نيم غارث، عاصمة مملكة إلغاريا - سنة 754، عصر حاكم التنين الخالد
في ذلك اليوم كجوهرةٍ مضيئةٍ على صدر قارة إيليثيا المتوسطة، تلألأت العاصمة بالحياة حتى خُيَّل للناظر أن الهواء نفسه يحتفل. من أعلى أبراجها الحجرية التي تتعانق مع الغيوم، كان يمكن للمرء أن يرى خيوط الدخان المتصاعدة من مئات المواقد التي تفوح منها روائح البهارات والعسل المشوي، وتسمع صدى الطبول والأنغام المنبعثة من كل زاويةٍ من زوايا المدينة.
شوارع نيم غارث التي كانت عادةً مرهونة بالهدوء والانضباط الملكي والعسكري، تحولت اليوم إلى مسرحٍ مفتوحٍ للحياة؛ رايات المملكة المطرّزة بشعار الشمس الفضية ترفرف على الشرفات، وزُيّنت الطرقات بأشرطةٍ من الحرير الملون تمتد بين النوافذ كأنها خيوط ضوء تربط السماء بالأرض. كانت أجراس المعبد العظيم تُقرع على إيقاعٍ احتفاليٍ متسارع، تعلن للعالم اقتراب لحظةٍ يُقال إنها ستبدّل مصير القارة بأكملها؛ طقس استدعاء البطل المحرِّر.
في الساحات الكبرى، اجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم، من النبلاء الذين يضعون أقنعتهم المطرّزة بالذهب، إلى الفلاحين الذين جاؤوا من القرى البعيدة حاملين أكياس الحبوب كهدايا رمزية "لبطل الخلاص". أما الأطفال، فقد جعلوا من الأزقة ممراتٍ للضحك والركض، يحملون أقنعة ورقية على شكل تنّينٍ أو ملاك، وأيديهم ملطخة بسكّر المهرجان الأبيض.
أرضية الشارع كانت مرصوفة بحجارة باهتة غير متناسقة الحجم، تآكلت أطرافها ذات بريقٍ خافت تحت ضوء الشمس. بين الفواصل نبتت أعشاب صغيرة خضراء، كأن الطبيعة تحاول استعادة ما سرقه البشر منها.
أما الخيام، فكانت مصطفّة على جانبي الطريق بألوانٍ دافئة؛ العاجي، القرمزي، والأزرق الباهت، تتماوج أقمشتها مع النسيم وتتصادم حوافها برفقٍ محدثةً خشخشة قماشٍ متناغمة. دعاماتها الخشبية تلتف حولها أشرطة حريرية ملونة، تتدلى منها أجراس صغيرة ترنّ كلما مرّت نَسمة.
فوق الشارع، امتدت حبال الزينة المعلّقة من بناية لأخرى، تتدلى منها رايات صغيرة مثلثة بألوانٍ زاهية، و زينة من زجاج يلمع كلما لامسته الشمس. وكان الأطفال يركضون تحتها ضاحكين، بينما تتطاير من بعيد قصاصات ورقية كأنها فراشات أُطلقت احتفالًا بهذا اليوم الكبير.
كانت الأصوات تتداخل كأنها نسيجٌ موسيقيّ؛ صياح الباعة الأجانب الذين قدموا من أراضٍ بعيدة مثل "زايروك الشرقية" و"فاليسكار الغربية" و"نورفان الشمالية" يروجون بضاعتهم بلغاتٍ غريبة تتخللها كلمات من لهجة نيم غارث المتلعثمة. هناك تجار يبيعون الحرير البنفسجي الذي "لا يحترق بالنار"، وآخرون يعرضون قوارير زجاجية فيها ضوء سائل من ممالك الشمال المتجمدة، يُقال إنه يُستخرج من زهورٍ تنمو تحت الثلوج.
وفي الجانب الجنوبي من الساحة، كانت عربات الموسيقيين تتناوب على الأداء، كل فرقةٍ تحاول أن ترفع حماسة الجماهير أكثر من التي سبقتها. أنغام الناي تتصاعد مرتفعةً بين الأعلام، تصاحبها دفوفٌ وإيقاعاتُ الطبول التي تجعل حتى الحراس عند بوابات القصر يهزون رؤوسهم على غير عادتهم.
أما النساء، فقد لبسن أثوابًا خفيفةً زُيّنت بقطع البلور الملوّن تعكس ضوء الشمس فتبدو كأجنحة فراشاتٍ متراقصة. كانت أصواتهن تتعالى بالضحكات، وهن يساومن على عقودٍ من الفضة، أو يشترين شراب الزهر الأزرق الذي يُقال إنه يُمنح فقط في ليلة الاستدعاء لكسب الشباب الأبدي.
