قبل عشرين عامًا انفجرت الفضيحة التي لم يكن أحد يتخيل يومًا أنها ستخرج إلى العلن. لسنوات طويلة كانت حكومة العالم تدير ملفًا سريًا يتعلق بأشخاص مختلفين عن بقية البشر، أفراد يحملون ما صار يُعرف لاحقًا باسم Homo Sapiens Variant، أو اختصارًا H.S.V. بشرٌ، نعم، لكن طفرات جينية غريبة تظهر في أجسادهم في لحظات لا يمكن التنبؤ بها، تمنحهم قدرات خارقة أو خصائص جسدية غير مألوفة.

لم تكن الطفرة حدثًا يمكن توقيته أو توقعه. قد تبدأ منذ اللحظة الأولى لتكوّن الجنين في رحم أمه، وقد تظهر في سن الطفولة، أو في المراهقة، أو حتى في اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان. لم يكن هناك نمط واضح، ولا قانون ثابت. كانت الفوضى البيولوجية في أنقى صورها.

عندما انكشفت الفضيحة، حاولت حكومة العالم أن تفعل ما تجيده دائمًا حين تتورط في أمرٍ قذر: التنصل.

أصدرت بيانات رسمية، ونفت أي علاقة مباشرة لها بتلك العمليات السرية التي كانت تُجرى على أصحاب الطفرات، وادعت أن ما حدث لم يكن سوى “تجاوزات فردية”. لكن الحقيقة كانت قد خرجت بالفعل، ولم يعد بالإمكان إعادتها إلى الظل.

خلال أيام قليلة فقط بدأت المستشفيات في جميع أنحاء العالم تمتلئ بالحالات.

كانت الطفرة، في لحظة ظهورها الأولى، تشبه مرضًا غامضًا أكثر من كونها تحولًا تطوريًا. حمى شديدة، انهيار في الأجهزة الحيوية، آلام لا يمكن تخيلها، ونوبات تشبه احتضار الجسد نفسه. كثيرون ظنوا أنهم يحتضرون فعلًا.

في الماضي كانت الحكومة تتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.

كان يتم إعلان وفاة المصاب رسميًا… ثم يختفي الجسد من المستشفى خلال ساعات.

كانت عائلات كثيرة تعيش سنوات كاملة وهي تعتقد أن أبناءها ماتوا، بينما كانوا في الحقيقة يُنقلون إلى منشآت سرية حيث تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة.

لكن بعد الفضيحة، لم يعد ذلك ممكنًا.

أصبح وجود أصحاب الطفرات أمرًا معروفًا للجميع.

بدأ الأطباء يكتشفون الحقيقة القاسية شيئًا فشيئًا. الطفرة لم تكن مجرد قدرة تظهر فجأة، بل كانت عملية تحول قاسية يمر بها الجسد بأكمله. كانت أشبه بحرب داخلية بين الجينات القديمة والجينات الجديدة.

أعضاء تتلف.

خلايا تنهار.

أنسجة تتفكك.

وفي الوقت نفسه، تبدأ أعضاء أخرى بالنمو من جديد… أحيانًا بطريقة غير مألوفة إطلاقًا.

بعض المرضى استيقظوا ليجدوا أن أجسادهم بدأت تنمو عيونًا إضافية في أماكن مختلفة من الجلد.

آخرون ظهرت لديهم غدد عرقية جديدة قادرة على إفراز مواد قابلة للاشتعال.

وبعضهم تغيّرت بنية عظامهم بالكامل، كأن الهيكل العظمي نفسه يعيد تصميم جسده من الصفر.

كانت العملية مرعبة.

والأرقام كانت أكثر رعبًا.

سبعة وسبعون بالمئة من الحالات لم تنجُ.

الموت لم يكن يأتي سريعًا في معظم الأحيان. كان بطيئًا… مؤلمًا… وقاسيًا على العائلات التي لا تستطيع فعل شيء سوى الوقوف بجانب سرير المريض ومشاهدة جسده وهو يحارب نفسه.

