«تعالي إليّ، يا آيلا.»

"كوااا-روووم!"

دوى الرعد في السماء، كما لو أن الغيوم توشك أن تمزّق أحشاءها وتمطر العالم طوفانًا بأي لحظة.

مدّ ثيودور يده ببطء.

وعلى حافة إصبعه، وقفت آيلا بانوبيا؛ ملكة مملكة غايرن، وحورية البحر التي وقعت في حب إنسان.

كانت تقف عند طرف الجرف، هشّة إلى حدّ أنّ لمسة واحدة كانت كفيلة بأن تُسقطها في الهاوية.

«هااا–»

تنهد ثيودور بعمق مثقل.

كم مضى من الأيام منذ أن اجتاح المملكة بأسرها بحثًا عن الملكة التي لم تترك وراءها سوى رسالة واحدة؟

كان البرد قد نهش جلده تقريباً حتى فقد الإحساس به، لا بد أن وقتاً طويلًا قد مر.

أنزل يده التي لم تعد تستجيب له كما ينبغي، ثم مرّر أصابعه بين خصلات شعره الأسود.

كانت أطرافه ترتجف، مما يعكس حالة إضطرابه.

«لديّ ما أود قوله لكِ… وهناك أمر أحتاج أن أسألكِ عنه، لذا تعالي إلى هنا.»

«أنتَ… لديك ما تسألني عنه؟»

«نعم، وهناك جواب يجب أن أسمعه منكِ—»

«لا.. لا تسأل.»

اتّسعت عيناه قليلًا.

«ماذا؟»

«أيًّا يكن ما ستسأله… فلن تصدقني على أي حال، لأنك لم تفعل يومًا.»

تجمّد ثيودور عند الإرهاق الغارق في صوتها.

وفي لحظة ما، رفعت آيلا رأسها لتنظر إليه.

كان في نظرتها شيء خانق، حتى إنه شعر بأنفاسه تضيق لمجرد التحديق فيها.

عيناها الزرقاوان، اللتان كانتا تتلألآن يومًا كنقاء السماء، أصبحتا الآن خاويتين… كعيني دمية شمعية فاتنة.

لا توقّع،

لا خيبة،

ولا حتى رغبة في الحياة.

في تلك اللحظة، أدرك ثيودور بغريزته وحدها حقيقة واحدة:

آيلا صعدت إلى هذا الجرف لتُنهي حياتها بيديها.

وكأنها تؤكد ذلك، ضمّت ذراعيها حول بطنها المسطّح، الذي حملت فيه طفلًا ذات يوم، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف.

«…كان ينبغي أن أفعل هذا منذ زمن بعيد، أنانيتي لم تجلب سوى التعاسة للجميع… لكَ، ولطفلنا أيضًا.»

شعر ثيودور ديفونشير، ملك غايرن، بأن العالم يهتز أمام ناظريه، وبأن رؤيته تغدو ضبابية تائهة تحت وطأة عجز لم يعرف له مثيلًا.

«لا تنظر إليّ هكذا، أليس هذا ما أردته دائمًا؟ أن أموت…»

«توقفي.»

«أن أختفي من حياتك.»

«آيلا، أنا—»

حاول إنكار الأمر، غير أنّ صوته خانه، فلم يخرج من بين شفتيه حرف واحد.

ذلك الارتجاف الذي بدأ عند أطراف أصابعه، أخذ يمتد ببطء عبر جسده بأسره، كسمٍّ باردٍ يسري في العروق.

أين… وكيف إنقلبت الأمور على هذا النحو؟

ذلك صحيح، لقد كان وقتُ تمنى فيه إختفاء آيلا من حياته.

ثيودور ديفونشير الذي يكره ملكته بشدة.

حتى طفل في الثالثة من عمره داخل غايرن يعلم هذه الحقيقة.

«تدّعين أنكِ تحبينني؟ حبّ؟ من ابنة أخ الرجل الذي ذبح عائلتي وشعبي؟ الأمر ليس مثيرًا للسخرية فحسب يا آيلا بانوبيا… بل مقزز.»

كانت أميرة من المملكة المعادية التي غزت غايرن.

ومع ذلك، إرتدت قناع البراءة، وإتخذت من السلام ذريعة لتبقى إلى جانبه.

بالنسبة لثيودور، كان اشمئزازه منها حقيقة راسخة لا تتزع.