في قلب المدينة، عند ساحة الألف شعلة، نُصبت منصة الملك الكبرى، تحيط بها دوائر من الرموز السحرية المنقوشة على الحجارة القديمة. هناك، يتجمع الكهنة بملابسهم البيضاء الموشاة بزخرفة خيوط الذهب، يتهيأون لاستقبال الساعة التي سيُفتح فيها البوّاب الفاصل بين العوالم. كلّ من في المدينة، من المتسول إلى النبيل، كان يترقب تلك اللحظة بنفس الرجفة الخفية، رجفة الأمل بوصول محررهم من مصير النبوءة المظلم والخوف بترقبهم لهذا المآل.
لا يستطيع العامّة ولا حتى النبلاء من دخول قاعة استدعاء البطل، الأجواء الاحتفالية مستمرة، والمهرجان بلغ ذروته، لكن الجميع ينتظر إعلان وصول البطل المحرر لهذه البلاد، لن يتمكنوا من رؤيته بصفته بطلاً قوميّاً بالغ السرية والأهمية، لكن إعلان الملك قريباً على وصوله كافي لطمأنة هذا الحشد الكبير كاملاً.
وفيما كانت الشمس تميل نحو الأفق، تلوِّنُ أبراج نيم غارث بضياءٍ ذهبيٍّ خافت، ارتفع صياح الناس من كل ناحية، بينما أُطلقت الطيور الرمزية إلى السماء في إشارة إلى بدء الطقوس. المدينة كلّها، بأحجارها وأنفاسها وأغانيها، كانت تنتظر أن يُفتح الغد، على يد البطل الذي وعدت به النبوءة.
وفي أثناء كل هذه الإحتفالات، رجلٌ مهيبٌ يبدو أنه رحَّال متجوِّل كان يسير وسط زحام نيم غارث كأنّ المهرجان لا يعنيه في شيء. في بحرٍ من الألوان والضحكات والرايات اللامعة، بدا هو ظلّاً متحركاً، قطعةً من ليلٍ تسللت إلى نهار المدينة المشرق.
كان يرتدي لباساً جسّد الهيبة و الغموض، بتصميم داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد يوحي بالدفء. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب، تضفي على صاحبها هالة من السرّ والغموض. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الظلال، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية.
القفازات والأحذية متينة التصميم، تعكس جاهزية للقتال أو التسلل في الظلال، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب أو حارس ربما، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
مع ذلك، بدا وكأنه مستنزفٌ مسبقاً، بحيث كانت آثار معركةٍ ربما باديةً على جسده المُثقل، ووجهه الشاحب.
أثناء مروره بين أزقة العاصمة، أزقة لا يبلغها صياح المهرجان وكأنها منعزلة تماما في عالمٍ لوحدها، عالم تحكمه الطبقية القاسية، أطفالٌ متشرّدة لا تملك من المال والصحة السليمة ما يكفيها للاستمتاع بأجواء المهرجان مع الأجانب وأبناء الطبقة المتوسطة والنبيلة. مرّ الرَّجل من بين هذه المناظر الكئيبة وكأن أمرها لا يعنيه، شعر فضِّي غيرُ مصفَّفٍ يغطي ملامحه الباهتة وكأن الموت قريبٌ منه.
"قردٌ غبيّ... ما ذهاك تسرق من كشك حامل دمٍ نقيّ؟! تستحق الموت مئة مرّة!" قال رجلٌ غاضبًا
لقد كان تاجراً أصلع ذو كرشٍ بارزة يرتدي ملابس مهترءة بالتراب والعرق تُظهر عمله الدؤوب المستمر. لقد كان يلكم ويضرب طفلاً باستمرار، لكمة تلو الأخرى دون رحمة والطفل يتكأ على الحائط خلفه لامهرب له من وابل الضربات هذا.
لقد كان الطفلُ يرتدي عباءة بُنِّية اللون مهترئة طويلةً تُغطي وجهه أيضاً، لقد كان في وضعٍ صعب ميؤوس منه ينتظر منقذه من بطش هذا التاجر الغاضب.
تقدّم الرّحال نحو التاجر، ثم أمسكه من يده قبل توجيه لكمةً أخرى لبطن الفتى المستسلِم لأمره. لقد كان الرَّحال طويلاً للغاية، ربما يكون أقلَّ من مترين طولًا بقليل، في حين كان التاجر متوسط الطول، رفع رأسه ليقابل عينيّ هذا المتدخِّل الغريب.
"من أنت أيها التافه؟ أتريد الموت؟!" قال التاجر غاضبًا
"ماذا فعل هذا الصبيّ ليتلقى وابل الضربات هذا من شخص يفوقه حجماً وعمراً بمراحل؟"
"لقد سرق مع رفاقه صندوق تفاحٍ كامل، لقد سلّمه لهم واعترض طريقي لاسترجاعه حتى تمكّن القردة الباقون من الهرب!"
"لسنا قردةً، نحنُ مواطنون، مثلك تماماً..." قال الصبيّ ببطئ بنبرة متألمة
"حقاً؟ إذن فلتكشف عن وجهك ليرى حقيقتك!"
