطة المشبوهة المتعلقة بقسم الشحن في الشركة. تحركات ليلية غير مسجلة، استخدام أسماء وهمية في مستندات الشحن. كما أنني حددت موظفاً في قسم تكنولوجيا المعلومات يبدو أنه يعاني من مشاكل مالية كبيرة وقد يكون قابلاً... للتأثر." أضاف تشاو فو بتردد.

"ممتاز." قال لين فنغ. "راقب هذا الموظف عن كثب، اجمع كل ما يمكنك عنه. لكن لا تتصل به بعد."

"سيدي،" تردد تشاو فو مرة أخرى. "كلما تعمقت أكثر، زادت خطورة الأمر. هذه ليست مجرد جريمة منظمة عادية. هناك تلميحات... لأشياء أسوأ بكثير. يجب أن نكون حذرين للغاية."

ضحك لين فنغ ضحكة خافتة وباردة. *"الخطر هو مجرد ثمن الدخول إلى لعبة تستحق اللعب، فو. وأنا أفوز دائماً."* أغلق الاتصال قبل أن يتمكن تشاو فو من الرد.

عاد إلى تحليل البيانات، وهذه المرة ركز على الأنشطة المشبوهة في قسم الشحن. بدأت الصورة تتضح أكثر. لم تكن مجرد بضائع عادية يتم تهريبها. كانت هناك رموز مشفرة، إشارات إلى "بضاعة حية"، جداول زمنية تتوافق مع تقارير عن اختفاء أشخاص من مناطق فقيرة في مدن أخرى. لم تكن هناك أدلة قاطعة بعد، مجرد خيوط رفيعة، لكنها رسمت صورة مروعة عن الاتجار بالبشر أو ما هو أسوأ، مخبأة تحت ستار التجارة الدولية.

شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده، ليس من الخوف، بل من الاشمئزاز والغضب البارد. هذه الوحوش لم تكتفِ بالفساد المالي، بل تاجرت بأرواح البشر. نظر إلى أسماء الضحايا المحتملين، مجرد أرقام ورموز في سجلات مشفرة، لكنه رآهم كأفراد، كأشخاص سُلبت منهم حياتهم ومستقبلهم. هذا الإدراك لم يجعله أكثر رحمة، بل أكثر تصميماً على تدمير هذه الشبكة من جذورها.

بدأ في صياغة خطته التالية. لم يعد الأمر مجرد جمع معلومات، بل حان وقت التحرك. الموظف الذي يعاني من مشاكل مالية في قسم تكنولوجيا المعلومات... سيكون نقطة البداية. لم يكن بحاجة لاختراق النظام بالقوة إذا كان بإمكانه جعل شخص من الداخل يفتح له الباب.

بدأ في تصميم رسالة بريد إلكتروني تصيدية متقنة، تبدو وكأنها عرض مالي مغرٍ من جهة خارجية، مصممة خصيصاً لاستغلال يأس هذا الموظف. لم يكن الأمر مجرد اختراق تقني، بل كان هندسة اجتماعية، تلاعباً نفسياً بارداً ومحسوباً. كان يرى الموظف كقطعة شطرنج، دمية سيحرك خيوطها لتحقيق أهدافه.

وقف مرة أخرى، وتوجه نحو النافذة، ينظر إلى أضواء المدينة المتلألئة في الأسفل. كل ضوء يمثل حياة، قصة، أحلاماً ومخاوف. لكن بالنسبة له الآن، كانت المدينة مجرد لوحة شطرنج ضخمة، وهو اللاعب الذي يرى كل الحركات المحتملة، ويستعد لتوجيه الضربة القاضية.

*"فلتتراقص الدمى،"* همس في الظلام، وعيناه تلمعان ببريق خطير. *"خيوطها الآن في يدي."*

الهدوء الذي سبق العاصفة كان وشيكاً على الانتهاء.

2025/06/05 · 26 مشاهدة · 913 كلمة
Thanos
نادي الروايات - 2026