وكانت المشكلة الأكبر هي المال.

علاج الطفرة لم يكن مجرد أدوية ومسكنات.

كانت عملية مراقبة طبية مستمرة قد تستمر أيامًا… أو أسابيع… أو شهورًا.

لم يكن هناك وقت محدد لاستقرار الحالة.

الأمر كان مرتبطًا بشيء واحد فقط: قوة الطفرة.

إن كانت القدرة الناتجة عن الطفرة بسيطة نسبيًا، فقد تنتهي العملية خلال أيام قليلة.

بعض الحالات لم تكن أسوأ من نزلة برد حادة.

لكن كلما كانت القدرة أقوى… كان الثمن الذي يدفعه الجسد أكبر.

ألمٌ أطول.

انهيارات جسدية أشد.

واحتمالات موت أعلى.

كثير من العائلات كانت تضطر إلى اتخاذ قرار قاسٍ: هل تنفق كل ما تملك لإنقاذ شخص قد لا ينجو أصلًا؟

حتى الذين نجوا… لم تكن حياتهم سهلة.

المجتمع لم يكن مستعدًا لقبولهم.

الخوف كان أكبر من التعاطف.

خمسة أعوام كاملة مرت على العالم وهو يعيش في هذه الفوضى.

حتى ظهرت هي.

Lady Mask.

لم يكن أحد يعرف اسمها الحقيقي.

لم يكن أحد يعرف شكل وجهها أصلًا.

كل ما عرفه الناس عنها أنها ظهرت فجأة في المشهد العام، وبدأت تعقد اجتماعات متكررة مع حكومة العالم. كانت اجتماعات طويلة… متوترة… ومليئة بالخلافات.

استمرت المفاوضات أشهرًا.

ثم جاء الإعلان الذي غيّر كل شيء.

تم تأسيس منظمة جديدة تحت اسم:

UTAF — Union of Transgender Affairs and Formation

أو كما صار يعرفها العالم ببساطة: النقابة.

بموجب هذا الاتفاق عادت الحكومة إلى التدخل في شؤون أصحاب الطفرات… لكن بطريقة غير مباشرة.

النقابة أصبحت الوسيط الرسمي.

هي التي تشرف على الحالات.

هي التي تتحمل تكاليف العلاج.

وهي التي تتولى متابعة حياة الناجين بعد استقرار حالتهم.

لكن الأمر لم يكن مجانيًا.

كل شخص يتم إنقاذه من الطفرة يصبح مدينًا للنقابة بتكاليف العلاج التي أُنفقت عليه.

يتم سداد هذا الدين بطريقة واحدة فقط: العمل.

يعمل الفرد لدى الحكومة أو لدى النقابة نفسها، حسب طبيعة الطفرة التي يمتلكها، ولفترة يتم تحديدها وفقًا لحجم التكاليف التي صُرفت لعلاجه.

بعضهم يعمل سنوات.

وبعضهم… يعمل أكثر من ذلك بكثير.

خلال خمسة عشر عامًا فقط تغيّر العالم بشكل جذري.

في البداية لم يكن أصحاب الطفرات يشكلون سوى خمسة بالمئة من السكان.

لكن الأرقام بدأت ترتفع.

خمسة بالمئة… ثم عشرة… ثم عشرين…

حتى وصلت النسبة اليوم إلى سبعة وثلاثين فاصلة ثمانية بالمئة.

والعدد لا يزال في ازدياد.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن معدل ظهور الطفرات في البشر يرتفع عامًا بعد عام، وكأن البشرية نفسها تدخل مرحلة تطورية جديدة لم يفهمها أحد بعد.

لكن هذه الزيادة الهائلة وضعت ضغطًا غير مسبوق على النقابة وعلى الحكومة معًا.

ولهذا بدأت النقابة في إنشاء فروع جديدة في مختلف أنحاء العالم.