سحب التاجر الرداء من على رأس الفتى... لقد كان أحد المستوحشين، أنصاف البشر، نصف بشري سنجاب! ملامح وقوام بشرية، مع أذناي وذيل سنجاب يتدلون من فوق رأسه وأسفل ظهره. لم يكن هذا المنظر غريباً على أحد، إنهم أحد أجناس هذه البلاد، لكن وضعهم تدهور منذ مدة وأصبحت العنصرية تسيطر على واقعهم.
"أرأيت، إنه ليس بدم نقيّ، إنه نصف بشري، لا مكان لهم في العاصمة، إنهم يعيشون كما الشياطين في أزقة هذا البلد، يسرقون التجار، ويجوبون الأزقة ويتكاثرون بيننا وينشرون دمهم الشيطاني هذا! ماكان لرحَّالة مثلك أن يفهم، لذلك إنصرف الآن إن علمت سبب ضربي له. ليس وكأن لديك مايكفي من مالٍ لتعويضي."
سحب المتجوِّل كيس مال من جيبه الداخلي، لقد كان ممتلئا بالعملة المعدنية... سلّمه بهدوء في دهشة من التاجر.
"هل هذا يكفي؟!" سأل بهدوء
فتح التاجر الكيس بذهول وصدمة، ليزداد وقع الصدمة عليه بعد أن رأى محتواه، لقد كان الكيس يشعُّ بلمعان قطع ذهبية.
"هذه قطع عملة مملكة آثريا... إنها ذهبية حقيقية... والكثير منها! هذه تساوي ضعف عملتنا، بل ربما أكثر... تصريفها سيساوي ثروة حقيقية! من أنت يا هذا؟!" قال التاجر مصدومًا
لقد كانت قطعًا ذهبية لامعة بلون شمسٍ مصقولة، ثقيلة في الكف، منقوش على وجهها تاجٌ متشابك الخيوط، وعلى الآخر ميزانٌ دقيق. حافتها مسنّنة، وملمسها مريح للإبهام والسبابة.
التفت كل من الصبيّ والتاجر في دهشة وذهول للرحّال، وجهه نحيل، يظهرُ النضج. ملامحه غير ظاهرة تحمل شيئاً غامضاً؛ لا هو من عامة الناس ولا من النبلاء، بل كأن الزمن نفسه نقش على بشرته قصصاً لا يريد أحدٌ أن يقرأها.
"..." لم ينطق الرحَّال بكلمة
فجأة، سُمع صوت الألعاب الناريّة في السماء، صوتُ بدء مراسم استدعاء البطل!
"هل حان الوقتُ بالفعل؟!" همس لنفسه
تبادل التاجر والصبي النظرات، ثم وجهوا بصرهم مرة أخرى للرحَّال وهو يلتف مغادراً. "مهلا!..." قال التاجر مترددًا
ركض الرحّال مسرعاً، ثم اختفى بين الأكشاك والحشد الكبير أمام هذه الأزقة المظلمة.
**********
ركضتُ مسرعاً نحو القصر الملكي... العديد من العربات، الأكشاك، الخيام، الأحصنة والناس تعترض طريقي.
'كم أكرهُ المهرجانات... تش.'
تجاوزتُ كل العقبات الماثلة أمامي نحو هذفي... باقي التعامل مع حرس البوابة وأدخل القصر وهناك تبدأ المهمة الحقيقية! الملك غادر فعلاً ومعه حرسُه نحو منصة الخطاب، لا أظن أن القصر مليئ بالمقاتلين حالياً لكنني سأضع كل شيئ في عين الاعتبار.
وصلتُ أمام بوابة القصر الأمامية، لم ألفت العديد من الانتباه نحوي على ما يبدو، وأنا الآن هنا.
'عليَّ إنهاء هذه المهزلة قبل أن تبدأ.'
"أوي أنت، أيها الغريب! ماذا تظن نفسك فاعلاً، أنت تقف أمام القصر الملكي لعِلمك!" قال أحد حرس البوابة
"يبدو أنك أحد عابري السبيل الذين يريدون انتهاز أدنى فرصة." أتبع الثاني
لقد كانت بوابة القصر الأمامية، بوابة مصنوعة من أجود أنواع الخشب الثقيل ومزينة بأنقى الأحجار الكريمة، الذهب، والرخام يزين أرضيتها... حجرة كريمة واحدة كافية ليعيش فردٌ ماتبقى من عمره في هناء. وأمامها كان يحرسها حارسان، لايبدوان بتلك القوة المنشودة لحراسة شيئ بهذا الحجم والقيمة، يبدوان كموظفان عاديان، يرتديان لباس حارسٍ أسود موحد تزيّنه شارة الحارس على الصدر الأيسر، وشارة علم البلاد على الكتف الأيمن، وبعض التفاصيل الذهبية التي تزيّنه أسفل الصدر. لقد كانا هزيليّ البنية، لكنهما يحملان بنادق من عيار معترف به تضعهما في منصب قوة.
