إليان
'لقد مرَّ أسبوعٌ كامل منذ مجيئي لهذا العالم. لازلت لا أفهم كل شيئ عن الحياة هنا، لكنني كوَّنت إنطباعا أوَّلياً لا بأس به. لقد شُفيَت إصاباتي بالكامل. لازلت أشعر بألم الطعنِ في خصري الأيسر لكنه لا يمنعني من الحركة بحرية. يبدو أن ليارا تُجيد الإسعافات الأولية، هذا ليس غريباً كونها صيادة ترافق والدها رايندار في أراضي الدببة وغيرها.'
'سأُعرِّفكم عنهم جيداً أولاًّ... رايندار؛ مظهره الجاد يوحي بوقارٍ وهيبة وقوّة منقطعة النظير، شخصٌ جديرٌ بالثقة حتماً. لكن... هذا ما يبدو عليهِ الأمرُ فقط.'
أمامي كان يمشي رايندار في دائرة قرب الطاولة وهو يحتسي كوب قهوةٍ ساخن أمام الموقِد في غرفة المعيشة يُراقب الأوضاع المثلجة خارجاً من النافذة. يبدو وكأنه يحاول الكلام معي، أشعر به يخطف نظراتٍ خفيفةٍ بإتجاهي بين الفينة والأخرى، وأنا أقرأ كتابا على الأريكة أحاول من خلاله فهم اللغة أكثر فأكثر. وفجأة...
"آااااااه!!" صرَخَ رايندار مُتألِّماً
جاءت ليارا من المطبخ المجاور مسرعةً للغرفة لتطمئن على أبيها.
"ماذا حدث يا أبتي؟!" سألَت بحذر
"خِنصر رجلي الأيمن... لقد ارتطمت به الطاولة! من حرَّكها من موضعها؟" أجاب بنبرةٍ متألمة
"إيييه؟ إنها طاولةٌ يا أبتي، جمادٌ. كيف لها أن تتحرك من مكانها؟ يجب عليك أن تكون أكثر حذرًا في حركتك." أجابت
"هذا مؤلم. وكأن البرق عصف بي..." قال متألمًا
"أوووه يا أبتي فلتجلس حينما تكون شارد الذِهن." ردَّت
'في الواقع إنَّهُ أخرق!'
'أحيانا ينسى أن يَخفض رأسه فيرتطم بأعلى الباب، وعندما يخيط ملابسه يجرح إصبعه بالإبرة، ودوماً يحرق فمه حينما يحتسي قهوةً ساخنة أو يأكل طعاماً ساخناً دون حذرٍ، وتارةً يخطئ الباب ويرتطم بالحائط، دون أن ننسى أنه دائم التعثُّر والهفوات... إنه أخرق... أخرقٌ بحق.'
'لكن ولسببٍ ما، حينما يتعلق الأمر بسيفه ومهامه كصيَّاد، الهالة حوله تختلف، فيصبح جديراً بالثقة والمسؤولية، إن كان عليك الإختيار بين فريقين ستريد أن تكون تحت وصاية فريقه مما لا شكَّ به.'
'حينما يُلَمِّعُ سيفه، يصبحُ برّاقاً يعكس نور الغرفة، تستطيع من خلال نصله أن ترى إنعكاس عينيه الزرقاوتين كما النهر الجَّاري على حدِّ سيفٍ. عندما يهيمُ مغادراً للصيد يُعطي بظهره الكبير موَليًّا فيشعرك بالأمان. لم أشاهده في قتال حقيقيٍّ بعد لكنه دائماً ما يعود ومعه صيد وفيرٌ من لحم الغزلان والدببة الشهيّ وفروهم الدافئ دون أدنى جرحٍ يذكر، كما تبدو ليارا محترمةً إيَّاهُ كثيراً مما يضيف له شعوراً أكبر بالقيادة.'
'بالمناسبة، بعد أسبوع هنا أستطيع أن أقول أنني بدأتُ أفهم أساسيات اللغة... إنها تُدعى باللغة الشمالية، يبدو أنني الآن أقيم في قارَّة نورفان الشمالية، مملكة ديسمارا، وتحديداً في مدينة سيرافين البعيدة نسبياً عن العاصمة إيلينور، فنحن أساسًا نقطن على سفحٍ جبلي في أقصى حدود سيرافين، حيثُ لا يوجد بشرٌ غيرنا. مجرد دببة بيضاء وتنانين بيضاء تملأ الغابات و قمم الجبال المثلجة.'
'لم أخبر رايندار وليارا عن حقيقتي بعد. يبدو أنني جئتُ لهذا العالم بسببٍ غريبٍ أجهله، وهم يظنون أنني رَحَّالٌ إنتهى به المطاف في هذه الأراضي المثلجة فسقطتُ فاقداً ذاكرتي... لكنني لم أفقدها! أنا أتذكر مظهر أولئك الأوغاد من عالمي حتماً.'
“Vaal en’Elian, shenr vael thae?”
