*لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين*
⭐⭐⭐
في مكانٍ ما من مصر توجد قرية..
يسكنها الوئام، ويزينها السلام..
الهدوء والسكينة يعُمَّانِ المكا..
<< توقف.. عد إلى هنا.. >>
هتف البائع رافعًا قبضته راكضًا خلف ذاك الصبي..
حسناً إنسوا أمر الهدوء والسكينة هنا .
في حين إستمر فِضِّيُّ الخصلات بالركض بأقصى سرعته إلى أن وصل لزقاقٍ ضيق، فإختبأ به حتى تأكد من أن البائع قد إبتعد..
زفر هواء صدره بإرتياح، ثم إبتسم وفتح سترته، ليُخرِجَ منها سمكة ماتزال على قيد الحياة، والتي أخذت تتحرك يمنة ويسرة في راحة يده.
وضع سبابته على فمه مرددًا:
- إهدئي، إهدئي.
وأخرج رأسه من الزقاق يتلفت حوله قليلًا، ثم أعادها إلى سترته قائلًا:
- يجب أن أنجح هذه المرة.
وعاد يتلفت من جديد ليتأكد من خلو المكان، وعندما إطمأن خرج بهدوء، وسار في السوق إلى أن وصل إلى بائع تفاح..
وإستغل إنشغال الناس حوله ليدفس بالسمكة بين التفاحات في عربة البائع، ثم أسرع وإختبأ في مكانٍ قريب ليراقب ما سيحدث.
ولم تمر ثوانٍ معدودة حتى بدأت التفاحات تهتز، فنظر الجميع إليها في دهشة.
وفجأة..
قفزت السمكة من بين التفاح، ففزعوا جميعًا، وهربوا مسرعين، في حين صرخ البائع بأعلى صوته:
- (وليد)..
أخذ الفتى يضحك بينما يسير عائدًا إلى منزله يتقاذف بيمناه إحدى تلك التفاحات، والتي كان قد أخذها بعد أن وضع ثمنها على العربة أثناء ركض الناس حولها.
وبعد قليل وصل إلى منزله، ذاك المنزل المصمم بدقة ليبدو لك من الوهلة الأولى أنه مصنوعٌ من الزجاج، بزخرفة جدرانه الخارجية التي تناسخت لون السماء، وبابه الخشبي بلون الزجاج، وما زاد جماله تلك الخضرة التي زينت المدخل، ليدخله بصخب صافقًا الباب هاتفًا:
- السلام عليكم.. لقد عدت..
وما إن صدح صوته في المكان حتى أتت شقيقته الصغرى - ذات الخمسة أعوام - راكضة نحوه، لتعانقه بسعادة مغطية بجفنيها عينيها البرتقاليتين كلون شعرها، وقد توردت وجنتيها وسط بياض وجهها قائلة:
- أخي (وليد)، هل أحضرت لي شيئًا معك؟
رد باسمًا وهو يقَدِّم لها التفاحة:
- بالتأكيد، هذه لأفضل أخت في العالم، طازجةٌ ولذيذة.
فأخذتها هاتفة:
- رائع، أحبكَ كثيرًا أخي.
رَبَّت بلطفٍ على رأسها باسمًا، ثم رفع عينيه ليجد والدته التي وَرَّثَت جمالها لإبنتها تقف واضعة كفها على جبهتها وتقول في يأس:
- لا تقل أنك عدت لتلك المقالب من جديد!
إرتسمت إبتسامة عريضة على شفتيه مجيبًا:
- لا، لا أظن ذلك.
لم تقتنع بما قال، فهي أكثر من يفهم هذا المشاغب، وأكثر من يعلم أنه لن يكف عن شغبه هذا قريبًا، وبكل ثقة إرتدت عباءتها وحجابها، ثم فتحت باب المنزل.. لتجد أمامها حشدًا كبيرًا ينتظر ليقدم شكواه ، وهذا تمامًا ما كانت تتوقعه، فنظرت ل(وليد) بتوعد، في حين إبتسم هو ببراءة وحلقة سحرية قد ظهرت فوق رأسه وكأنه الملاك الذي لم يفعل شيئًا، ثم عادت بنظرها لهذا الحشد، وقالت مكررة سيناريو الإعتذار ذاته دائمًا:
- أعتذر منكم جميعًا عن المشاكل التي سببها إبني لكم..
وإلتفتت إلى (وليد) متابعة بلهجة آمرة:
- (وليد).. هيا إعتذر.
وكما هي عادته يغير دوره دائمًا في ذاك السيناريو إبتسم بينما يخرج لسانه ببلاهة قائلًا:
- لن أفعل..