'ليس لديّ وقت كافي لهذا الإزعاج!'
"أوي ألا تسمعن---"
أوقفتُ الزمن للحظة، تجمّد المهرجان أمام بوابة القصر كلوحةٍ من الحياة في لحظتها الأشدّ صخبًا. الأعلام التي كانت ترفرف فوق الأسوار توقفت في منتصف رفعتها، كل خيطٍ فيها مشدود نحو السماء كأن الريح حبست أنفاسها فجأة. الشُّعلات المعلقة عند المدخل انحنى لهبها للأمام ثم تجمّد، ألسنتها النارية تتخذ شكلَ موجةٍ متيبسة من الضوء الذهبي.
في الساحة المقابلة، كان الناس متجمِّدي الحركة؛ امرأة تحمل طفلًا متسلقًا على كتفها، توقفت ضحكتها قبل أن تكتمل، ويدها المرفوعة لتشير إلى الأعلى ظلَّت عالقة في الهواء.
رجل يبيع فوانيس زجاجية تجمّدت فوانيسه وهي تتأرجح، والانعكاسات الملونة منها تسبح في الهواء دون أن تنكسر. حتى الطيور التي كانت تحلّق فوق البوابة، بقيت في السماء بأجنحةٍ مفتوحة كمن طُعن بالدهشة، والغيوم وراءها ثابتة لا تتحرك، كأنها مرسومة بالرماد على قماشٍ أزرق.
حول الحارسين، توقفت ذرات الغبار التي أثارها صوتهم الأخير، متلألئة في الهواء كالنجوم الصغيرة. فمُ الأول مفتوح في منتصف صيحته، وعيناه متسعتان تحدّقان في نقطةٍ لا تتحرك. أما الثاني فذراعه مرفوعة بإشارةٍ غير مكتملة، وبندقيته نصف مائلة نحو الأرض، وكأن جسده نسي ما كان ينوي فعله. حتى ظلّهما على الرخام المتلألئ تجمّد، والضوء الذي انعكس من الحجارة الكريمة حولهما كوَّن هالةً صامتة، باردة الجمال، لا حياة فيها.
الموسيقى القادمة من بعيد تحولت إلى صمتٍ كثيفٍ كما لو حبستَ أنفاسك لوهلة؛ كأن النغمات نفسها تجمّعت في الهواء ثم تصلّبت. لم يبقَ سوى الصدى البعيد لنبض الراوي في المهرجان، يرنّ داخل هذا السكون الأبدي الذي لا يتنفس.
كل شيء بدا للحظة كعالمٍ من الزجاج المضيء؛ المهرجان، الحراس، اللهب، الوجوه، كلٌّ محبوس داخل زمنٍ انكسر... إلا أنا، الوحيد الذي ما زال يتحرك بين لحظاتٍ ماتت قبل أن تكتمل.
فتحتُ البوابة... إنها ثقيلة بحق! سعلتُ دماً، لكنني تقدمتُ لداخل القصر متخطّياً إيّاهما.
"تباً، لولا ذلك القتالُ الأخير..." نظرتُ إلى كفّة يدي الملطخة بدماء سعلتُها قائلاً
'يجب عليّ أن أسرع، المانا خاصّتي بدأت تنفذ وجسدي تعب كذلك.'
سحبتُ خنجرين من أسفل ردائي، وتقدمتُ راكضاً في الممر.
'أشعر بحضور قوي في الطابق الثاني... لا بد أنها ساحرة... كاهنة الاستدعاء. يجب علي الإسراع.'
ركضتُ وعلى مرآى بصري امتداد للعديد من الخدم، رجالٌ ونساءٌ، غير مقاتلين...
الحركة داخل القصر كانت مستمرة، فَلَم أجمّد الزمن داخل القصر بتعويذتي السابقة. وعليه، تابعتُ التقدم
بعضهم صرخ منفجعاً من مشهد دخيلٍ يقتحم القصر مسرعاً والبعض أمرني بالتوقف وأنا أتجاوزه، لكن لم يجرؤ أحدٌ على اعتراض طريقي.
"توقف!" قال حارسٌ يقف أعلى الدرج المؤدي للطوابق
جهَّزتُ وضعيتي... خنجران واحد على يميني والآخر على يساري. عكستُ قبضتهما، ركزتُ بصري على هذفي وتقدمت.
لقد كان فارع الطول ببنية عضلية قوية ومتينة، ذو شعر أسود وملامح جادة توحي بالصلابة. لقد كان يرتدي رداء الحرّاس ذاته ويحمل نفس عيار بندقيتهما.
قمتُ بخطوتي، تقدمتُ للأمام... وبدوره أطلق رصاصةً متَّجهة نحوي دون تردد.
رميتُ خنجري الأيمن نحوه مستهدفاً رأسه، وأوقفتُ الزمن مجدداً برمشةٍ مني. تدحرجتُ تحت الرصاصة المتجمدة في الهواء وتقدمت نحو الحارس.