("ما بالك يا إليان؟ هل تشعُر بتوعُّك؟")
سألني رايندار متعجباً
'يبدو أنها النظرة على وجهي... نظرة الغضب إثر تذكري لتلك الذكرى.'
لازلتُ لا أفهم الكثير حيال هذه اللغة ففي النهاية جلسات التعلم مع رايندار وقراءة الكتب ليست كافية، أحتاج مدة أكبر أستمع فيها وأحاول استنباط المزيد من الكلمات عبر حديث هذان الاثنان، عندها فقط سأتمكَّن منها.
“Vaal rin’liara sen thravyn? Shenr vael mirn’shaal? Haa’ra’ha!”
( "ماذا تطبخين يا ليارا هذه المرة؟ هل هو فأر مشوي؟ هاهاها!")
قال ساخرًا
'يبدو أنه يسخر من رائحة طبخ ليارا المنبعثة من المطبخ. هي حقاً طبَّاخةٌ سيئة أظن أنني سأقوم بأداء أفضل حين يتعلَّق الأمرُ بالطّبخ! لكن فأرٌ مشوي؟ هاها ماهذا الهراء.'
“Arven shaal.”
("سأساعد.")
قلتُ
نهضتُ من على الأريكة وتقدمت نحو الباب متجهاً للمطبخ كي أقدّم المساعدة.
“Nael ven’arv shaal en’reth.”
("ليس عليك أن تساعد حقًا")
أخبرني متوتراً
“Nael shael, nael shael.”
("لا بأس، لا بأس")
قلتُ
'لا بد أنه يحاول ضيافتي دون أن يُجهدني لكنني تعبت من الجلوس دون القيام بشيئ، ليس وكأنني تعبتُ من مذاق طعام ليارا السيئ كما القيئ لكنني أريد المساعدة بما أستطيع.'
داخل الكوخ الخشبي، حيث تتسلل أشعة الشمس الخافتة من النوافذ الصغيرة المغطاة بزجاج سميك، يطلُّ المطبخ بدفء هادئ على قلب الشتاء القاسي الخارجي. الأرضية مصنوعة من ألواح خشبية متينة، تحمل رائحة الخشب الدافئة التي تمزج مع عبق الحطب المشتعل. السقف الخشبي منحدر في الأعلى، وكل عارضة من خشب الصنوبر البنية تضيف إحساسًا بالحميمية، كما لو أن الكوخ يحضن بداخله كل من فيه.
المعدات المطبخية بسيطة لكنها مرتبة بعناية؛ قدر حديدي كبير على الموقد الحجري، مجموعة من الصحون الخزفية ذات أطراف مشققة قليلاً، وسكاكين متباينة الأحجام مرتبة على لوح خشبي عتيق. رفوف خشبية معلقة على الجدار تحمل المعلبات البسيطة، والبهارات محفوظة في أوعية زجاجية صغيرة، كل شيء يوحي بالبساطة مع لمسة من الاعتناء الدافئ.
تختلف أنواع الخشب المستعمل بين المعدات حسب أهميتها، البعض متين والآخر رقيق، درجات اللون البني تختلف بينهم أيضا، مما يضفي جمالية على المطبخ.
ليارا تقف قرب الموقد، ملابسها المطبخية بسيطة؛ مئزر ورديٌّ فاتح فوق قميصٍ أبيض صوفي خفيف وبنطلون أسود يبرز عضلات ساقها، شعرها الأشقر القصير ينسدل على أذنيها بطريقة طبيعية دون أن يلمس كتفيها، وعينيها الخضراوتان تتلألآن بالاهتمام حين تحرك القِدر أو تمسح سطح الطاولة الخشبية. جمالها يكمن في التوازن بين القوة والنعومة، يداها رشيقتان، وحركاتها تنم عن خبرة وحنان في آن واحد، وفي تركيزها شيء من الدفء الذي يملأ المكان أكثر من النار المشتعلة. لكن في الواقع...
'ماهذه الرائحة؟ بدأتُ أتوقعُ أن الغداء فأرٌ مشويٌّ بالفعل!'
وقفت جانبها مرتديًا ملابس منزلية بسيطة قدَّمها رايندار لي، سترة صوفية سوداء بعنقٍ مرتفع يشعرني بالدفء وسروال رماديٍّ خفيف.
كل شيء في هذا المطبخ من الخشب العتيق، وأدوات المطبخ البدائية، إلى دفء أهله يوحي بأن الحياة هنا بسيطة لكنها مليئة بالحب والاعتناء، مكان يمكن فيه للمرء أن يشعر بالدفء حتى عندما تتساقط الثلوج بلا هوادة على السفح الجبلي.
“Shenr en’kaar arv shaal?”
