'مرَّت عشرةُ أسابيعَ بالفعل منذ إنتقالي إلى هذا العالم. لازلت أجهل الكثير كما تعلَّمت الكثير، ومن بينهم اللغة التي سرعان ما أتقنتها وأصبحت أستطيع التفاعل مع رايندار وليارا كما لو أنني فردٌ من عائلتهما، لكنَتي ضعيفة، بعيدة كل البعد عن الإحتراف، كما أن مصطلحاتي بسيطة، وأخطأُ التعبير في كثيرٍ من الأحيان، لكنني أُجيد اللغة مبدئيًّا وأستطيع تدبُّر أمري باستعمالها دون حاجة مترجم.'
في هذه الأثناء كنت أتدرب على السيف في ساحة الكوخ خارجاً مع رايندار حاملين سيوفاً خشبية.
"اسمع! للآن كلُّ ما علَّمتك هو الوضعيات الأساسية التي يجب على أي سيَّافٍ في العالم أن يكون متقناً إيَّاها مهما إختلف فصيله. وبما أنك أتقنتها بالفعل في مدة لا بأس بها، أستطيع القول أنك تتمتع بالموهبة الكافية للإنتقال للمرحلة الثانية." قال رايندار
"المرحلة الثانية..."
"أسلوب السيافة!" قال رايندار مبتسمًا
كانت ليارا تجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ ذو قاعدةٍ متحركة تتأرجح ببطئ وهي تحتسي كوب شايٍ ساخنٍ وتشاهد تدريبي.
"أنت لا تعرف هذا حتى!" قالَت
'إذاً هو شيئٌ أساسيٌّ في هذا العالم أيضاً. موضوع فقداني للذاكرة قد يبدو مبالغاً فيه في نظرهما لأنني أبدو حالياً كما الرضيع الذي أتقن أولى خطواته للتَّو، تعلمت اللغة الشمالية حديثاً ولا أعرف شيئا عن سير هذا العالم، مما يجعل الأمر مشبوها قليلًا، لكنني صرَّفتُ الموضوع على أساس أنني ربما تعرضت لفقدان ذاكرة من مستوى متقدِّم.'
"إنتبه! توجد أربع أساليب سيافة أساسية في عالمنا هذا... سيف الغرب، سيف الشرق، سيف الجنوب، وأخيراً سيف الشمال! هذا الأخير هو أسلوبي الشخصي، والذي يتقنه كل سيّافي القارة الشمالية بدرجات متفاوتة عدا الرَّحالة المتجوّلون، رغم أن هذه القاعدة التي تحصر ساكني منطقة معيَّنة بأسلوب سيفها الخاص قد إندثرت مؤخرا، نظراً لأن المغامرين والمرتحلين من السيَّافين يفتحون مدارس خاصة بأسلوب السيف خاصتهم في مناطق لا تحتضن ذلك الأسلوب، وقد لقي ذلك إقبالًا كبيراً، فأصبح كل من هو مقدم على التعلم يختار الأسلوب الذي يساعده في إبراز إمكانياته وأقوى ما يمتلك. وعليه، ظهر أشخاصٌ في أنحاء العالم وقد تبنُّوا أساليب قتالية جديدة حتى مشتقة من الأساليب الأربعة الأساسية لتتماشى مع قدراتهم وتفضيلاتهم." قال
"إذاً فقد اشتقت من الأساليب الأربعة بعض الأساليب الجديدة تجمع بين طريقة قتال أسلوبين مختلفين أو تغير القليل في تقنيات أسلوب معين حتى يستطيع البعض إتقان السيف أو حتى أسلحة أخرى. أهذا ما ترمي إليه؟" قلت
"بالضبط، يوجد مثلًا أسلوب الجنوب الشرقي لمستخدمي الرماح، وأسلوب الشمال الغربي لمستعملي الفؤوس، وأسلوب الجنوب الغربي لمن يفضِّلون الخناجر، وأسلوب الأراضي المنبسطة الذي تبنَّاه البعض وهو مزيج بين سيفيّ الشرق والغرب." أجاب
"فهمت!" قلت
"كما أخبرتك، أنا ملكٌ من ملوك سيف الشمال. لقد إرتقيت لمرتبة سيِّد السيف لكنني رفضتها وهربت إلى هذه الأراضي المنعزلة كما ترى مع إبنتي الظريفة هذه." قال بنبرةٍ سخيفة
"لماذا؟" سألتُ
"حسناً حسناً، لن تحب الخوض في تفاصيل مملة صحيح؟ الأمر مزعج... إنه صراع غبي لا نهاية له للسلطة والمراتب والفخر... لا تهتم به!" قال
"حسنا..." قلت
"المهم، أنا لا أتقن أسلوباً آخر عدا سيف الشمال، لذلك لا أستطيع تخييرك بين الأساليب، فهذا كل ما أستطيع تعليمك إيَّاه. شخصيًّا أراه الأقوى بين الأساليب إن صُقِلت مهاراتك فيه جيداً. ما رأيك؟ هل تريد تعلم سيف الشمال أم تفضِّل الإنطلاق في رحلتك الخاصة والبحث عن أسلوبك الخاص..." قال منهيًا كلامه بحزم
"سأتعلَّم أسلوب الشمال!" أجبت بحزم
ابتسم كلٌّ من رايندار وليارا إثر كلماتي كما الأم الفخورة التي تشاهد إبنها وهو ينضج.