واليوم… حان الدور لمدينتنا الجميلة لتستضيف أحد هذه الفروع.

ظهرت هذه الكلمات على الشاشة العملاقة في وسط الشارع بينما كان البث الإخباري المباشر يعرض تقريرًا جديدًا.

“والآن ننتقل إلى زميلنا في موقع الحدث حيث تتم أعمال بناء فرع النقابة.”

كان أدولف يقف وسط الزحام، عينيه مرفوعتين نحو الشاشة الضخمة المثبتة فوق أحد المباني العالية.

هذا النوع من الشاشات لم يكن موجودًا حين دخل المستشفى قبل عام.

عام كامل قضاه هناك.

وعندما خرج… اكتشف أن مدينته لم تعد كما يتذكرها.

جانجل سيتي.

مدينته.

كانت دائمًا مدينة مزدحمة، لكن الازدحام الذي يراه الآن كان مختلفًا. الطرق ممتلئة بالسيارات، الأرصفة تعج بالمارة، والأبنية الحديثة ارتفعت في أماكن لم يكن فيها شيء سوى مبانٍ قديمة قبل عام.

عادةً ما يرى هذا النوع من الحركة في موسم السياحة الصيفي.

لكننا ما زلنا في بداية الربيع.

أعاد تركيزه إلى الشاشة.

ظهر المراسل واقفًا أمام موقع بناء ضخم تحيط به حواجز معدنية عالية.

قال بصوت واضح:

“أنا الآن أمام موقع البناء، وكما ترون فإن الدخول غير ممكن بسبب إجراءات السلامة الصارمة. لكنني أقف هنا مع المسؤول عن إدارة السلامة والأمن في الموقع… السيد جوستاف روك.”

انتقلت الكاميرا إلى الرجل الذي يقف بجانبه.

كان رجلاً أسمر البشرة، متوسط الطول… لكن بنيته الجسدية كانت ملفتة للنظر بشكل واضح.

عضلاته كانت ضخمة إلى درجة أن الزي الرسمي الأسود الذي يرتديه بدا وكأنه على وشك التمزق عند الكتفين والصدر. الزي يشبه إلى حد كبير زي الشرطة أو القوات العسكرية، وعلى صدره كان يظهر شعار UTAF بوضوح.

شعره أبيض بالكامل رغم أن ملامحه لا تبدو لشيخ كبير.

وعلى وجهه كانت هناك عدة ندوب قديمة.

مدّ المذيع يده بابتسامة مهنية وقال:

“مرحبًا بك سيد جوستاف، نشكرك على وقتك.”

أومأ الرجل برأسه قليلًا ورد بصوت هادئ وثابت:

“مرحبًا.”

قال المذيع:

“لنبدأ بالسؤال الذي يهم الجميع. كيف تسير أعمال بناء فرع النقابة هنا في جانجل سيتي؟”

أجاب جوستاف دون تردد:

“الأعمال تسير بسلاسة تامة. لم نواجه أي مشاكل حتى الآن، ولا أتوقع أن نواجه.”

ثم أضاف بعد لحظة قصيرة، بنبرة هادئة لكنها حاسمة:

“طالما أنني هنا… فلن تحدث.”

رفع المذيع حاجبيه قليلًا، وكأن الجملة أثارت فضوله.

قال مبتسمًا:

“يبدو أنك واثق جدًا من ذلك. عندما قلت إن المشاكل لن تحدث طالما أنك هنا… هل تقصد مشاكل تتعلق بالبناء نفسه؟ أم أنك تشير إلى نوع آخر من المشاكل؟”

تغير تعبير وجه جوستاف قليلًا.

لم يعد محايدًا كما كان قبل لحظة.

ازداد عبوسه، وأصبحت ملامحه أكثر صرامة.

قال ببطء:

“النقابة… رغم كل ما قدمته… لديها عدد لا بأس به من الأعداء.”