وصعد مسرعًا إلى غرفته قبل أن ترغمه على الإعتذار، فلم تملك هي إلا أن تنهدت وقالت في يأس:
- أعتذر منكم نيابةً عنه، سأدفع لكم ثمن ما خرب وأ.
قاطعها أحدهم قائلًا:
- لا نريد مالًا سيدة (هناء)، فإبنكِ لم يخرب شيئًا هذه المرة.
بدت عليها الدهشة والحيرة أيضًا، فهل هذا الذي يتحدث عنه الرجل هو إبنها حقًا؟! وتَبَيَّن المقصد عندما عَقَّبَ بائع التفاح:
- أجل، فعلى عكس مقالبه السابقة هذه غير مؤذية، إلا أنه مازال يفسد علينا عملنا.
فقهقهت داخليًا بسخرية وقلة حيلة قائلة:
<
بالتأكيد، ما كان علي رفع آمالي بهذه البساطة، فهذا المشاكس لن يَكُف حتى أنتقل إلى رحمة الله. >
وكررت إعتذارها لهم، فسألتها إحدى السيدات:
- ألن يذهب (وليد) إلى المدرسة هذه السنة أيضًا؟!
وأعقبت أخرى:
- لقد مر أسبوعان بالفعل على بداية السنة الجديدة.. لا تقولي أنه سيفوتها كذلك!
فحَدَّث رجلٌ آخرَ قائلًا:
- على هذه الحال ستكون السنة الرابعة التي يفوتها.
ردت (هناء) بحزنٍ شديد:
- أعلم أنه فَوَّت السنوات الثلاث الأولى من الدراسة.. لكني سأُحَدِّثه مجددًا، وسأحاول إقناعه هذه المرة..
ثم رفعت رأسها إلى حيث غرفة إبنها، وتابعت بجدية:
- سيذهب سواءًا قَبِلَ بذلك أو لا.
وبعد رحيل الجميع أغلقت الباب، وخلعت عباءتها، ثم صعدت إلى غرفة إبنها وشراراتها تتطاير حولها..
طرقت الباب قبل أن تدخل قائلة بغضب:
- (وليد)، ألم نتفق على أن تَكُفَّ عن هذه المقالب؟
حَرَّك قدميه بطفولية، ونفخ وجنتيه قائلًا:
- لكنها ممتعة جدًا، كما أنها لا تؤذي أحدًا.
ردت بنفس نبرتها السابقة:
- قد لا تكون مؤذية، لكنها ماتزال تزعج الكثيرين وتعيق أعمالهم.
ثم تنهدت لتردف بهدوء تخلله قليل من الحزن:
- (وليد)، لقد أتممتَ عامك العاشر، والناس يتسائلون حول ذهابك للمدرسة.
قاطعها بحزم:
- أمي أخبرتكِ أني لن أذهب، أنا لست بحاجة إليها، فقد علمني والدي كل شيء.
ردت ببعض الإنفعال:
- صحيح أن والدك علمك الكثير، لكنه لم يعلمك كل شيء، ومازلتَ بحاجة للذهاب إلى المدرسة.
ثم صمتت لتعود إلى هدوءها، وإقتربت منه لتجلس بجانبه على السرير مكملة بحزنٍ شديد في محاولة أخيرة لإقناعه من خلال إستهداف عاطفته:
- لقد تغيرتَ كثيرًا بعد وفاته يا (وليد)، في صغرك كنت متشوقًا جدًا لدخول المدرسة، كنتَ مصرًا على الذهاب رغمَ صغر سنك، هذا ما جعل والدك يعلمك بعض الأساسيات التي قد تحتاجها.
وإرتسمت على شفتيها إبتسامة حزينة لتذكرها تلك اللحظات بينما تستطرد:
- كنتَ سعيدًا جدًا عندما عرض عليك أن يعلمك بنفسه، كنتما تقضيان الوقت معًا والإبتسامة لا تفارق شفتيكما، وقد كنتُ أنا في قمة سعادتي وأنا أراكما هكذا.
- لا بأس، سأذهب.
قالها مقاطعًا إياها، فقد لامست كلماتها وتره الحساس بالفعل، لتنظر إليه بدهشة، فهي لم تتوقع أنها ستتمكن من إقناعه يومًا، بينما تابع هو باسمًا:
- مادام هذا يسعدك، فلا مانع لدي من الذهاب.
وما كاد يتم جملته حتى وجد نفسه بين أحضانها، فشعر بالدفء والسعادة تغمره، وبادلها العناق بإبتسامة كبيرة.
ثم وعلى حين غرة.