("هل تسمحين لي بمساعدتك؟")
قلتُ مرتبكاً
نظرت إليَّ بملامح جادة كما من قاطعته أثناء تركيز عميق، نظرت إليَّ بعينان خضراوتان كما الربيع وسط هذه الثلوج، برموش طويلة تبرز عينيها بشكلٍ جذاب، أنفٌ صغير مستقيم، وفم أحمر من الدفء المحيط، وجنتاها محمرَّتان كذلك وشعرها الذهبي كما القمحِ غير المصفَّف ينسدل على أذنيها قرب الوجنتين.
صُدمت من نظرتها الجادة لي التي رمقتني بها، لكنها سرعان ما حركت رأسها بالإيجاب قابلةً المساعدة.
كما لو أن العالم حولي صمت فجأة!
“Vaal en’Liara, shenr vael en’arv? Nael rin’kaar shaal thraven!”
("ماذا هناك ليارا، هل قبلت مساعدته؟ لم تسمحي لي بذلك يوماً!")
دخل رايندار المطبخ قائلاً
كلماته جعلت أذني تستمع من جديد للجو المحيط بنا، نيران الموقد، صوت التنفس، وضربات القلب، وصوت رايندار المفعم بالحيوية.
“Fael shenr nael thravyn, rin’kael, en’arv shael thrynn.”
("لأنه لن يُفسِد الطعام كما تفعل، ارتأيت أن أعطيه فرصة")
أجابت قائلة وهي تجادله
“Eeeh? Vael en’shaal?”
("إيييه؟ أهو ذنبي؟")
ردَّ منصدماً
'هذا الجوُّ العائلي... لقد افتقدته! أنا… لا أملك إلا أن أتذكر الفراغ. فقدت أمي وأنا طفل صغير، كان قلبها ضعيفًا، مرض مزمن لم يكن يملك إلا أن ينهش أيامها، فتركتني بلا حضن، بلا دفء.'
'أبي حاول أن يملأ هذا الفراغ، حاول أن يكون لي كل شيء، لكن القدر كان أسرع من أن يراني أحقق حلمه بمستقبلٍ باهر وعد أمي أنه سيراني أحققه في مكانها. حادث في المصنع الذي كان يشتغل فيه... لحظة لم أنتبه إليها، وانطفأ نور حياته.'
'بعد ذلك، بعد أن يموت بفترة من التخبطات التي عشتها وحيدًا، أُخبرني الطبيب بأن قلبي… قلبي قد يسير على دربه، وأن هذا المرض الذي قتل والدتي قد يفتك بي كذلك. كنت مستسلماً جدًا لأفهم، كبيرًا جدًا لأتجاهل الحقيقة. لكنني لم أستطع مواجهة هذه الحقائق المتراكمة. لم أعد أحضر محاضرات الجامعة وانطويت على نفسي في غرفتي. فالجامعة كانت عالماً آخر… عالم من الفراغ، من الوحدة المطلقة. أعيش في حياة بلا أحد، بلا ضحك، بلا اهتمام، بلا حب. كنت أركض وراء أي شيء يلهيني عن الألم؛ المانغا، الألعاب، تفاهات لا نهاية لها. كنت أغرق فيها كما يغرق الغريق في الماء الملوث، أتنفس فيها لأنني لا أستطيع التنفس في العالم الحقيقي.'
'غرفتي… آه، غرفتي أصبحت مرآة حياتي. لا يطؤها النور، لا تنقشع عنها الظلال إلا عند النادر. الكتب والألعاب ملقاة في كل زاوية، أشيائي متناثرة كما هو قلبي؛ لا اهتمام، لا ترتيب، لا شيء سوى فوضى صامتة تضحك في وجهي. أحيانًا أشعر أنني أعيش على هامش العالم، أن الحياة تمر بي ولا تمر بي في الوقت ذاته. كل لحظة بؤس، كل دقيقة فراغ… هكذا أمضيتُ أيامي، بلا هدف، بلا شغف، بلا صديق، إلا نفسي التي لا أطيقها أحيانًا بدورِها.'
'ودون سابق إنذار وفي مفاجئة تامة، جربت شعور الاحتضار والموت، لكن يبدو أنني لم أبلغها وأُنقذت حياتي قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة عبر انتقالي الغريب لهذا العالم. مع ذلك، هذا لا يمحي حقيقة أنني سأموت بعد أقل من ثلاث أشهرٍ من الآن على ما أعتقد...'
'لطالما إعتقدتُ أن العيش وأنت تعلم موعد وفاتك كان ليكون نِعمةً كبيرة، فسيساعدك ذلك على وضع أهذافٍ لتحقيقها قبل بلوغه، ولن تُضيِّع وقتك الثمين في هذه الدنيا على أشياء تافهة إثر ذلك. لكن على العكسِ تماماً، إتضح أنه نِقمة لا نِعمة، فعِلمك بموعد وفاتك يُفقد العالم ألوانه الزَّاهية ويُفقد الحياة مذاقها اللذيذ، كما لو أنك تتناول طعاماً لا مذاق له للنجاة ليس إلَّا. مِثلهُ تفقد الحياة مغزاها الأساسي، فتعيش ما تبقى من عمرك تعُدُّ ماتبقى لك من أيام دون الاستمتاع بها، لا تفعل شيئا عدا إنتظار لقاء مصيرك المحتوم. فتقضي ما تبقى لك من عمرٍ محبوساً بسلاسل الموت التي تقيِّدك بعيداً عن نشوة الحياة التي لاتزال بين يديك...'
