# الفصل السادس عشر:

*"كل خيط يُسحب في الظلام قد يوقظ وحشاً نائماً."*

***

بضغطة زر محسوبة، انطلق البريد الإلكتروني المصمم بعناية عبر الشبكة الرقمية، طُعم لامع أُلقي في مياه مظلمة وعكرة. جلس لين فنغ أمام شاشته، وجهه قناع من الهدوء الجليدي، لكن داخله كان يترقب، يراقب بصبر الصياد المحترف. كان الهدف هو تشانغ وي، موظف تكنولوجيا المعلومات اليائس في شركة نجم الشمال، الحلقة الأضعف التي اختارها لين فنغ لبدء تفكيك حصن الأكاذيب.

ساد صمت رقمي مشحون بالتوتر. لم يكن هناك سوى همس مراوح التبريد في المخبأ الخافت الإضاءة، ووميض المؤشر على الشاشة. كان لين فنغ يراقب البصمة الرقمية لتشانغ وي، يتبع نشاطه عبر الشبكة كظل خفي. رأى مؤشر الماوس يتحرك بتردد على شاشة افتراضية تعكس سطح مكتب تشانغ وي، رأى نوافذ تفتح وتغلق بسرعة، كأن الرجل يتصارع مع قرار مصيري.

*"الصبر،"* همس لين فنغ لنفسه، وابتسامة خافتة بالكاد ارتسمت على شفتيه. *"اليائسون دائماً ما يبتلعون الطُعم في النهاية. ضعفهم هو قوتي، وخوفهم هو أداتي."* لم يكن يشعر بأي تعاطف مع الرجل الذي كان على وشك تدمير حياته المهنية، وربما أكثر. كان مجرد أداة، ترس في آلة أكبر كان لين فنغ يعتزم تحطيمها.

في لحظات الانتظار هذه، عادت أفكار دوستويفسكي لتطرق عقله. هل كان ما يفعله صحيحاً؟ التلاعب برجل على حافة الانهيار، استغلال يأسه لتحقيق أهدافه الخاصة؟ تذكر مقولة الكاتب الروسي: *"المعاناة هي أصل الوعي."* ربما كانت هذه المعاناة التي سيسببها لتشانغ وي هي ما سيوقظ وعيه، أو ربما كان وعي لين فنغ نفسه هو الثمن الذي دفعه مقابل معاناته الماضية، الوعي الذي سمح له برؤية العالم على حقيقته القاسية ومنحه الجرأة على استخدام أي وسيلة ضرورية للبقاء والانتقام.

لم يكن هناك مكان للتردد. لقد اختار هذا الطريق، طريق الظلال والتلاعب. تذكر مقولة أخرى لدوستويفسكي: *"القوة تُعطى فقط لأولئك الذين يجرؤون على الانحناء والتقاطها."* وهو قد انحنى، والتقط القوة التي وجدها في معرفته، في قدرته على رؤية ما وراء الأقنعة، في استعداده لفعل ما لا يجرؤ الآخرون على فعله. تشانغ وي كان ضعيفاً، فريسة سهلة، أما هو... فكان المفترس.

وفجأة، حدث ما كان ينتظره. رأى مؤشر الفأرة الخاص بتشانغ وي يتوقف فوق المرفق المشبوه في البريد الإلكتروني. نقرة واحدة. ثم نقرة أخرى لفتح الملف الذي بدا وكأنه عرض مالي لا يمكن رفضه.

في لحظة، انفتح باب رقمي صغير في دفاعات شبكة نجم الشمال. لم يكن اختراقاً صاخباً، بل تسللاً خفياً، كهمسة في الظلام. شعر لين فنغ باندفاع لحظي للأدرينالين، لكنه سرعان ما كبحه بتركيزه البارد. لقد حصل على الوصول الأولي، موطئ قدم داخل حصن العدو.

لم يندفع لاستغلال هذا الوصول فوراً. بدأ بمراقبة هادئة، يتنقل عبر الملفات والمجلدات التي يمكن لتشانغ وي الوصول إليها. كانت نافذة محدودة، لكنها كافية. رأى سطح مكتب تشانغ وي الفوضوي، المليء باختصارات لبرامج قديمة وملاحظات شخصية يائسة حول الديون المتراكمة. رأى محادثات مشفرة جزئياً مع زملاء آخرين، مليئة بالتلميحات المقلقة والشكاوى المكتومة.