تغيّرت أجواء القصر الداخلية في لحظة إلى مشهدٍ من الزجاج المتجمّد. كلُّ حركةٍ توقفت كأنّها رُسمت بإبرةٍ رفيعة، عربات الخدم متوقفة بين خطواتها، ومعهم تجمَّد الخدم بوضعيات مختلفة، وذرَّات الغبار التي خلَّفتها الرصاصة وراءها معلّقة في الهواء.
الرصاصة أمامي لا تقطع الهواء الآن، بل تبدو كقطرة رمال معدنية معلّقة، العين تستطيع أن تلمس تفاصيل النقش الصغير على هيكل الرصاصة، أثر الصدأ الطفيف، وتعرّج الهواء الذي كان يسبقها قبل أن يتوقف.
الخنجر الذي رميته دار في الهواء بانتظامٍ دقيق ثم جفّ دورانُه عند لحظةٍ واحدة، الشفرة موجهة نحو جمجمة الحارس لكنها توقفت قبل الثانية الأخيرة من اختراق الجلد. قطرات عرقٍ على جبينه كانت متجمدة مثل بلورات صغيرة. الشفرة قريبة كأنها تلامس الظلّ فقط، رأس الحارس متوتّرٌ، فمه ممسوك، عيناه فارغتان من حركةٍ لكنهما تحتفظان بذهولٍ للحظةٍ من الدهشة المكتنزة. الخنجر لم يخترق؛ السطح المعدني لشفرتي يعكس صورة عينيه مجمّدةً، وأنا أرى فيها خطوتي القادمة.
الهواء حولي هادئ إلى حدٍّ مطلق؛ الصوت الوحيد الذي يختلج هو نبض قلبي ضربتان، ثلاث... يبدو كإيقاعٍ بعيد عن العالم. كلّ شيء جامد لكنه مفصّل، حركةٌ صغيرة، خطوةٌ، نَفَسٌ يمكن أن يُعاد. العالم المجمد ليس موتاً، بل لوحةٌ تنتظر اليد التي ستعيد إليها الحياة.
التقطتُ خنجري الأيمن وهو على عتبة إختراق جمجمة الحارس وأنا أمرُّ بهدوء من جانبه. ثم مضيتُ مسرعاً نحو هذفي.
صعدتُ الطابق الأول وبعده الثاني وأنا مجمدٌ الوقت، لقد كانت الممرات مكتظة بالخدم ولا أملك الوقت للتعامل معهم جميعا، لن يستغرقني ذلك كثيرا لكنني فضلت ألا أقوم بفعلٍ غير ضروري.
وصلتُ للطابق الثاني، العديد من الغرف امتدت على طول بصري، لكن الغرفة المعنية كانت شديدة الوضوح بالنسبة لي، لماذا؟ لأنهم هناك يحرسانها. حرّاس إيلغاريا الذهبيون.
لقد كانا إثنان فقط، يرتديان درعاً بارزاً متقناً ومتوازناً، يجمع بين القوة الجسدية والأناقة الملكية.
الدرع مصنوع من صفائح معدنية متداخلة بألوان ذهبية وفضية متجانسة، بحيث يغلب الذهبي على المناطق البارزة كالصدر، الكتفين، والركبتين بينما يغلف الفضيّ المفاصل والحواف ليمنح تباينًا بصريًا أنيقًا.
يتميز القسم العلوي بتصميمٍ حيويٍّ ذي خطوطٍ حادة وانحناءاتٍ دقيقة تشكّل شكلًا هندسيًا يوحي بالثبات والانضباط. في مركز الصدر قطعة بارزة مثلثة هندسية حادة الشكل، تعمل كدرعٍ إضافي وتُعد النقطة المحورية في التصميم.
الكتفان مزوّدان بدرعين مقوسين تحتهما طبقات متحركة تسمح بحرية الحركة دون المساس بالحماية. الذراعان محميتان بالكامل حتى الرسغين، مع تفاصيل منقوشة على شكل شعاعاتٍ تمتد من المعصم نحو المرفق.
الخصر مشدود بحزامٍ جلديٍّ أبيض اللون تتدلّى منه ألواح صغيرة تشكل حماية للفخذين، تتناسق مع الصفائح السفلية التي تمتد حتى الركبتين. الأرجل مصممة بانسيابية تجعل الدرع يبدو خفيفًا رغم صلابته، وتنتهي الأحذية المعدنية بأطرافٍ مدببة تعكس الطابع العسكري النبيل.
من الخلف، يتدلى رداء قصير أو عباءة خفيفة بلونٍ أبيض ناصع تضيف لمسة من الوقار والرمزية. الشكل العام يوحي بدرعٍ مخصصٍ لفارسٍ من طبقةٍ عالية كما هو الأمر. تصميم متوازن بين الحماية، الجمال، والانسيابية، يصلح لفرسان المملكة الذهبيين.