لكن..لماذا، حين بات احتمال فقدانها حقيقياً، أخذ هذا الرعب ينهش عقله على هذا النحو؟

إستنشق نفسًا حادًا متقطعًا.

«حين طلبت منكِ أن تتركيني وشأني، ظللتِ تتشبثين بي بلا نهاية… والآن تريدين الرحيل؟ لماذا؟ أترى لعبتكِ السخيفة المسماة بالحب فقدت بريقها أخيرًا؟»

إنحنت عينا آيلا بحزن موجع.

«أجل… لقد تعبت، ولهذا سأتوقف الآن… عن حبّك.»

«ومن سمح لكِ بذلك؟»

خرجت الكلمات من بين أسنانه المطبقة، فيما تقدم خطوة نحوها.

سخيف…

لم يكن ينوي تركها ترحل، ليس بهذه البساطة.

«إن كنتِ ستفرّين، فلم يكن عليكِ أن تبدئي منذ البداية.»

أكان هذا كرهًا؟ أم هوسًا؟

لم يستطع تمييز المشاعر العكرة التي كانت تضطرب في أعماقه، غير أنّها جميعًا كانت تدفعه نحو آيلا.

لكن قبل أن يتمكن من تقليص المسافة بينهما، مال جسدها إلى الخلف بسرعة مروعة.

«…!»

اندفع ثيودور كزنبرك إنفلتَ من عِقاله، وتمكن في اللحظة الأخيرة من الإمساك بمعصمها وهي تهوي.

«أمسكتُ بكِ—!»

لكن ما إن ظنّ أنّه أحكم قبضته عليها، حتى انزلقت ذراعها النحيلة من بين أصابعه كما لو كانت مبتلّة بالماء.

كل ما كان يُدعى آيلا، كل ما حاول التمسك به، تلاشى من بين يديه في لحظة واحدة.

حدّق ثيودور بالمشهد أمامه، مذهولًا.

كانت تسقط،

آيلا بانوبيا.

ملكتي.

مزّق الرعد السماء بصوت مدوٍّ

"كوااا-روووم!"

وانهمر المطر البارد فوق رأسه بغتة.

تمامًا كتلك الليلة العاصفة قبل ثلاثة عشر عامًا…

الليلة التي بدأت فيها هذه المأساة بأسرها؛ الليلة التي أنقذته فيها آيلا من الغرق وسط البحر.

«لا! آيلا!»

✦ ✦ ✦

«ثيو، أما لك أن تُرخِي تلك الملامح العابسة قليلًا؟»

ضغط هايدن بإصبعه بين حاجبي شقيقه الأصغر المعقودين. أما الفتى، ذو الوجنتين المنتفختين والوجه الشاحب، فقد رمقه بنظرة حادة.

«أنت ضيف الشرف في احتفال الليلة، فهل ستظل جالسًا بذلك الوجه الكئيب؟ حاول أن تبتسم قليلًا. إنه عيد ميلادك.»

«وهل كنتَ ستبتسم لو حُبست في قرية ريفية بائسة كهذه؟»

أجاب الصبي ببرود، مستندًا بذراعيه إلى الحاجز الخشبي للسفينة.

ومع كل اهتزازة تتمايل بها السفينة المزدانة ببذخ، كانت نسمات البحر الرطبة تصفع وجهه.

''قالوا إن المطر قد يهطل الليلة… لعلّ لهذا الرائحة تبدو هكذا.'

وقبل أن يتاح له الوقت لينزعج من الملوحة العالقة في الهواء، اقتربت مجموعة من النبلاء.

«صاحب السمو، الأمير الثاني، عيد ميلاد سعيد.»

«…»

بالطبع.

تلك السفينة الفاخرة، التي بدت غريبة وسط قرية ساحلية نائية، لم تكن سوى مسرحٍ لمأدبة أُقيمت احتفاءً بعيد ميلاد الأمير الثاني لغايرن، ثيودور ديفونشاير.

وحين لم يُبدِ الفتى الوسيم، ذو الشعر الأسود والعينين البنفسجيتين، أي استجابة، تدخّل هايدن بابتسامة محرجة.

«هاها، شكرًا لك، كونت كالمان. أتمنى لك أمسية ممتعة.»

وبعد أن صرفهم، بعثر شعر ثيودور بمرح.