"حسناً إذاً لا وقت لنا لنضيِّعه صحيح؟ سوف تتقن هذا الأسلوب في أسبوعٍ واحد من الآن وستنطلق في مهمة صيد أولى لك معنا حينها! لا أقول أنك ستصقله بإحتراف، لكنك ستتعلمه حتماً مادمتُ أنا مدربك." قال
"أوس!" أجبت
"حسناً... يُعرف أسلوب الشمال بالثبات القاتل. هو فن يعتمد على وزن الجسم، نقل القوة من الأرض، واستغلال مقاومة العدو لاندفاعه!" تغيَّرت نبرته وهو يشرح إلى نبرةٍ جدية كما تكلَّم بأسلوبٍ تقريري أكثر إحترامًا وإحترافية
"يمتلك هذا الأسلوب ستَّة وضعيات أساسية. أولاً، قاعدة الجذر (Rootstance)." أَتْبَعَ في شرحه
"ضَع قدمان متباعدتان بعرض الكتف، ركبة أمامية مثنية قليلاً، وزن منخفض. أما السيف فيكون مقدّم أمام الجسم بزاوية 45° باتجاه صدر الخصم. يهدف للصمود أمام الاندفاعات وامتصاص القوة." أكمَل
كان رايندار يشرح الوضعيات ويقوم بإتخادها في نفس الوقت بسيفه الخشبي كمثال حيٍّ لهم أمامي.
"ثانيا، توجد زاوية الكتف (Shoulder Edge)." قال
"ضَع الكتف الأمامي مرفوعاً بسيطًا، الجسم مائل إلى الخلف قليلاً. السيف محمول فوق الكتف للانقضاض الطولي. لهجوم قوي واحد يهدف لكسر ظهر دفاع الخصم." َأتمم قائلًا
لقد كنت أنتبه بتركيز شديد وذهول لوضعياته المصقولة بعناية.
'إنه مدهش!'
"ثالثاً، قاطع الثلج (Ice Cutter)" قال
"خُذ خطوة طويلة أمامية مع دوران خفيف للحوض.
جهِّز السيف لضربة مائلة من الأعلى إلى الأسفل مع استخدام القطر الطويل للشفرة. بهدف قطع مساحات دفاعية وخلق ثغرات في دفاع خصمك." أَكمل شرحه
عند قيامه بهذه الوضعية التوضيحية، إنقشع جزءٌ كبير من الثلج المتراكم أمام الساحة، تاركاً أمامه أرضاً منبسطة تغطيها بعض الثلوج القليلة كرأسٍ أصابهُ الصَّلَع.
"رابعاً، درع السكون (Still Guard)" قال
"السيف مشدود أمام الرقبة تقريبًا، المرفقان محكمان. واتخذ وضعية صدّ مركّزة. سيساعد ذلك في إجبار الخصم على ارتكاب أخطاء ثم رد فوري." أَتبع قائلًا
"خامساً، ارتداد الجليد (Ice Recoil)" قال
"قُم بتراجع قصير مع شدّ الأذرع لاستقبال طاقة الضربة.
حينها سيلتقط السيف الضربة ويعيد توجيهها بحركة ارتدادية. سيقوم ذلك بتحويل زخم العدو إلى هجوم معاكس." أَكمل شرحه
"أما سادساً، قلب الثلج (Heart of Frost)
"انخفض بشكل مفاجئ في مركز الثقل مع شق جانبي قصير. ثم وجِّه بسيفك ضربة قصّ متقنة إلى الأضلاع أو الفخذ. السرعة مهمة في هذه الوضعية لضرب مناطق الدفع وإبطاء حركة الخصم والقضاء على تهديده." أَنهى شرحه
"أوووه" قلت
صفَّقت مذهولًا على العرض الذي شاهدته، إنه مذهلٌ بحق. لازلتُ لا أفهم رُتب السيافة تلك، لكن هالة رايندار تجعلك تفهم من يكون سيد السيف!
"الضربة القاضية... حجر الصقيع (Froststone Coup) هي وضعية تجمع بين كل ما سبق باختصار وتضيف لمسة بسيطة عليهم تقوِّي من جدارتهم، لكن لا تُشغِل بالك بها بعد. تحتاج أن تُتقن ما سبق أوّلًا كبداية." قال
"فهمت!" قلت
"حسنا، أريد منك الآن أن تقوم بالوضعيات الستة التي عرضتها أمامك... ما تتذكر منها على الأقل، وسأساعدك على تحسين وضعيَّاتك ووقفتك حينها." قال
'وعليه، بدأ تدريبي على إتقان أسلوب سيف الشمال. كما طلب مني رايندار بدأت بالقيام بالوضعيات التي شاهدته يقوم بها. لم أتذكر جميعها جيداً كما هو متوقع لكنني أبليتُ بلاءًا حسناً على حدِّ قوله. لقد راقبني حتى منتصف النهار وأنا أكرر الوضعيات، وكان يصحح وقفتي و وضعيتي عند كل خطأ و هفوة مني. ومع ذلك، أشاد بي وبموهبتي وذكر أنني أتَّجه في المسار الصحيح.'
'بعد نهاية التدريب، أتممنا يومنا كما هو مخططٌ له، نفس الروتين لم يتغيَّر شيئ بالتحديد. غير أن ليارا ورايندار لم يذهبا للصيد نظراً لأننا نملك فائضًا في المؤونة بالفعل. لكن المشكلة الأكبر التي واجهتنا كانت...'
"لقد نفِذت منا الخضار والفواكه!" قلنا جميعاً بنبرة حزينة.