وبين الملفات العادية، وجد مجلداً مخفياً بعناية، يحتوي على سجلات مشفرة بلغة رمزية غريبة. باستخدام خبرته، بدأ في فك رموز بعضها. لم تكن مجرد سجلات شحن عادية. كانت هناك إشارات متكررة إلى "بضاعة خاصة"، "شحنات حية"، و "تسليم ليلي عاجل" إلى مواقع غير معلنة. بدأت الصورة المروعة التي لمحها سابقاً تتضح أكثر. لم تكن نجم الشمال مجرد شركة فاسدة، بل كانت واجهة لعمليات قذرة تتضمن على الأرجح الاتجار بالبشر أو ما هو أسوأ.

وجد أيضاً أدلة على أن تشانغ وي نفسه لم يكن مجرد ضحية لظروفه المالية. كانت هناك سجلات لمخالفات بسيطة قام بها في الماضي، مخالفات استخدمتها الشركة بوضوح للضغط عليه وإبقائه تحت سيطرتها. لم يكن مجرد موظف يائس، بل كان أيضاً أداة محطمة تستخدمها الشركة لتحقيق أغراضها.

*"يبنون إمبراطوريتهم على حيوات محطمة،"* فكر لين فنغ ببرود. *"من المناسب تماماً أن أستخدم إحدى أدواتهم المحطمة لتفكيكها."* لم يعد يشعر بأي تردد. لقد وجد نقطة ضعفه، ووجد وسيلة إضافية للضغط عليه إذا لزم الأمر.

فتح قناة الاتصال الآمنة مع تشاو فو.

"فو، هل هناك أي تطورات بشأن تشانغ وي؟"

جاء الرد سريعاً، محملاً بالقلق كالعادة. "نعم سيدي. يبدو أنه متوتر للغاية في الأيام الأخيرة. سمعت أنه تلقى مكالمات تهديد بشأن ديونه. كما أن نشاطه على الشبكة الداخلية للشركة أصبح غريباً، كأنه يبحث عن شيء ما بيأس."

"ممتاز." قال لين فنغ، ونبرته هادئة وواثقة. "كل شيء يسير وفق الخطة."

"سيدي، أرجوك كن حذراً. إذا اكتشفوا تسللك..."

قاطعه لين فنغ بضحكة خافتة. "لا تقلق يا فو. أنا الشبح الذي يطارد أشباحهم. لن يروني قادماً." أغلق الاتصال.

لقد أمّن موطئ قدمه. الآن حان وقت التحضير للخطوة التالية. لم يكن الوصول المحدود عبر حساب تشانغ وي كافياً. كان بحاجة للوصول إلى قلب الشبكة، إلى الخوادم الرئيسية التي تحتوي على الأدلة الدامغة.

بدأ في إعداد برمجية خبيثة أكثر تطوراً، مصممة خصيصاً لتجاوز دفاعات نجم الشمال الداخلية، مستغلاً الثغرات التي اكتشفها للتو. كان الهدف هو زرع هذه البرمجية باستخدام وصول تشانغ وي، ثم تصعيد امتيازاته للوصول إلى مستوى المسؤول الأعلى.

عمل بدقة وتركيز، كل سطر من الكود كان محسوباً، كل خطوة كانت مخططة. لم يكن مجرد اختراق، بل كان عملية جراحية دقيقة في قلب وحش رقمي.

نظر مرة أخرى إلى الشاشة التي تعكس نشاط تشانغ وي المتردد. كان الرجل لا يزال يتصفح الملفات التي أرسلها له، غارقاً في وهم الخلاص المالي، غير مدرك للخيط غير المرئي الذي تم ربطه حول عنقه، الخيط الذي كان لين فنغ يمسك طرفه الآخر.

*"الصدع الأول يتسع،"* همس لين فنغ في الظلام، وعيناه تلمعان ببريق جليدي. *"قريباً، سينهار السد."*

كانت اللعبة قد بدأت للتو، نجم الشمال لم تكن تعلم بعد أن صياداً ماهراً قد دخل عرينها.

2025/06/06 · 36 مشاهدة · 862 كلمة
Thanos
نادي الروايات - 2026