'لذا، أنا لن أكوِّن روابط مع هؤلاء الأشخاص... سأساعد كنوعٍ من قضاء الواجب ليس إلَّا، واجبٌ إثر إبقاءهم لشخصٍ غريبٍ مثلي بجوارهم. ليس وكأن أحداً سيبكي على موتي، لكن إنشاء مزيدٍ من الروابط سيُصعِّب عليَّ فراق هذه الحياة. أريد عيش ماتبقى من عمري بلا ندم. سأموت مبتسماً من أجل والديَّ، من أجل أن يكون لحياتي مغزى! هذا هذفي إن أردتُ صياغته...'
كانت ليارا تُمسك سكيناً بيدها اليمنى لتقطيع الخضراوات المصفوفة على طاولة المطبخ. أخذته برفق من قبضتها وقمتُ بحركةٍ سلسة كنوع من التسخين بتحريك السكين سريعاً بين أصابعي، ثم أحكمتُ مقبضه بيدي اليمنى. إنها حركة سريعة تعوَّدت على القيام بها قبل البدء في التقطيع لتنشيطِ يدي والتركيز على مهمتي.
على يميني، نظر إليَّ رايندار نظرةً متعجِّبة كمن رآى لتوِّه شيئًا مثيرًا للاهتمام.
أمسكتُ البطاطس أمامي، بدأت بتقشيرها ببطء، كان السكين يلامس القشرة بصوت خافت، خَشخشة صغيرة تملأ سكون المطبخ. ثم بدأتُ التقطيع بتركيزٍ، حدَّة، سرعة، وثبات. قطّعت البطاطا إلى مكعبات متساوية مثالية كمن يبحث عن الكمال، لكنني لم أفعل، كل مافي الأمر أنني ماهرٌ في استخدام يداي.
وضعت القِدر فوق النار، أضفتُ قليلًا من الزيت، وانتظرت حتى بدأ يُصدر صوت الغليان الخفيف. رميت قطع البصل المفروم، فتصاعدت رائحته الحلوة في الهواء، تذكّرني بأيامٍ قديمة، ربما بوالدي حين كان يطبخ في ليالي الشتاء الطويلة. بعدها أضفت فصوص الثوم المهروسة، ومع أول همسة دخان من القِدر، امتزجت الروائح وكأن المطبخ كله تنفّس.
في هذه الأثناء عمَّ الصمتُ المكان. كان كلٌّ من ليارا ورايندار يراقبانني بدهشة وترقُّب.
ألقيت البطاطا في القِدر، ومع كل صوت ارتطام، أحسست بشيء من الراحة. رششت الملح والفلفل وبعض الأعشاب الجافة، ثم سكبت الماء الساخن ببطء، لأراه يلتهم المكونات شيئًا فشيئًا. تركت الحساء يغلي، ووقفت أمام الموقد أراقب البخار يصعد نحو السقف الخشبي، يلتف كضباب صغير يعانق الضوء الخافت المتسلل من النافذة.
كانت الدقائق تمر ببطء، والمكان يغمره الدفء والرائحة المذهلة. كان رايندار يكسر حاجز الصمت بين الفينة والأخرى بسؤالي عن الخطوة القادمة. لازلت لا أتقنُ اللغة جيداً فكنت أُتمم كلامي بالإشارة ليس إلَّا.
ذقت المرق، إنه جيد! حافظتُ على ملامح وجهي الباردة طوال العملية كما المتمرِّسين. كان الطعم بسيطًا… لكنه لذيذ بطريقة لا أستطيع تفسيرها. كأنه يذكّرني أن الأشياء التي تُصنع باليدين، بصدقٍ، حتى وإن كانت متواضعة، تملك في داخلها ما يكفي من السحر لتهدئة القلب.
أطفأت النار، سكبت الحساء في أوعية خشبية، وجلسنا على طاولة غرفة المعيشة قرب النافذة نتناوله على مهلٍ وأحاديث ليارا ورايندار تغمران المكان، كنتُ أحيانا أتابع المحادثة وأجيب بالإيماء. في الخارج، كانت الثلوج تتساقط بصمت، أما داخلي… فقد بدأ يدفأ قليلًا.
سرعان ما انتهى هذا الجو الشاعري بعدما قام رايندار بحرق فمه برشفةٍ من الحساء الساخن. أمامي جلس كلٌّ منه على اليمين وليارا على اليسار وهي تعتني به بحذرٍ وقلقٍ على أبيها موبخةً إياه ليتناول وجبته بحذرٍ أكبر.
“Vael rin’thravyn saen thirn’en velthar, shael ven’arv en’laen mirra vael’shae.”