كنا نقف جميعاً في المطبخ حينما أردت استعمال بعض الخضار على الغداء ووجدتُ أن كل ماتبقى هو بعض البطاطس التي بالكاد تكفي لغداء اليوم.
"ماذا سنفعل بخصوص هذا الآن." قلت
"لا بأس أمور كهذه تحصل. أليس كذلك ليارا؟" قال رايندار
أومأت ليارا برأسها بالإيجاب وبنبرةٍ متحمسة لما هو قادم.
"حسناً في هذه الحالة إذاً جهِّزا نفسيكما فغذاً صباحاً سنتَّجه للمدينة!" أعلن رايندار
"يااااااي" صرخ الاثنان
صفق الاثنان راحة يديهما ببعض في فرحة حماسٍ عارمة غمرت ليارا خصوصًا وشاركها رايندار إيّاها.
'بالمدينة هم يقصدون سيرافين، إنها المدينة التي نقطُن فيها أساسًا، لكن كوخ رايندار يقبع قرب الجبال خارج المنطقة السكنية وبعيدًا عنها ببضعة أميال مشيًا على حدِّ قولهما.'
"ما المميَّز في المدينة لهذه الدرجة؟" سألتُ
أمسكت ليارا يديَّ بقوة واندفاع، إقترب وجهها من وجهي وهي تثرثر بحماسٍ واضح مفرط حول مزايا المدينة بفرح وإبتهاج.
"أتعلم يا إليان؟" قالت ليارا وعيناها تلمعان كما لو أن النار في الموقد انعكست داخلهما
"المدينة دائمًا تجعلني أشعر أن العالم أكبر مما نظنه هنا بين الثلوج. الشوارع المزدحمة، رائحة الخبز الطازج في الصباح، وصوت الباعة ينادون من كل زاوية… حتى الهواء مختلف هناك، كأنه مملوء بالحكايات ويوجد العديد من السِّلع والأشياء المختلفة التي ستشدُّ إنتباهك أينما وجَّهت بصرك!" قالت بحماس
إبتسمت بخفة وهي تُرتِّب سلة صغيرة قربها.
"أتوق لشراء بعض القماش الناعم، ليس مثل الصوف الخشن الذي ننسجه هنا، وهناك أيضًا تلك الحلوى التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة، ما اسمها؟ آه نعم، دورين المثلجة! كنت صغيرة عندما تذوقتها آخر مرة."
توقفَت لحظة، تحدّق في النافذة حيث الثلج يتساقط ببطء.
"ربما هي ليست أجمل من الجبال، لكنها مختلفة، صاخبة بطريقة تجعلني أشعر أني على قيد الحياة. في الجبال كل شيء صامت أكثر من اللازم، حتى الفرح يبدو همسًا. أما هناك، فالضحك يملأ الطرقات، والأنوار تبقى مشتعلة حتى الفجر. غدًا... أريد أن أمشي في تلك الطرقات كلها، حتى تتعب قدماي." قالت مبتسمة
'ماهذا... إذاً ليارا أيضاً تستطيع صنع هذا الوجه الظريف.'
ثم نظرت إليَّ مبتسمة كطفلةٍ صغيرة في مساء رحلة مدرسية ميدانية، بطريقتها البسيطة التي تخفي حماسًا طفوليًا لم تعشه كما يجب ربما.
"ألستَ متحمسًا ولو قليلًا يا إليان؟ المدينة تنتظرنا، وأظنها اشتاقت لي كما اشتقت أنا إليها. ألا تملك شيئاً تريد إقتناءه غداً؟" سألَت
'بالنسبة لهم في هذا العالم غير الحضاري قد تبدو أنشطةٌ بسيطة كالتسوُّق شيئًا تترقَّب وصوله، لكنني جئت من أكثر العوالم حضارةً، لا أظن أن شيئًا يُباع في أسواق المنطقة سيشدُّني مثل ليارا، كما أنني لا أُحبِّذ فكرة الذهاب، لست إجتماعيا أساسًا وأُفضِّل تجنب الاختلاط بالعديد من الناس...'
إنهالت عليّ بطاقة إيجابية كما لو أنني أحدق في الشمس المشرقة. نظرت في اتجاه رايندار فوجدته يومئ برأسه بالإيجاب على كل ثرثرتها مشاطراً إياها حماسها الطفولي بوجه سخيف.
'ماهذا الوجه السخيف التي تُبديه في هذا العمر يا رجل!'
"شيئٌ ما أريد إقتناءه؟! هممم... لا أدري بصراحة. إضافة إلى أن لا مال لي فأنا مفلسٌ تماماً!" أجبتها بإحراج
"ماذا تقصد؟ كيف تظن أننا عشنا حياتنا في هذه الجبال القاسية كل هذه المدة في نظرك غير مخصوصين من أي شيئ؟" سأل رايندار
"سنبيع سلعتنا الخاصة أيضًا بالطبع ونكسب منها مالًا كافياً لمقتنياتنا!" أجابت ليارا مبتسمة
'عَمَل؟ هذا الأسوأ!'
حين ابتسمت ليارا تلك المرة، بدا وكأن الضوء نفسه انحنى ليحطّ على وجهها. كانت ابتسامتها صافية على نحوٍ غريب، نادرة كوميض شمسٍ يطلّ من خلف الغيوم. رأيت أسنانها البيضاء تصطفّ بانسجامٍ تامّ، كأنها حبات لؤلؤ تشرّدت فوق شفتيها الورديتين، شفاهٌ لا تحمل تكلّف المدن بل دفء الجبال ونقائها.