- والآن.
نطقتها بينما تفصل العناق ضاحكة بأحرفٍ غير مفهومة وقد قفزت أصابعها تدغده، لتعلو ضحكاته متلويًا بين ذراعيها ومرددًا بصعوبة:
- توقفي، توقفي، يكفي ستقتلينني، دعيني.
وأخذت دموعه تقطر بينما يضحك بأعلى صوته محاولًا إبعاد يديها، وقد بدا أنه على وشكِ الموتِ فعلًا، إلا أنها لم تتوقف، بل وإستمرت وقد إمتزجت ضحكاتها بخاصته، ثم توقفت بعد لحظات لشعورها بالتعب من دغدغته.
تنهدت مطلقة أنفاسها ضاحكة بخفه، ليبتعد هو عنها أمتارًا على السرير ويبدأ بمسح دمعه قبل أن يتنهد باسمًا بإرتياح واضعًا يمناه على صدره:
- يالكِ من متوحشة عديمة الشفقة.
نظرت له بجانب عينيها وإبتسامة خبيثة إرتسمت على شفتيها لتقول مهددة إياه متظاهرة بعدم سماعه:
- هل قلتَ شيئًا عزيزي؟
إبتلع رمقه بتوتر ليردف نافيًا بكلتا ذراعيه:
- لا، لا شيء، شكرًا.
قهقهت بخفة لتطلق ضحكتها، فيفعل هو المثل مازجًا ضحكته بخاصتها ليُكَوِّنا معًا أحلى نغمة.
وعلى الصوتِ دخلت صغيرتنا الغرفة متسائلة نافخة وجنتيها بإنزعاج:
- ماذا يحدث؟!، ظننتكما تناقشان شيئًا مهمًا.
تبادل كل من (وليد) ووالدته نظرة ماكرة قبل أن تنزل هي عن السرير قائلة:
- أحقًا تريدين أن تعرفي؟
أومأت الصغرى بجهل باسمة لتقفز أصابع والدتها لدغدغتها فتنفجر ضحكتها ممتزجة مع خاصة والدتها وشقيقها..
أخذت تتلوى ضاحكة مرددة:
- يكفي لم أعد أريد أن أعرف، توقفي سامحيني.
وعندما لم تجد أملًا بترجي والدتها علا صوتها مستنجدة بشقيقها:
- (وليد)، (وليد) أنقذني.
إلا أن الآخر إستمر بالضحك غير آبه لصرخاتها.
***
~وفي وقت العَشاء~
في المطبخ الذي حوى طاولة الطعام التي جلس عليها كلٌ من وليد وشقيقته، وأمام الفرن الذي توسط أحد جدرانه المزخرفة، إرتدت (هناء) مئزرها قائلة بفخر:
- أعددتُ لكما اليوم عشاءًا ستأكلان أصابعكما وراءه.
بدا (وليد) وكأنه يحاول كبت ضحكة على وشك الإنفجار عندما إنحنت والدته لتفتح الفرن.
وتبين السبب عندما قفزت عائلات من الضفادع خارجًا فور لمسها له جاعلة إياها تطلق صرخة متفاجئة تزامنًا مع سقوطها على الأرض.
لم يتحمل هو وإنفجر ضاحكًا ممسكًا معدته:
- تستحقين ذلك هذا جزاء تعذيبكِ لي هذا الصباح.
بينما نهضت هي وقد بدأت هالتها القاتلة بالتشكل لتهمس بنبرة مخيفة:
- هذا جزائي ها؟!
كانت هالتها وحدها كفيلة بإخافته، إلا أن خوفه لم يستطع الظهور؛ بسبب عدم قدرته على التوقف عن الضحك، فركض خارج المطبخ حتى لا تمسكه، ليرتفع صوتها الغاضب:
- (وليد)، سأقضي عليك.
بينما صفعت صغيرة العائلة الظريفة جبهتها متنهدة بقلة حيلة:
- يبدو أن العشاء سيتأخر للفجر هذه الليلة أيضًا.
***
إنتهى
☆☆☆
.
..
لقطة من الفصل القادم:
بترت عبارتها عندما رفعت رأسها ووجدته أبيضًا من رأسه إلى أخمص قدميه وبعض العجين يتدلى من أجزاء جسده، لتصرخ مشيرة إليه في ذعر:
- شبح، شبح.
وسقطت مغشيًا عليها..
...
تُرى ماذا سيحدث في المدرسة عند دخول هذا المشاغب إليها؟
..
الفصل القادم بعنوان:
" المدرسة ليست مكانًا للمقالب "
.. .
" إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "
الأحزاب- آية (56)