("إنها أول أكلة جيدة أتناولها منذ سنين، ظننت أن لساني فقد قدرته على تذوق لذة الطعام هذه.")
قال رايندار ساخراً
سرعان ما استشعرت غضب ليارا إثر هذه الكلمات من والدها، الملعقة الخشبية على يدها كانت ضحية هذا الغضب الواضح على ملامحها محطمةً إياها في محاولة كبح عدم رضاها على ما قاله.
“Vaal ren’thae en’shaar?”
("ماذا تعني بكلامك؟")
قالت بنبرة غاضبة
“Shael, shael, ven’sairen. Vael en’thrae mirn’shaal, haa’ra... En’Elian, vael thravyn’kaar en’shael.”
("حسنا حسنا إهدئي، من الواضح أنها مزحة، هاها... لكن إليان، أنت طباخ ماهر يا رجل!")
أجاب محاولًا تهدئة الوضع بإبتسامة سخيفة
“Nael vael’serin.”
("ليس بالشيء الكثير")
أجبت بهدوء
نظر إلي نظرةً خاطفةً وهو يتناول حساءه دون أن يردَّ عليَّ، وعندما إنتهى من الخُضار أمسك وعاءه بكلتا يديه محتسياً ما تبقى من حساءه بسرعة. وضع الوعاء على الطاولة بقوة كطفلٍ متحمس أنهى وجبته، ثم وجَّه بصره إليَّ.
“En’Elian, shenr vael arv’syn thrakar?”
("إليان، هل تريد تعلم السيافة؟") سأل
لغتي الشمالية ماتزال ضعيفة ولا أستطيع فهم الكلام كما ينبغي، فهمت أنه يتكلم عن السيف بطريقة ما فهي أكثر الكلمات شيوعاً في قاموسه، لكنني لم أفهم السؤال بالكامل فنظرتُ إليه نظرةً مبهمةً كمن لم يفهم كلمةً مما قاله.
“Thrakar... shenr... arv... vael... syn’en?”
("السيف... هل... تريد... أنت... تعلمه؟") قال
فهمت الآن أنه يدعوني لتعلم السيف فقد أبرز مفردات كلامه بوضوح وهو يشرح مستخدماً الإشارات بكلتا يديه موضِّحا لي قصده.
“Shenr shael ven’arv en’thera vael’ren?”
("هل تظن أنني سأستطيع التعامل مع هذا؟") سألتُ
“Thrael’en kaar vael shiraen thrae ven’shae, shael ven’arv vael syn thrakar velthir, ren’saal en’shael vael’raen.”
("مهاراتك بالسكين كانت مدهشة قبل قليل، أظن أنك تستطيع تعلم السيف في وقت قصير حتى، لا سيما إن كنت تحت وصايتي.") قال
نظر كلانا إلى ليارا التي تحتسي آخر ما تبقى من حساءها موجّهين بصرنا إليها.
“Nael ven’shaal, en’Liara?”
("أليس كذلك يا ليارا؟") سأل
وقفت ليارا بعدما إنتهت من وجبتها هي الأخرى، فنظرت إليَّ ثم إلى والدها وهي تحمل الأوعية متَّجهةً بهم نحو المطبخ قائلةً.
“Shael en’nael, fael thrakar’en kael, ven’arv thrakaar shael’ren, ren’kaar velthar en’shael thrae’na.”
("صدق أو لا تصدق، لكن هذا الأخرق نال مرتبة سيد السيف ورفضها مقررا العيش في مثل هذا المكان.") قالت
'سيد السيف؟ ماذا يفترض أن يعني ذلك؟!'
“Vaen shael’seren en’thar?”
("ماهو سيد السيف؟") سألت
نظر إليَّ رايندار كما لو أنه ينظر إلى شخصٍ جاهلٍ ماثلٍ أمامه. ثم بدأ يشرح لي قصده منتقلا في أسلوب كلامه بين ما هو ساخر وما هو جدِّي وهو ينظر إليَّ ويتكلم ويشرح بأسلوب بسيط مستعملاً يداه.
“Vaal shael nael ven’arv thrakaar’en kael? Ren’kaar vael thrakar’en thrae’n, thrynn, faelir, kael, raen, shael. Ven’thrae thrakar’en kael shael, fael ren’kaar nael’en, shael’ren en’raen velthar thrakar, en’kaar rin’laen thrae’na, velthar en’kaar en’thrae’na. Nael ven’shaal en’shael?”
("ماذا أنت لا تعرف حتى شيئًا بسيطًا كهذا؟ هناك رتب للسيافين في هذا العالم، مبارز، فارس، قديس، ملك، سيد. لقد فزتُ على سيد السيف لكنني قررت عدم قبول الرتبة واكتفيت بكوني ملك سيف يعيش مع ابنته الجميلة في هذا الكوخ الخشبي بعيدًا عن الضوضاء والصخب. أليست طريقةً جميلة للحياة؟") شرح
لم أفهم كل كلامه لكنني استطعت استنباط المغزى منه وفهمت النقاط الأهم، يبدو أن السيافة ليست مجرد شيئ يقتصر على الصيَّادين أو ما شابه.