وجنتاها ارتفعتا بلطف، فانبثق منهما توهّجٌ ورديّ خفيف يذيب كل ما حوله، وعيناها تلك الزمرّديتان اللتان عادةً ما تبدوان جادتين تلألأتا الآن بصفاءٍ طفوليٍّ لا يشبهها حين تصمت بمظرها الجِدِّي المعتاد. شعرها الأشقر المائل إلى البني انزلق على عينيها بينما رأسها مالَ بخفّة، ليُكمِل المشهد الذي بدا كأن الحياة نفسها تبتسم من خلاله.
في تلك اللحظة أدركتُ أنني لم أرَ ليارا من قبل حقًا… رأيت فقط ظلّها الهادئ، أما الآن فقد انكشف الوجه الذي تخفيه عن الغرباء، وجه دافئ، حيّ، يسرق الأنفاس دون أن يقصد.
'إنها... أملٌ...'
"حسناً إذا سأذهب لتجهيز البضاعة التي سنأخدها رفقتنا؛ الفِراء والجلود، وأيضا بعض الأعشاب والنباتات. أنتما إكتبا لائحةً لاحتياجاتنا معا." قال رايندار مغادراً المطبخ
"حسنا!" قلنا معا
"هل الأعشاب والنباتات وكذا الفراء والجلود يُباعون بشكلٍ جيد؟ أقصد ما الغرض منهم ليكونوا أهم سِلعنا!؟" قلتُ
"تستخدم الأعشاب والنباتات الجبلية في العديد من الوصفات العلاجية، كما تستخرج منها أجود وأغلى أنواع الزيوت مما يجعلهم يُدِرُّون أموالًا جيدة، أضف لذلك أنهم يُستخدَمون للطعام والشراب كذلك، فهم إذاً منتوجات أساسية. وأما الفراء فيستخدم في صناعة الملابس الشتوية كما التي نرتديها والحصائر أيضاً، كما أن فراء الصقور وبعض أنواع الطيور يستخدمون كذلك للزينة والقبعات لدى النبلاء." شَرَحَتْ
"فهمت..." أجبت
...
'في المساء، وبعد وجبة العشاء توجَّهتُ إلى غرفة المعيشة، مكاني المعتاد لدراسة اللغة. صحيحٌ أنني أتقنت اللغة الشمالية بالفعل، لكن تعلم المزيد من اللُّغات لن يضر، بما أنني فقدت الألعاب التي عليَّ تختيمها قبل وفاتي قرِّرتُ أن أتعلم شيئاً كإشارة إلى أنني مازلتُ على قيد الحياة. وهذا العالم يزخرُ بمختلف الثقافات واللُّغات بدوره، مما يجعل الأمر مثيراً للاهتمام، وجدتُ صدفةً أن تعلُّم اللغات أمرٌ ممتع. يبدو أن ليارا تتقن أغلب لغات العالم رُغم أنها لم تغادر مدينة سيرافين يومًا، لكنها قرأت بدورها العديد من الكتب كنوعٍ من التسلية في طفولتها على حدِّ قولها ما جعلها متمكنةً من أغلب اللُّغات وعلى دراية بمختلفِ الثقافات. حاليًا أنا أُراجعُ لغتي الشمالية و أدرسُ اللغة الإليثية وبعدها سأدرسُ اللغة الشرقية ثم اللغة السَّماوية الخالدة، ثم اللغة النورماندية، وهكذا دوالي...'
'ماذا أقول بحق... يبدو أنني جعلتُ الأجواء الدافئة هنا تجرِفني رغم كل شيئ... أنا مثير للشفقة لكوني لازلت متمسكاً بالحياة ولديَّ طموحات سخيفة كهذه...'
"سأموت قريباً... أنا..." تنهدت قائلًا
"من ذا الذي سيموت قريباً؟"
إنها ليارا... لقد قدمت لغرفة المعيشة ومعها ريشةٌ وورقة في يدها اليمنى، وزجاجة حبرٍ في يدها اليسرى.
'ليارا... هل سمعت تذمُّري سابقاً؟ لم أسمع عزفها بالناي الليلة، لم ألحظ ذلك إلا الآن.'
"آسف، لابد أن ضوء المصباح الزيتي أزعجكِ ولم يسمح لك بالنوم..." قلت
"لا تزعج نفسَك، لقد بقيتُ مستيقظة بالفعل، لم أستطع النوم لدى قررتُ أن أدوِّن كل ما نحتاجه كما إتفقنا سابقًا." قالت
"لقد نسيتُ ذلك تماماً، لقد إختفى عن بالي وتفكيري فعلًا." قلت
"لابدَّ أن ذلك بسبب أن شيئا ما يشغلُ تفكيرك." قالت
إِلتَفَّت حول الكرسي الذي أنا جالسٌ عليه من الوراء، وأخفضت رأسها قرب وجهي لترى ما أقرأه.
'قريبة جدا!'
"إذا ماذا لدينا هنا ياترى؟ أوه اللغة الإليثية! إليان أنت مجتهد فعلًا..."