توقف لحظة قصيرة ثم تابع:

“هناك من يعتقد أننا نستغل أصحاب الطفرات لنحصل على عمالة رخيصة. وهناك من يكرههم ببساطة لأسباب عنصرية. وهناك أيضًا العصابات والمنظمات الإجرامية الدولية التي تعتمد على أصحاب الطفرات في أعمالها.”

صمت ثانية قبل أن يضيف:

“وكما يعلم الجميع، النقابة تخوض حربًا مفتوحة ضد تلك المنظمات.”

أومأ المذيع برأسه بجدية.

أكمل جوستاف:

“بما أن حكومة العالم لا تتدخل مباشرة في شؤون أصحاب الطفرات، فإن النقابة هي الجهة التي تتعامل مع هذه الأمور. لذلك من الطبيعي أن يحاول بعض المخربين إفساد عملية البناء هنا.”

ثم قال بنبرة باردة:

“ومهمتي ببساطة… هي إيقافهم.”

ابتسم المذيع بإعجاب واضح.

“يبدو أنك تأخذ عملك بجدية كبيرة.”

رد جوستاف بهدوء:

“هذا عملي.”

قال المذيع بعد لحظة:

“لكن وجودك هنا يثير الفضول، بصراحة. من المعروف أنك لست مجرد مسؤول أمن عادي. بل إنك جئت مع عدد كبير من أصحاب الطفرات المدربين. هل يحدث هذا في كل مرة يتم فيها بناء فرع جديد للنقابة؟ ألا يرهق ذلك موارد المنظمة؟”

صمت جوستاف لبضع ثوانٍ.

بدا وكأنه يختار كلماته بعناية.

ثم قال أخيرًا:

“لا.”

نظر مباشرة إلى الكاميرا وهو يتابع:

“هذه حالة خاصة.”

وأضاف:

“عادةً لا يتم إرسال هذا العدد الكبير… ولا يتم إرسالي أنا شخصيًا.”

سأل المذيع بفضول:

“ولماذا إذن؟”

لكن جوستاف قاطعه قبل أن يكمل السؤال.

قال:

“أنا قائد وحدة عمليات خاصة في النقابة. مهمتي الأساسية هي التعامل مع الهجمات التي يشنها أصحاب الطفرات أو المنظمات التي تستخدمهم.”

ثم أكمل بنبرة أكثر جدية:

“بمعنى آخر… يتم استدعائي عندما تصبح الأمور خطرة.”

ابتلع المذيع ريقه قليلًا.

“وهل يعني ذلك أن هناك خطرًا حقيقيًا هنا؟”

أجاب جوستاف:

“ليست معلومات مؤكدة.”

توقف لحظة.

ثم قال:

“لكن هناك شائعات.”

اقترب المذيع قليلًا وسأله:

“أي نوع من الشائعات؟”

قال جوستاف:

“يقال إن مديرة النقابة… ليدي ماسك… تنحدر في الأصل من هذه المدينة.”

ساد صمت قصير.

قال المذيع:

“وهل هذا صحيح؟”

هز جوستاف كتفيه قليلًا.

“لا أعلم.”

ثم أضاف:

“لكن الشائعات… تجذب المشاكل.”

رفع نظره قليلًا نحو موقع البناء خلفه.

“ولهذا قرر المسؤولون إرسال عدد أكبر من المعتاد… وجعلي أنا المسؤول عن العملية.”

أومأ المذيع بفهم.

واستمرت المقابلة على الشاشة.

لكن أدولف لم يكمل المشاهدة.

رفع يده بهدوء… وأخرج نظارته الشمسية من جيبه.

ارتداها ببطء.

كانت عيناه حمراوين.

ثم بدأ يسير مبتعدًا وسط الزحام.

بينما كانت عيناه — المختبئتان خلف العدسات الداكنة — تتجولان في شوارع مدينته التي لم تعد كما كانت.

2026/03/12 · 10 مشاهدة · 1571 كلمة
KOD
نادي الروايات - 2026