نظر إلي نظرة جدِّية مكرراً سؤاله.
“Fael en’Elian, nael shael ven’arv, shenr vael arv’syn?”
("إذا إليان، لم تجبني بعد، هل تريد التعلم؟") سأل
'تعلم السيافة إذا؟ فيما سيفيدني تعلم القتال بكافة أنواعه إن كان عدوي داخليًّا!؟ في حالتي الموت سيغذر بي مهما كانت قوَّتي القتالية. لن يسمح لي بقتاله حتى، بل سيفتك بي فجأة دون سابق إنذار...'
نظرتُ إلى رايندار وعيناه تلمعان يبدو عليهما الحماس لتدريبي على القتال.
'أظن أن التعلم لن يضرني بشيئ، أقصد... حتى لو كنت سأموت قريباً، فهذا لا يعني أن علي إهدار ماتبقى لي من عمرٍ لا أفعل شيئا عدا التفكير به، صحيح؟'
قمت بالإيماء له بجدية، نظرة توحي على موافقتي لعرضه بالإيجاب.
“Shael, vael ren’kaar shael’thrae, fael en’shaar ven’thrae, velthar shael’ren thrae’na thrakar’en shiraen.”
("جيد، هذه هي الروح المطلوبة، بعد أن تنقشع الغيوم فلنخض جولة تدريبية بسيطة.") قال متحمساً
وعليه، أنهينا وجبة غدائنا المتواضع وبدأت حياتي تتخذ منحى مغايراً إنطلاقاً من قبول عرض تعلم السيافة.
أصبحت حياتي أكثر حيوية فجأة. أستيقط صباحاً عند بزوغ الفجر على صوت الرياح وهي تضرب جدران الكوخ الخشبي. ليارا دائماً ما تستيقظ قبلي، تُشعِل الموقد أولًا، ليس للطهي وإنما لتُعيد الحياة للكوخ وتُبدِّد برد الليل العالق في الخشب. أغسل وجهي بماء بارد من دلو البئر خارج الكوخ، ثم أدخل لأقف أمام نيران المِدفأة الملتهبة لأدفئ يداي المتجمدتين. أتَّجه بعدها للمطبخ كَيْ أعدَّ وجبة الإفطار بينما يتدرب رايندار خارجاً على مهاراته في السيف، و تنظف ليارا غُرف النوم. لقد إحتاج الأمر وقتاً لإقناعها بتَركِ الطبخ لي، لقد حاول رايندار جاهداً إعفاءها من هذا الدور معتمداً عليَّ بشأن طعامهم، أنا أيضاً لم أُرِد قضاء ماتبقى لي من حياةٍ أتناول طعام المستشفيات ذاك الذي لا مذاق له.
في الفطور، يتنوع غداؤنا بين قِطع اللحم الجبلية التي أصنعها من لحم الغزال المفروم والشعير والبصل، تُطهى فوق سطحٍ صخري ساخن حتى تكتسب لونًا ذهبيًا ورائحة دخانية تملأ الكوخ. نأكلها أحيانًا مع بيوض الطيور المحمّصة بالأعشاب، تلك التي ندفنها في رماد الحطب مع الزعتر لتكتسب نكهة الدخان والجبال. وإلى جانبها يُقدَّم خبز الرماد الجبلي، صلب القشرة طري القلب، مع قليل من زبدة الثلج البيضاء التي تذوب ببطء فوقه. نشرب معها بعض الشاي الساخن، مُرّ المذاق لكنه يدفئ الصدر أكثر من أي نار.
بعد وجبة الإفطار، أتَّجه للساحة أمام الكوخ خارجاً لأتدرب مع رايندار على أساسيات السيف بعد أن يكون قد انتهى من تدريبه الشخصي الخاص سلفاً وأصبح الجو أكثر اعتدالًا. مساحة التدريب أمام الكوخ يغطيها السقف الخشبي المتين من أن تتداعى إليها الثلوج، وهي مناسبة للتأمل في السِفاح الثلجية والمناظر الجبلية الخلَّابة.
رايندار بطبعه قاسي في تدريبه قليلًا وكأنه شخص مختلف تماما عن ذلك الأخرق في حياته اليومية، حُجَّته في تدريبي بقسوة هو أن لدي مهاراتٍ لم أدركها بعد وموهبة غريزية أحتاج لصقلها بجدٍّ.