"ليس بالشيئ الكبير... أنا فقط قررتُ تعلُّم شيئٍ جديد... يبدو أنني أجهل الكثير..." قلت بنبرة خافتة سخيفة
"هممم هذا جيد... أن تتعلم شيئًا جديدًا قصدي." قالت
"نعم." أجبت
وضعت ما تحمله بيدها على الطاولة، ثم سحبت الكرسي الأقرب لي وجلست بجانبي على يميني. وضعت يدها اليمنى على خذها ونظرت في وجهي... نظرت نظرة شخصٍ واثق يعرِف كل شيئ. نظرة شخصٍ لا تستطيع استغباءه بتبادل سخيف بالكلمات كهذا... نظرةً جادَّة... نظرة شخصٍ موثوق بعينين خضراوتين قويَّتين لكنها تحافظ على إبتسامتها كمن حاولتَ مجاراته لكن إنتهى المطاف به هو من يُجاريك... لقد كانت تلك النوع من النظرات.
"ما ذلك الكلام سابقاً عن كونك ستموت قريباً؟" قالت بلطف
"هيه؟! ماذا تقصدين؟ لقد كان تعبيراً مزاجياً ليس إلَّا عن أن اللُّغة الإليثية صعبة بجدِّية..." قلت بنبرة سخيفة متهرِّباً من سؤالها
"فعلًا... إنها لا تُقارن باللغة الشمالية من ناحية الصعوبة حتى!" قالت
"نعم حقاً!" قلت
"إليان أنت... لم تفقِد ذاكرتك، صحيح؟" سألَت بنبرة لطيفة
'ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة... ماهذا الحضور الغريب؟'
"..." إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ... هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها...
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر... لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
"بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد... يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!" قالت
"نعم..." أجبت بحذر
'هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟'
"سيِّد طباخ... أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك." قالت
نظرت إليها نظرة مبهمة... يبدو أن هذه العاصفة الخفيفة مرَّت ولن تعود... للآن على الأقل.
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح...
**********
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
"ياااه الصباح هو الأروع!" قال متحمساً
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
"ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟" قال
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
"ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟" قال بإزدراء
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
"حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟" قالت بابتسامة
'هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟'
"أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة" قال مبتسما
'ماهذا الوضع... هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!'
"حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك." قال
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي... وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
'هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق...'
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
تحت الأقدام، يصدر الثلج صوتًا خافتًا كأن الأرض تئنّ من وطأة السير عليها، وفي بعض المواضع تُرى آثار ذئابٍ أو حيوانات جبلية عبرت في الليل، ممّا يزيد المكان حياة رغم سكونه. من حينٍ لآخر، تهبّ ريحٌ قوية تنثر ذرات الثلج في الهواء كرمادٍ مضيء، فتغدو الرؤية ضبابية إلا من لمعانٍ خافت في الأفق، حيث تلوح قمم الجبال البعيدة كأشباحٍ فضية.
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
في منتصف السوق، ينتصب موقدٌ ضخم تُشعل فيه جذوع الأشجار الجبلية العطرة، حوله يجتمع المسافرون ليتدفأوا ويبادلوا القصص. من هناك، يمكن رؤية الأبراج البيضاء للعاصمة وهي تلوح فوق الأسطح، تذكيرٌ دائم بأن سيرافين رغم صخبها، ما زالت مدينة من الثلج والنار، متحضّرة بما يكفي لتُبهر، وبسيطة بما يكفي لتُحب.
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
"لدينا أعشاب ونباتات جبلية نادرة للتطبيب والطبخ وغيرها، وكذا فِراء وجلود الدببة والغزلان والأرانب وبعض لحومها ولحوم الطيور الجيِّدة... سِلعة نادرة من الجبال لن تجدوها في مكانٍ آخر!" صرخ قائلًا بحيوية ونشاط
"إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم." قال
"هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية..." قلت
"هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن..." قال
لم أفهم قصده لكن بعد كلامه مباشرة تجمهَر حولنا حشدٌ كبير بالعشرات، يسألون عن توفُّر بعض المنتوجات وثمن أخرى...
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور... الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد... ليارا كانت تكفي وأكثر.
'آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا...'
ثم إنتبهت لصوتٍ يأتي من الأسفل لشخصٍ يناديني باستمرار وأنا كنتُ في سهوٍ عن نداءه المستمر.
"ألا تستمع!" صرخَت
لقد كانت إمرأةً عجوزًا قصيرة القامة بالكاد تُرى إن لم تُخفض رأسك. يبدو أنها كانت تناديني منذ مدة دون إدراك منِّي.
"آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز." اعتذرت
"أطفالُ هذه الأيام، كلكم أصبحتم مثل العجائز رغم أنكم في ريعان شبابكم" قالت
"حسنًا... إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟" سألتُ بلطف
"أريد...." قالت بصوتٍ منخفض
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
"هلَّا كرَّرتي طلبكِ؟" قلت
"أريد...." كرَّرَت بخجل
إقتربتُ بأذني منها لسماع طلبها ثم كررت سؤالي.
"هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟" طلبتُ بأدب
"أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي... اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟" صرَخَت في أذني
بقيتُ أحدِّق فيها بعينين فارغتين كالظلام...
'لا أفهم شيئاً... هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟'
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها... إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين...
'ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس...'
"إذا؟ هل ستتركني أنتظر هنا أم ماذا اللعنة!"
إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
"سيدة كيث العجوز؟ كيف حالك!؟ طلبيتُك المعتادة جاهزة بطبيعة الحال!" قالت بابتسامة
"ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير... أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟" سألَتْ
'شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟'
"تفضلي يا جدة!" قالَت بابتسامة
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
"لقيط!..." قالت بإزدراء
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
"أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم." قالت
'هكذا إذا... هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا... مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.'
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة...