لقد كانت الأولى إمرأة ذات شعرٍ بنيّ قصير بالكاد يقترب من لمس كتفيها وعينان زرقاوتان بقوام أنثوي معتدل وطول قامة متوسط. والآخر كان رجلاً طويلاً ذا رُقعة عينٍ سوداء تغطي عينه اليسرى، شعر أسود مُصفَّف فوق رأسه دون أن يطيل شعراته، ولحية مدرَّجة شديدة السواد، وعلى خصره سيف مُغَمَّد.
تقدمتُ نحوهما لكن تعويذة تجميد الزمن أُلغيت فجأة إثر سُعالي دماً، لابد أنني أتجاوز حدودي للآن، لكنني يجب أن أمنع هذا الاستدعاء مهما كان.
إنتبه الحارسان الذهبيان لي فوراً، سحبَ الرجلُ سيفه دون تفكير وتقدّم نحوي مندفعاً.
"سارا!" صرخ لشريكته منادياً
"فهمت!" أجابتْ
بسطت يديها على حدٍّ سواء، جمّعت مانا على كفَّتيها ثم لامستهما وكوِّنت حاجزاً أخضر صغير على راحة يديها المنبسطتان... استدارت نحو الغرفة المعلومة، أغمضت عيناها وأطلقت حاجزها ليملئ الغرفة ومحيطها.
في نفس الوقت كان الرجل متقدما نحوي، لقد وصل باندفاع. تضارب كلٌ من سيفه المندفع وخنجري الأيسر المدافع بقوَّة.
'سيف الغرب هاه؟'
"بماذا تفكّر بإقتحامك للقصر الملكي هكذا؟ أتريد الموت؟!" صرخ قائلاً
"..." امتنعتُ عن الرَّد
عاد الرجل خطوتين للوراء بعد أن صددته، ثم تقدم مجدداً.
'نفسُ الوضعية؟ كم هَوى بكم الزمن يا حرس إيلغاريا!'
تقدمت بخنجري الأيسر لصده مجدداً، لكنه باغثني بتغيير مفاجئ في وضعيته. وبدل أن تأتي هجمته من فوق، عكس النصل وأتى به من نقطتي العمياء.
'تبا!'
لقد كان صدري ينزف...
وضعتُ راحة يدي على الجرح فتجمّدت قطرات الدم المتساقطة في منتصف الهواء، ثم ارتفعت ببطءٍ إلى الوراء، تتراجع نحو موضعها. شقُّ الجرح بدأ ينكمش من الأطراف إلى المركز، والجلد يستعيد لونه تدريجيًا، بينما تتلاشى آثار الألم مع كل نبضةٍ عكسية، ثم التأم كأن شيئا لم يكن، ومعه ردائي الذي انقطع وهو يعود لسابق عهده.
"سحر شفاء؟ مثير."
وضع الرجل رجله اليمنى أمامه، انحدر لمستوى بسيط ثم ارتفع ليُصيب عنقي في هجمة مباغثة!
قبضتُ عضلاتِ وجهي، شكَّلت المانا خاصتي في أقصى رأسي، وفتحتُ عينيَّ فجأة بقوة. اتسعت الحدقتان إلى أقصى درجة مفعّلاً توقيف جزء من الزمن... ليس الزمن بأكمله وإنما هذا السيف فقط ومعه القبضة التي تمسكه.
إلتفَّ الحارسُ إليّ بصعوبة إثر التعويذة المُلقاة عليه.
"من تكون يا هذا؟ خيط الزمن؟" قال بصعوبة
ركّزت الامرأة بصرها نحوي وأنا أتقدم ببطئ... ضمَّت يديها لبعضهما البعض ثم بسطتهما نحوي.
"سارا! لا تفعلي!!"
'وأنا أقاتل، استشعرت بَدأَ المانا بالتركيز من داخل الغرفة... هل يمكن أنها بدأت ترتيل التعويذة بالفعل؟!'
'تباً! أضعتُ العديد من الوقت...'
فتحت الامرأة مَنْفَذاً لهجمتها من أطراف أصابعها الممدودة نحوي، فخرجت نيرانٌ عاتية ولهيبٌ ساخن قويٌّ باتجاهي وكأنها تنينٌ جامح.
أوقفتُ هجومها في السماء في لحظة و التففتُ بسرعة حول نيرانها متَّجها نحوها، ثم عكستُ قبضة خنجري مندفعاً.
"ديرك!" قالت بنبرة مفجوعة
أسقطتها أرضا باستهذافي للنقطة خلف رأسها بمقبض خنجري مفقداً إيّاها الوعي.
سقطت على ركبتيها ثم وقعت أرضاً للأمام بكامل جسدها.
"سارا!" نادى ديرك قلقًا "من أنت بالضبط أيها الوغد!!" قال بغضب
"..."