تدريبات السيف الأساسية مقسمة على ثلاث؛ أولًا يأتي تدريب التلويح، حيث يأمرني بالقيام بوضعية مناسبة ويؤطرُني في ذلك لبلوغ أحسن وضعية ممكنة لجسدي، ثم يراقبني وأنا ألوِّح بالسيف الخشبي 100 تلويحة. كان الأمر صعباً في الأسابيع الأولى لكن سرعان ما تقوَّت عضلات ذراعي بسبب تداريب السَّيف وتماريني الشخصية قبل النوم، وعليه، أصبحت تمارين التلويح أكثر سهولة يوماً بعد يوم. ثانياً يأتي تدريب الهجوم، وهو تدريبٌ حيث يطلب مني رايندار الهجوم عليه بمختلف الوضعيات وهو يصدني بشتى الطرق ويضربني من وضعيته الدفاعية مستعملين سيوفاً خشبية حتى صار جسدي كله يؤلمني. والتدريب الأخير هو تدريب الدفاع حيث يهجم رايندار علي مندفعاً بسرعة كالبرق الخاطف بشتى الوضعيات ويجب علي استخدام غرائزي المطلقة لصدها. مما يعني مزيداً من الضرب المبرح. لو كان بيدي تسمية هذا التدريب شيئا لأطلقتُ عليه "تدريب الضرب المبرح" ليس إلا، فمهما تقدَّمت الأيام هذا هو الشيئ الوحيد الذي لا أعتاد عليه أبداً، فقد أصبح جسدي مليئاً بالكدمات ويؤلمني لمس أي نقطةٍ منه.
بعد تدريب السيافة، أجفِّف عرقي بمنشفةٍ مبتلَّة بمياه دافئة رفقة رايندار، ثم يخرج كل من رايندار وليارا للصيد أحياناً على حسب الحاجة، يرتديان لباس الصيد الدافئ نفسه ومعه العِدَّة التي يحتاجانها من أسلحةٍ وفِخاخ، ويعودان بعد ساعة أو إثنين ومعهما تشكيلة من الأرانب والطيور، وأحيانا يأتي رايندار وخلفه غزالٌ أو دبٌّ قطبي يجره وهو موضوع داخل شبكة صيد عملاقة.
أما أنا فأبقى للاعتناء بالمؤن المخزّنة، أجفِّفُ الأعشاب، وأُقلِّب اللحم المملّح، وأُضيف طبقات جديدة من الثلج في القبو الصغير للحفاظ على جودة وسلامة اللحوم وغيرها.
تتغيَّر وجبة غدائنا التي أُعدُّ عقب عودتهم على حسب وفرة الصيد، فيتنوع طعامنا بين حساء الأرنب بالأعشاب الجبلية، أغليه على نارٍ هادئة مع الجزر البريّ ونكهة الزعتر، وأحيانًا أُغنيه بملعقة جبن ليزداد دسامة. وهناك رايندار من يُفضِّل صدر الطائر الثلجي المدخَّن، لونه نحاسيّ ورائحته تعبق بالصنوبر، نأكله مع شرائح البطاطا المشوية وخبزٍ غليظ. وللأيام التي تشتد فيها البرودة، أُعدُّ شوربة عظام الصقر الجبلي، داكنة اللون قوية النكهة، تُعيد الحرارة إلى الأطراف المتجمدة وتُشعل الحياة في العروق.
بعد وجبةِ الغداء أعود للمطبخ لغسل الأواني وغالباً ما ترافقني ليارا للمساعدة، بل حتى أنها تقوم بعملٍ أفضل مني في ما يتعلق بسرعة التنظيف، تدور بيننا دردشات خفيفة أحياناً تخلو من أيَّة حيوية، مجرد تبادلات وإيماءات بسيطة لكي لا يعم الصمت المكان في جوٍّ قاتمٍ وممل.
أجلس بعدها قرب النافذة الخشبية الصغيرة، أحدّق في الثلج المتساقط وهو يتلاعب بخيوط أفكاري، إنها اللحظة الوحيدة التي تسمح لي بالتفكير في إقتراب موعد لقاء حتفي، وأن هذه الحياة لن تستمر إلا قليلًا بعد.
عندما تتوقف الثلوج، أخرج رفقة رايندار لجمع الحطب من أطراف الغابة، حيث يُخفي الثلج جذوعًا جافة كالعظام، تُعدّ كنزًا حقيقيًا في هذا البرد القارس. ثم نعود إلى الكوخ ويُشعل مصباح الزيت الذي يملأ المكان بضوءٍ ذهبي خافت يضيئ المكان بعد إختفاء نور شمس فترة الظهيرة.
مع إقتراب موعد الغروب، أذهب لتحضير وجبة العشاء. غالبًا ما تكون وجباتنا أثقل وأكثر هدوءًا. نتشارك حول الموقد طبق شواء لحوم الدببة أو الغزلان بزيت الصنوبر، أُقطّع اللحم إلى شرائح سميكة وأغمرها بالفطر الجبلي المطهو في دهنه، نكهته قوية كالجبل نفسه. وفي الليالي الطويلة، أقوم بطهي مرق الدب المُخمَّر بالعسل الجبلي، مرق داكن تُغنيه البصل والثوم والعسل، تُترك على النار يومًا كاملًا حتى تذوب فيها النكهات. وأحيانًا بعد رحلة صيدٍ ناجحة، نأكل كبد الدُّب، مشويًا على أحجار نارية، ويُقدَّم مع عصير ليمونٍ مُرّ يُلهب الحواس.