"هكذا إذاً..." قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
"في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها... صدقاً!" قالت
**********
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
فتاةٌ صغيرة في قرابة العاشرة من عمرها، قصيرة القامة وقفت أمام سلَّتنا الفارغة. شعرُها بنيُّ ناعم طويل يحيط بوجه شاحب صافٍ، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. كانت ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء... كانت فتاةً مشرقة رغم ملامحها الباهتة.
"أريد حلوى من فضلِك!" قالت بحماس
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
"آسف... لكن كما ترين لقد نفِذت منا سلعتنا للتو... كما أننا لا نبيعُ الحلوى." قلت
"إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده..." قالت بنبرةٍ حزينة
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن...
فجأة... تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار... تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
"ماذا... هل ستُمطر؟" قال أحد المارَّة
"فهمت... سأغادر إذاً... أستأذن..." قالت الفتاة رينا بحزن
إلتفَتَت لتعود أدراجها ومعالم الحزن تغطِّي ملامحها التي بدت في وقتٍ سابق أكثر نشاطًا وحيوية.
"مهلًا!" قالت ليارا
"ماذا؟" ردَّت الفتاة رينا
"هل سيسعدك قبول هذه الهدية مني كتعويضٍ... لابد أنكِ كنتِ تريدين بعض الحلوى بشدة أليس كذلك؟ للأسف أغلب التُّجار هنا إنتهت سلَعهم على ما يبدو..."
سحبت ليارا كيس النقود من جيبها الداخلي وقدَّمت للفتاة قطعتان فضيتان
"يجب أن يفي ذلك بالغرض... أتمنى أن يساعدك هذا المبلغ من التسكُّع والاستمتاع بالتسوق في هذه البلدة... قرب الساحة، يُفترض أن تجِدي رجلا عجوزًا يبيع حلوى دورين مثلَّجة. أرجوك إقبلي هذا المبلغ من أختِك الكبرى ليارا كتعويضٍ مني." قالت بإبتسامة
"ليارا... هل أنتِ متأكدة؟" سألَت رينا بتردد
"بالطبع!" أجابت ليارا بسرور
"بالمناسبة... ما اسمكِ؟" سألت ليارا
"الاسم رينا!" قالت مبتسمة
"عزيزتي رينا... سأتذكَّر ذلك، لنلتقي يوماً ما!"
"بالطبع... حسناً إذا سأغادر الآن... باي باي!"
قالت مأرجحة يديها في الهواء وهي تلوِّح بإتجاهنا بإبسامة مُضطرِبة.
فجأة عاد الجوُّ صحواً لما كان عليه قبل قليل دون أن تُمطر، دون سابق إنذار...
"ما كان كلُّ ذلك؟" سألت مضطربا
"حسناً لا أدري... ربما تكون صدفة!" قالت ليارا
"صدفة إذاً..." قلت
"حسناً إذًا بما أن أبتِي لم يعد بعد ما رأيك بمرافقتي في جولة قبل أن يتغيَّر الجو مجدداً؟" سألَتْ وهي تنظر إلى وجهي ثم سحبت كيسها النقدي من جيبها الداخلي وهي تبتسم. "على حسابي!" قالت مبتسمة
وعليه، إنطلقنا في جولة حول السوق... كان السوق مزدحمًا، والألوان تمتزج فيه كأنها لوحة حيَّة. كل زاوية تضجُّ بالحركة؛ بائع يصيح فوق صوته، وامرأة تساوم بضحكة، وطفل يركض بين الأرجل حاملاً رغيفًا من الخبز. وسط كل هذا الزحام، كانت ليارا تسير أمامي بخفة كأنها نسمة وسط الثلوج، وجهها يضيء بحماسٍ طفولي نادر.
"كدتُ أن أنسى! حلوى دورين المثلجة التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة!" قالَت
كانت تلتفتُ من كشكٍ إلى آخر، عيناها تتسعان عند رؤية القماش الملون، أو قطعة حلوى تلمع خلف الزجاج. كلما أمسكت شيئًا جديدًا، ابتسمت لي بطريقة جعلتني أنسى البرد الذي كان يلسع وجهي. ضحكتها الصغيرة حين فشلت في المساومة مع أحد الباعة جعلت الجو المحيط بنا أخفّ، كأن السوق بأكمله بدأ يتنفس من جديد.
اشتريت بعض اللحم المدخن بينما هي تتناول حلوتها المفضلة تلك وتتحدث مع امرأة تبيع الزهور المحلية، تسألها عن رائحة كل نوع ومعناه، وكأنها تحفظ العالم من خلال أنفها. أحيانًا كانت تمسك بذراعي لتشدّني نحو متجرٍ آخر دون أن تنطق بكلمة، فقط نظرة منها تكفي لأفهم أن عقلها غارق في كل ما تراه.
حين جلسنا أخيرًا قرب الموقد الكبير في منتصف الساحة، نتناول وجبات اللحم المدخن التي إشتريتها، كانت خصلات شعرها قد تخلَّصت من قناعها الثلجي، تتطاير بحرية، وجنتاها محمرتان من البرد والضحك. وضَعَت السلة أمام قدميها ونظرت إليَّ قائلةً..
"أتعلم يا إليان؟ أنا أحبُّ هذه المدينة وسكَّانها، وأحب حياتنا اليومية أيضاً. ربما البرد لا يهمُّ حقًا، طالما أن القلب دافئ هكذا... ألا تتفق؟"
'في تلك اللحظة، أدركت أن السوق لم يكن مزدحمًا بالناس فحسب، بل بالذكريات التي بدأت تُنسج بهدوء بيننا.'