الآن بعد أن تخطيتهما لا شيئ يفصلني عدا هذا الحاجز عن دخول الغرفة وإيقاف المراسم قبل أن يتم الاستدعاء.
وضعت يديَّ على الحاجز، قمت بعكس الزمن عليه فتبدَّد بسهولة.
وضعت كلتا يدي على مقبضيّ الباب، ثم فتحتُه مسرعاً.
****************
"استدعاء!" قالت فتاةٌ مُختتمةً ترتيلها.
'تباً لقد تأخرتُ'
فتحتُ عيني على غرفة الاستدعاء في وقتٍ متأخر، فقد أنهت الساحرة ترتيلها بالفعل... لقد كانت الأرضية الرخامية الناصعة تعكس خيوط الضوء التي تتدفق من النوافذ العالية المقوسة، فتنسج شبكات ذهبية على الأرض. الأعمدة المزخرفة تقف شامخة على الجانبين، أثاث ملكي لن تجد مثله في البلاد يزين الغرفة بأناقته وعصريته وكأنه جاء من زمنٍ مغاير للزمن الذي يعيش فيه شعب المدينة الباقون.
السقف المقوّس تعانقه ثريات كريستالية ضخمة، تتدلى كنجوم محبوسة في قفص من الذهب، تلمع بخفوت. أما الجدران المزركشة بخطوط رفيعة وأقواس متناسقة، فتُعطي انطباعًا بأن هذه الغرفة ليست مجرد غرفة، بل معبر بين عالمين؛ أحدهما مادي تضيئه الشمس، والآخر خفيّ، يتردد صداه في الصمت المهيب.
و نسيم عليل يتسلل من النوافذ الكبيرة التي تطلُّ على كل الشعب من فقراء إلى أقصى نبلاء البلاد.
داخل الغرفة كان هناك ثلاث أشخاص؛ الأول كان رجلاً في الثلاثين من عمره، متوسط الطول، شعره أشقر فاتح يميل إلى الذهبي الباهت. ذو قَصَّة قصيرة متوسطة الطول، تنسدل الخصلتان الأماميتان على جانبي الوجه بخفة لتُظهر الجبهة، مع تدرج ناعم عند الأطراف يجعل الشعر يبدو طبيعيًا وغير مصفف بإفراط. الخصلات الخلفية قصيرة وتتماهى مع شكل الرأس، مما يعطيه مظهرًا هادئًا وناضجًا، أقرب إلى مظهر فنان أو باحث متأمل، بعينان خضراوتان جادَّتان ولباس فخم يدلُّ على النُّبل والثراء على قوامٍ عضليٍّ لا بأس به.
الثانية كانت فتاةً الأقرب أنها ملكيَّة، فتاةٌ قصيرة ذات شعر طويل وحريري ذو لونٍ أشقر ذهبي لامع. يبدأ التموج برقة من أعلى الرأس إلى أطراف الخصل، وتُسحب بعض الخصل الجانبية إلى الخلف لتلتقي خلف الرأس، مانحةً الوجه إطارًا أنثويًا رقيقًا. الجزء السفلي من الشعر مضفور ضفيرة واحدة ناعمة تتدلّى على الكتف الأيمن، مما يمنح القصة طابعًا نبيلًا ورومانسيًا، كما لو كانت تنتمي إلى أميرة من عالم فانتازي ساحر. كانت ترتدي فستاناً أسودَ داكن حتى أسفل قدميها يوحي على مكانتها الموقَّرة في البلاد.
الثالثة كانت الساحرة المنشودة التي ألقت ترتيل الاستدعاء، لقد كانت أكثرهم برودة، كانت أطول من الفتاة الملكية بقليل وأقصر من الرجل الآخر بقليل، بعينين عسليتين يوحيان على القليل من الخبرة، شعر بني داكن بلون الأرض الدافئ، طويل ومسترسل بانسيابية. القسم العلوي مرفوع قليلاً للخلف بطريقة بسيطة تُكوّن نصف رفعة تضيف حجمًا في المقدمة، بينما يتدفق باقي الشعر على الكتفين والظهر بحرية. تتدلى خصلتان نحيفتان على جانبي الوجه، مما يمنح الإطلالة توازنًا بين الهدوء والأنوثة، وكأنها فتاة رزينة ذات طابع كلاسيكي. لكنها لم تكن كذلك، لقد كانت أحد السحرة المتمرسين في هذه البلاد. كانت ترتدي ملابس رسمية سوداء توحي أنها ضيفٌ مهم وليست من ذوي السلطة أو النبلاء.