هكذا أعيش في الجبال الثلجية هذه الأيام، طعامنا بسيط لكنه صادق، مصنوع من لحم الصيد ورائحة الدخان، من الجهد والانتظار والنار التي لا تخمد في صدورنا. كل وجبةٍ هنا ليست مجرد طعام، بل ذكرى من الأرض والبرد والنار… ورائحة الحياة نفسها.
في هذه الأرض لا أحد يعيش كما يريد بالضرورة، بل كما يسمح له المناخ. الأسماك موجودة لكن أغلب الأنهار الآن متجمّدة، لا يُصاد منها إلا إن كُسر الجليد بفأسٍ وصبر. الغزلان تتبع أطراف الغابات، والدببة لم تدخل سباتها كلها بعد، بعضها يظلّ قريبًا من السفوح مشكِّلًا خطرًا داهمًا. أما الأرانب والسناجب وأنواع القوارض الصغيرة فتُلتقط بسهولة أكبر، خصوصًا حين يقلّ الطعام.
ليارا تعتمد على سهامها الدقيقة، أما رايندار فيفضّل المواجهة الأقرب، سيفه أنسب للفرائس الكبيرة. بعد الصيد يُسلخ الفراء بالخناجر فورًا قبل أن يتجمّد الدم، الفراء لا يُهدر بل يُباع للتجار العابرين، يُستخدم للمعاطف، البطانيات، تبطين القفازات والأحذية، وأحيانًا يُبادل بالملح أو الزيت. اللحم يُقسَّم ويُجفّف أو يُطهى في اليوم نفسه، الأحشاء أيضًا تُستهلك، لا شيء يُرمى هنا، حتى الدهون تُذاب للإنارة أو للحفظ.
لا أعلم مدى صحة الأمر، لكنني سمعتُ أن كبد الدببة في هذه الجبال يُستعمل كدواء لضعف تدفّق الدم، يُجفّف ويُطحن ويُخلط بأعشاب معينة. لا أحد يضمن النتائج، لكن الناس تتشبث بأي شيء على ما يبدو.
هكذا هي الحياة هنا... صيد، سلخ، بيع، تجفيف، تخزين. البرد لا يرحم من يهدر شيئًا.
بعدها، أتَّجه للتمرين المنزلي خاصتي في غرفةٍ دافئة أتشاركها مع رايندار، بينما ليارا تبيتُ في غرفتها الخاصة. أقوم بتمارين ضغط وقرفصاء وعدد من حركات التقوية، أتدرب على كامل أجزاء جسدي الذي أهملته في حصة سريعة بينما يأخذ رايندار حماماً. أدخل بعده للحوض كي أسترخي من تعب اليوم. دائما ما يسألني رايندار عن الاستحمام معاً كما الحمام العمومي للاستجمام، لكنني أرفض بأدب، لا أظنُّ أنني شخصٌ إجتماعي لتلك الدرجة بعد. يتَّجه رايندار للنوم عقب استحمامه لكن يومي أنا لم ينتهي بعد.
بعد الخروج من الحمام الدافئ أتَّجه لغرفة المعيشة لتقوية لغتي الشمالية أكثر عبر قراءتي لمختلف أنواع الكتب على أنغام ليارا وهي تعزف الناي من غرفتها. أسترخي إثر سماعي لعزفها الهادئ الرقيق. ومع مرور الليالي والأيام، صرتُ أجيد القراءة والكتابة، أفهم الكلمات وأستطيع التبادل في الحوارات ولو لم تكن لَكْنَتِي بتلك الجودة بعد. أحيانا تجلس ليارا جانبي أثناء حصصي فجأةً لتساعدني في دروس اللغة، يوماً بعد يومٍ، ليلة بعد ليلة، أصبحتُ معتاداً على اللغة الشمالية كلغتي الأساسية... إنها معلِّمة جيدة بحق! رغم أنها ترفض مناداتها بذلك ناسبةً الفضل لكوني عبقرياً على حدِّ قولها لتعلم لغة كاملة في وقتٍ قصيرٍ من الزمن.
بعد حصة اللغة أتوجه لفراشي الدافئ، رايندار قدَّم لي السرير كنوعٍ من الضيافة اللا مشروطة، في حين ينام هو على فرو دبٍّ دافئ يقول بأنه يكفيه. الغرفة دافئة بالفعل، لكن يظل مافعله لأجل غريبٍ مثلي شيئًا لم أرى مثله، مثال للُّطفِ والكَرَم.
أنفخ على الشمعة التي تضيئ الغرفة كي تنطفئ، وأضع رأسي على وسادةٍ من صوف، أغمضُ عيناي وأنتقل لعالم النوم والأحلام.
وبذلك... عشرةُ أسابيعَ من حياتي مرَّت.
يُتبع...