'بحلول هذا اليوم، أكون قد أمضيت وقتاً طويلًا مع هذه العائلة بالفعل... رحلتي أشرفت على النهاية، لكن أريد لهم الحياة لأطول فترة ممكنة... أتمنى ذلك حقاً.'
"معكِ حق!" أجبت
"حسناً إذاً، مارأيك أن تشتري معطفًا خاصًّا بك مادمنا في السوق اليوم؟" سألَتْ
"هل يوجد شيئ كهذا هنا؟" سألْتُ
"بالطبع..." وقفت ليارا ومدَّت يدها إليّ. "هيا بنا!" قالت
أمسكتُ بيدها الدافئة مكملين جولتنا في السوق، والآن كانت وجهتنا هي المحلَّات. تنقَّلنَا من محلٍّ لآخر، كلٌّ منهم يعرض مختلف أنواع الأثواب والملابس بجوداتٍ متعددة و خامات متنوعة، مما يجعل الإختيار صعبًا. مررنا عبر العديد من المحلَّات دون أن نجد ضالَّتنا، فليارا إنتقائية ولم تجاملني عندما يتعلق الموضوع بالملابس فحرِصَت على البحث عن أكثر ما يناسبني ولقد سايرتها في ذلك وصولًا إلى أحد المحلَّات النبيلة في آخر الرواق.
لقد كان المحلُّ نبيل المظهر، بأجود أنواع الزجاج والرخام في داخله، وإضاءة دافئة خافتة تعطي المكان طابع الوقارِ والذوق العالي. بالطبع، إنعكس مظهر المحل على أثمنة الملابس الموزَّعة في أرجاءه. لقد كان صاحب المحل رجلًا عجوزاً أنيقًا يعطي هالةً من النُبلِ والسكينة، لقد كان الرجل المناسب لتسيير مكانٍ كهذا. تواصلت معه ليارا بهدوء ولباقة وقد بادلها الإبتسامة والتعامل المهذب، وقدَّم لي مجموعةً من المعاطِف والأطقم لكن ليارا لم ترضى بعد... لم أكُن قد وجدتُ بعد الطقم المناسب.
"فهمت ما تبحثون عنه." قال المُسِنُّ
فتح العجوز إحدى الخزانات المغلقة إذ بطقمٍ كامل يأتي في منتصف الخزانة يسرق تركيزي.
"ما رأيك؟" سأل المُسِنُّ
بمجرد إرتدائه علِمت أنه المناسب، وأنني سأشتريه.
"لباسٌ مصممٌ بوضوح للرحلات الطويلة في الطقس البارد. قميصٌ رماديٌّ داكن ذو ياقة مرتفعة منسوجة بخيوط سميكة لتوفير الدفء، فوقه سترة جلدية سوداء قصيرة مشدودة بالأزرار المعدنية من الجانب الأيسر، تُظهر تصميماً شبه عسكري. يغطيه معطف طويل رمادي مائل إلى الفضي يمتد إلى منتصف ساقيه، مصنوع من قماش مقاوم للثلوج، ذو بطانة داخلية خفيفة من الفرو الرمادي الفاتح. يأتي معه وشاحٌ أبيض واسع يلتف حول العنق بشكل طبقي ليحميه من الرياح، ويتدلَّى أحد طرفيه على كتفه الأيسر."
"من خصره يمتد حزام عريض مزدوج مصنوع من الجلد الداكن، إضافة إلى مشبك فضي منقوش يُزيِّنُه. معه بنطالٌ ضيق نسبياً بلون رملي فاتح مصنوعٌ من قماش متين، مدسوساً داخل أحذية جلدية عالية تصل إلى ما تحت الركبة مباشرة، مشدودة بشرائط جلدية متقاطعة لضمان الثبات في الطرق الجبلية. و قفازات سوداء جلدية لتحمي اليدين من البرد القارس." وَصفَه مديرُ المحلّ العجوز
'بالمجمل، أعتقد أنه متقن كما أنه خالٍ من التكلّف، يوحي بأنني شخص معتاد على السفر في ظروف قاسية، وأن كل قطعة في لباسي لها وظيفة محددة وليست مجرد زينة... نعم إنه مناسب.'
"إذا مارأيكِ؟" سألتُ ليارا
"جميل... أعجبني." أجابت بهدوء
"كم ثمنُ هذا يا عم؟" سألتُ
"قطعة ذهبية." أجاب مباشرةً
"غالٍ جداً!!" قلتُ أنا وليارا في الوقت نفسه
'لا تردُّد حتى.'
حينها كلانا تخلينا عن البرستيج الذي تماشينا معه جاهدين عند سماع هذا الرقم.
'لأضعكم في الصورة... قطعة ذهبية كافية لتعيش بها لمدة ثلاثة أشهر تقريباً مرتاح البال دون التفكير في العمل... هل هو فعلًا يستحق ثمنًا مُرتفعاً كهذا؟'
'لقد حصلنا من تجارتنا السابقة على مايقارب ثلاثة قطع ذهبية... أي أنني سأضع ثلث ما جنيناه على طقمٍ لن أرتديه طويلًا حتى! أظن أن ذلك سيكون أنانية مني... سأتخلى عنه، ليس وكأن ملابس رايندار سيئة أو ماشابه...'