لقد أدركتُ فوراً أنها كانت الساحرة لأنها كانت تقفُ أمام دائرة سحرية تشعُّ بتوهج المانا خاصتها، الدائرة السحرية للاستدعاء تُرسم بخطوط دقيقة متشابكة على الأرض، يتوسطها رمز نجمي محاط برموز تتوهج عند التفعيل. تمتد منها خيوط من الضوء نحو الحافة لتشكّل نمطًا متناظرًا يوحي بالنظام والتوازن، بينما تتراقص حولها شرارات خافتة. من المركز ينبعث عمود ضوءٍ نابض كأن الدائرة نفسها تتنفس وتفتح عينيها على عالمٍ آخر، جاعلة الهواء من حولها يضطرب بطاقة غامضة تُشعر الناظر بأن شيئًا غير اعتيادي يوشك على الظهور.
"ما الذي يحصل... إنني أفقد السيطرة..." قالت الساحرة بنبرة مضطربة
"ركّزي بثباتٍ أرجوك..." قال الرجل
"لا فائدة... هل تدخَّل أحدهم في تعويذتي... لما لا أستطيع توجيهه كما ينبغي... رأسي يؤلمني... المانا الخاصّة بي تنفذ بشكل سريع!" ردَّت مضطربة
"ركزي أرجوك، آنسة فاي!" شجعتها الفتاة الملكيَّة
"أنتِ لها آنسة فاي!" أكَّد الرجل
"أما من طريقة نستطيع بها دعمها يا سيد ميمير." تساءلت الفتاة الملكية بصوتٍ ناعم قلق
"آنستي الصغيرة جاسمين، لا أملك مانا تكفي لمثل هذه الظروف..."
"مهلاً، يوجد الحراس الذهبيون خلف البوابة... هلَّا ناديتهم..." قالت الفتاة الملكيّة بترقُّب
لاحَظَت بعد ذلك الحراس وهم ملقون على الأرض. شاهد ميمير ردة فعلها فنظر خلف البوابة ليجد الحراس الذهبين، أحد أقوى مقاتلي البلاد وهم منهزمون. وجّه بصره نحو الرَّحال بنظرة متفاجئة بغضب ثم تقدّم باتجاهه مندفعاً.
"يا أيّها الدخيل... ماظنك أنك فاعل في هذا القصر أثناء المراسم؟... ما هذه الحُلَّة؟ هل أنت عبدٌ هارب أوما شابه؟" صرخَ في وجهي بغضب
'عبد؟'
**********
أزال ميمير عن الرَّحال قلنسوته التي تغطي رأسه ومعه ظهرت ملامحه الغاضبة المنفعلة. اشتدت ملامحه خوفاً ورهبةً وكأنه شاهد مَلَك موتٍ ماثلاً أمامه... لقد كان الرَّحال يُبدي نظرةً مخيفة إثر كلماته.
ذلك راجعٌ للنظرة التي يُبديها الرَّحال على وجهه حالياً، لقد كان يُراقب الوضع لكنه قاطعه مفرِّغًا غضبه، لقد قَرَن حاجباه في غضب واحمرّت عيناه السوداوتان إثره.
شعرٌ فضّيٌّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
وجهٌ شاحب كالرخام الرمادي، تحيط به هالة مرعبة وكأن الضحك نُزع منه منذ زمن بعيد. عظمتا الوجنتين بارزتان قليلاً، تمنحان حدة فكٍّ جذابتين. لكن ما يجعل من الملامح ذكرى لا تُمحى، هما العينان السوداوتان بالكامل، بلا بياضٍ ولا لمعة، كأنهما ثقبان في صفحة العالم، يبتلعان الضوء بدل أن يعكسانه. النظر إليهما يُحدث رجفةً خفية، كأنك تحدّق في نهايةٍ هادئةٍ للعالم، بلا نيران ولا صراخ، بل بصمتٍ كثيف لا نهاية له.
حين رفع عينيه نحوه، بدى كما لو أن كل شيءٍ حوله يخفت لحظة، الأصوات، الألوان، حتى الريح بدَت وكأنها أثقل حوله.
سقطت الساحرة أرضاً بعد صراع طويلٍ مع التحكم...
"لقد نجح الاستدعاء!" أعلنَت
فرحت جاسمين بالخبر وتقدمت نحو فاي لتساعدها في الوقوف. نظر ميمير نحو الرَّحال المُتصلِّب نظرة مرتعبة أخيرة ثم لحق بهما متسائلا.
"إذًا... أين هو البطل؟" سأل متعجبًا بهدوء
"لا أدري..." أجابت
'يبدو أنها فقدت السيطرة على استدعاء البطل، لكنها لم تفشل... كل ما في الأمر أن البطل قد تم استدعاؤه في مكانٍ ما حول هذا العالم!'
'الفشلُ يبقى فشلًا...'
أعاد الرَّحال تغطية رأسه وإلتفَت نحو الباب... شعر بنظراتٍ مرتعبة خلف ظهره، لكن لم يجرؤ أحدهم على إبداء كلمة. وعليه، هممَ مغادراً.
'لم أنجح في منع الاستدعاء على مايبدو... حالياً أنا لا أعرفُ مكانه حتى مما يزيد متاعبي... عليَّ أن أجده قبل الجميع...'
'ذلِك المشؤوم.'
يُتبع...