«عالِق هنا، أحقًا؟ ثيو، أنت تعلم سبب إبقائك في هذا المكان. إنه من أجل سلامتك.»

«إذًا لماذا أنا وحدي؟ أنت ما زلت في القصر.»

«لأنك لا تزال صغيرًا.»

«أنا في الثانية عشرة. لست 'صغيرًا'.»

ورغم أن الجميع كانوا يتحدثون بالأمر همسًا، فإن التوتر داخل القصر الملكي لغايرن بلغ ذروته.

فمع كل حرب، كانت سلطة التاج تزداد قوة، بينما غرقت العائلات المؤسسة للمملكة "ما يُعرف بالأسر ذات الأمجاد العريقة" في صراع شرس مع العرش.

وكان النبلاء، خوفًا من إنفلات السلطة الملكية من بين أيديهم، يسعون بكل ما أوتوا إلى تقييد الملك.

ولهذا، أرسل الملك ابنه الأصغر بعيدًا عن القصر، خشية أن يعلق وسط تلك النزاعات الدامية.

أما هايدن فكان وضعه مختلفًا؛ إذ كان على مشارف مراسم بلوغه، فضلًا عن كونه ولي العهد.

كان ثيودور يعلم كل ذلك، ومع هذا ظل الضيق يعتصره.

«سمعتُ أن هناك شائعة عن حورية بحر تعيش في هذه القرية. ألا يثير الأمر فضولك ولو قليلًا؟»

«أبدًا.»

''توقف عن معاملتي كطفل.'

طَق.

ركل ثيودور لوحًا خشبيًا منحرفًا بطرف حذائه، ثم استدار مبتعدًا.

«هاه؟ إلى أين أنت ذاهب؟»

«لن أخبرك.»

«أرأيت؟ ومع ذلك تدّعي أنك ناضج.»

تبعت ضحكات هايدن خطواته من الخلف، لكن ثيودور تجاهلها وشق طريقه وسط الحشود.

ولم يبتعد كثيرًا حتى بدأ الناس يلتفون حوله.

«يا إلهي، صاحب السمو الأمير الثاني!»

«سموك، لقد اكتشف منجمنا مؤخرًا معدنًا نادرًا… فهل تتفضل بقبوله هديةً—»

كانت نوايا النبلاء أوضح من أن تُخفى.

لقد أرادوا استغلال الفرصة للتقرب منه، طمعًا في انتزاع المناصب التي خلت بعد سقوط بعض العائلات من رضى الأسرة الملكية.

وكان ثيودور يدرك تمامًا ما يسعون إليه، الأمر الذي جعل كل ذلك يبدو مملًا إلى حد لا يُطاق.

''ألا يوجد مكان أكثر هدوءًا… مكان يخلو من البشر؟'

وبينما كان يجيل نظره بضجر، لمح أخيرًا زاوية مناسبة.

«أخيرًا… بعض السكينة.»

دخل إلى مساحة صغيرة مؤقتة قرب مقدمة السفينة، ونفض قطرات المطر عن شعره.

كان الهواء قد بدا غريبًا منذ قليل، وها هو المطر يبدأ بالتساقط قطرةً تلو الأخرى.

مسح الرطوبة عن كتفيه، حين ارتفع صوت خافت وسط ضجيج اهتزاز السفينة.

انعقد حاجبا ثيودور الأسودان.

وما إن ظنّ أنه ظفر أخيرًا بلحظة هدوء، حتى ظهر مصدر إزعاج جديد، تسلل الضيق إلى أعصابه ببطء.

اقترب من مصدر الصوت، ليجد قفصًا معدنيًا مغطى بقماش كبير.

ومن أكوام صناديق الهدايا المكدسة بجواره، خمّن أنه يحتوي على إحدى الهدايا التي جلبها أحد النبلاء المتملقين.

وكان الحرير الفاخر الذي يغطيه يحمل شعار عائلة "إيفانز" سادة هذه القرية.

وعندها تذكر النظرة المتغطرسة التي ارتسمت على وجه ابن اللورد في وقت سابق، حين تباهى بأنه أعدّ هدية "مسلية".

«لا تقل لي إنه كائن حي…»

~الترجمة من قبل إيفالينا🤍~

2026/05/03 · 6 مشاهدة · 1244 كلمة
sysmonl
نادي الروايات - 2026