"أعتذر منك سيدي لكنني لن-"
"سنأخده!" قاطعتني ليارا قائلةً
"ليارا..." همستُ
"أَ لم أقل لك سابقًا أنه على حسابي... لا تنزعه... إنه يناسبك." قالت ليارا بعفوية
دفعت ليارا للعجوز ثمن الطقم دون تردد أو محاولة للمساومة.
خرجنا من المحل وأنا أحمل في السلّة الفارغة على ظهري ملابس رايندار التي كنتُ أرتديها وقد وضعتها داخلها بعد أن أصرَّت عليّ ليارا أن أرتدي ملابسي الجديدة في طريقِ عودتنا... لقد مشينا طويلًا في صمتٍ دون أدنى كلمةٍ تكسر الحاجز بيننا.
"ليارا... شكراً-"
"بالنسبة للكلام الذي قلته لك مساء يوم أمسٍ... أنا آسفة!" قاطعتني قائلة
"آسفة؟ على ماذا؟!"
"لقد تدخلتُ فيما لا يعنيني..."
"لا هذا ليس... صحيحاً..."
"أقصد، لقد استنتجتُ بالفعل أنك لم تفقد ذاكرتك فعلًا كما تدَّعي، لكن هذا لايعني أنك شخصٌ سيئ بالضرورة..."
"على الأقل أنت حقاً لم تكن تُتقن لغتنا وتبدو كافة اللغات جديدة عليك كما لو أنك طفلٌ حديثُ الوِلادة..." أكملَتْ
"ومع ذلك، لم يكُن يجبُ علي أن أتمادى إلى تلك الدرجة... أقصد ربما كل مافي الأمر أنك لا تريد التعلق بماضيك فتحاول نسيانه لتلك الدرجة... هل أنا محقة؟" قالَتْ
"نعم" أجبتُ
"هل تذكُر اسمكَ الحقيقيَّ على الأقل؟"
"نعم"
"هل ستُخبرني به إن طلبتُ منك ذلك؟"
"لا"
"فهمت..."
"لكن شكراً لكِ... أنتِ ورايندار كذلك... لقد قدمتم لي بيتًا دون مقابل وتعتنون بي دون أن يُجبركم أحدٌ على ذلك، واليوم إشتريتِ لي هذا اللباس الجميل... أنا ممتنٌّ حقاً" قلتُ
"أرجوك لا تكُن..." قالَت
توقفتُ تاركًا ليارا تتقدم أمامي قبل أن تنتبه لي وتستدير لمواجهتي.
"قد تكون هذه الأشهرُ القليلة التي عشتها معكما تعادل كل السعادة التي حصلتُ عليها في آخر سِنين عمري... أنا جادٌّ في كلامي... ربما لا تريدين مني أن أشعر بالامتنان اتجاه ماتفعلون معي، لكنني كذلك! أتمنى لكم حياةً مديدة حقاً" قلتُ بنبرةٍ هادئة
رياحٌ خفيفة عصفت وكأنها قد تفاعلت مع كلمات تمنياتي وإمتناني...
"إليان..." نادت ليارا
وجَّهتُ بصري نحوها لأجد الإبتسامة تعلو محياها...
"مهما كانت خلفيَّتُك... سأكون دائماً حليفَتك... أنت ببساطة هذا النوع من البشر!" قالَت بإبتسامة
'إنها ملاك...'
"وأنا أيضاً سأكون حليفك دائمًا إليان..."
رجلٌ ثلاثينيٌّ ضخم ضرب ظهري براحة يده القوية مازحًا معي وهو ينطق بكلماته المشجعة بنبرة حيوية يملأها النشاط والصِّدق.
ضَربتُه تلك قد غيَّرت الأجواء الهادئة من حولنا كما العادة لنسمع طبقاتٍ أكثر صخبًا... هذا هو رايندار.
"بالمناسبة أين كنتَ كل هذا الوقت يا أبتي؟" سَأَلَتْ ليارا
"لن تُصدقي ما حدث... لقد سقطت لائحة الحاجيات من جيبي فبحثتُ لوقتٍ طويلٍ عنها في الطريق بين الأكشاك والخيام والمحلات حتى وجدتها... لقد كان الأمرُ شاقًّا حتى وجدتها واستطعت أن أجلب ما نحتاج" قال
إنه أخرقٌ بعد كل شيئ...
استمرَّت محادثاتنا العفوية الثلاثية ونحن نتمشى في جنباتِ السوق مغادرين المدينة نحو كوخنا الجبلي الدافئ الذي ينتظرنا.
'أظن أنني سأسمي هذا اليوم إنتصارًا في ماتبقى لي من عمرٍ بعد كل شيئ...'
"بالمناسبة، هل سمعتُم الأخبَار؟ يبدو أن مملكة إيلغاريا قد قامت باستدعاء بطل النبوءة قبل بضعة أشهرٍ من الآن، لكن شيئًا ما تدخَّل فخلَق توترًا في التعويذة وتم إرسال البطل بالخطأ إلى مكانٍ آخر خارج المملكة، وقد شكَّلت المملكة بأوامر ملكية فريق مغامرين مكون من ساحرة الاستدعاء التي تستطيع الشعور بمكانه بالإضافة إلى إثنينِ من حراس إيلغاريا الذهبيين كي يحموها في رحلتها بحثًا عنه كي يُعيدوه لمملكتهم." أخبرَنا رايندار
"إيييه حقا؟!" قالت ليارا بإبتسامة
استمرَّت أحاديثنا بعدها بكل سلاسة كما لو أن الحياة بالخارج لا تهمنا ولا تربطنا بِصِلَة...
يُتبع...