لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
⭐⭐⭐
إستيقظ فِضّي الشعرِ في الصباح على صوت شقيقته تصرخ قائلة:
- (وليد)، إستيقظ، ستتأخر عن المدرسة.
فتح زرقاوتيه بكسل وإلتفت ليراها واقفة مُتَخَصِّرة عند باب غرفته، فنهض بينما يتثائب قائلًا:
- صباح الخير (منى).
ردت بغضب طفولي:
- تقول أمي أنك ستتأخر إن بقيت نائمًا أكثر.
إقترب منها، ومسح على رأسها بلطف، ليردف باسمًا:
- لا بأس، لقد إستيقظت.
أومأت إيجابًا، وإبتسمت بدورها قائلة:
- حسنًا إذن، سأتركك لتستعد.
وغادرت الغرفة، فدخل هو الحمام بغرفته وإغتسل، ثم إرتدى زيه المدرسي المكون من قميص أبيض اللون، وبنطال أزرق داكن، وصلى الصبح، ثم إرتدى حقيبته مسرعًا نازلًا السلالم.
وجد والدته بالأسفل، فقبَّل كفها وجبينها ناطقًا:
- صباح الخير أمي، أنا ذاهبٌ الآن.
وإتجه إلى باب المنزل، فسألته:
- ألن تتناول فطورك؟
أجاب باسمًا:
- لا سأتأخر هكذا.
فوضعت له علبة غدائه في حقيبته، بينما تنبهه:
- حسنًا، لكن أرجوك كُن مطيعًا يا (وليد)، ولا تشاغب كعادتك.
أومأ برأسه إيجابًا، فإبتسمت وقبَّلت جبينه قائلة:
- إعتني بنفسك جيدًا، ولا تنسَ، المقالب ممنوعة.
هتف راكضًا إلى الخارج:
- لا أستطيع أن أعدكِ بشيء، وداعًا.
بينما تنهدت هي مغلقة الباب خلفه، وهي تدعو ربها أن يحفظه لها، وفي نفس الوقت تُبشر نفسها بكم الشكاوى التي ستتلقاها مع عودة سيادته.
أما هو فمنذ بداية اليوم وها هو قد لمح فتًى يرتدي نفسَ زِيّ مدرسته، وقرر بدء مقالبه.
ركض نحو الصبي مسرعًا هاتفًا بخوفٍ مصطنع:
- أسرع يا فتى، هناك كلبٌ مخيف يركض خلفك.
فإنطلق الفتى يعدو مسرعًا مخلفًا وراءه سحابة من التراب صارخًا بخوفٍ شديد:
- يا إلهي! أنا أخاف الكلاب.
في حين إنفجر (وليد) ضاحكًا ناطقًا من بين ضحكاته:
- ياله من جبان.
وبينما هو مستمر بالضحك شعر بجوٍ مخيفٍ آتٍ من خلفه، فإلتفت ليجد كلبًا غاضبًا يزمجر مستعدًا للإنقضاض عليه.
إزدرد لعابه بخوف، ثم ركض خلف الفتى صارخًا برعب:
- إنتظرني.
***
بعد أن قطع (وليد) طريقه ركضًا، وقف يلتقط أنفاسه عند بوابة المدرسة الحديدية، ثم رفع رأسه متنهدًا، فلاحظ كِبَر الفناء، الذي مُلِيءَ بالطلاب من عمر الست سنوات فما فوق، ليهتف منبهرًا:
- يا إلهي! ما أوسعه!
وإبتسم بمكر، وهو يفرك كفيه ببعضهما مستطردًا:
- سيكون مناسبًا جدًا لمقالبي.
وقبل أن يكمل وجد يدًا تقبض عليه من الخلف وترفعه من أعلى قميصه، وما إن إلتفت حتى سمع صاحبها يقول:
- (وليد)، أليس كذلك؟
رفع عينيه ليجده أحد المعلمين، أشقر الشعر المائل للأصفر، ولعينيه نفس لون العشب الأخضر، وقد إرتدى بدلةً بلونٍ نيلي متطابق تمامًا مع لون سرواله، فإرتسمت إبتسامته العريضة بشغبٍ على شفتيه، بينما تابع المعلم:
- قالت والدتك أنك مثير للمتاعب، ولسوء حظي تم ضمك إلى صفي، لذا إن أردت أن تمر السنة على خير، فبرمج عقلك على أن هذه مدرسة، وليست سيركًا لمقالبك، أهذا مفهوم؟
رد بشغبٍ كعادته رافعًا كفه إلى جانب رأسه مؤديًا تحية عسكرية:
- أبدًا يا حضرة النقيب.
سأله المعلم حائرًا وقد عجز عن الإستيعاب:
- ماذا؟!، حضرة ماذا؟!
هز رأسه نفيًا مجيبًا بإبتسامة:
- لا، لا شيء.
فحدث المعلم نفسه قائلًا:
- لا شك في أني سَأُجَن قريبًا.
ورن جرس بداية الحصص مقاطعًا حديثه، فأنزل (وليد) لتطأ قدماه الأرض قائلًا بحزم:
- هيا إتبعني.
***
كان الطلاب جالسين يتحدث كلٌ إلى زميله، قبل أن يدخل المعلم وخلفه (وليد)، فوقفوا له إحترامًا، وبعد أن ألقى السلام ورده الطلاب أشار إلى (وليد) قائلًا:
- سينضم إلينا اليوم طالبٌ جديد.
وهمس لنفسه بحسرة:
- أو بالأحرى مصيبةٌ جديدة.
ثم تابع موجهًا كلامه ل(وليد):
- هيا عرف نفسك للطلاب.
مرر فِضِّيّ الخصلات نظره بين الطلاب، ثم عقد ساعديه خلف ظهره قائلًا:
- لا، لا أريد.
صفع المعلم جبهته بقلة حيلة ناطقًا:
- يا إلهي! وهل كنت أتوقع أنك ستفعل؟!
ثم أشار إليه ليجلس مستطردًا:
- لا وقت لدي لأضيعه معك، هيا إجلس وأرحني.
أومأ (وليد)، وإتجه كما أمره ليجلس على مقعد في آخر الصف تقريبًا، فهتف المعلم سريعًا جاعلًا من طلابه أصنامًا غارقة بالدهشة:
- لا لا لا، من فضلك إجلس هنا أمامي، لا أريد أن يتحول صفي إلى سيركٍ أثناء شرحي للدرس.
فعاد (وليد) ليجلس على المقعد الأول تحت أنظار الطلاب المصدومة، في حين همس معلمهم بإرتياح:
- جيد، لم يعارض أو يعاند.
ثم قال مخاطبًا الطلاب:
- هذا مصيبتكم، أقصد زميلكم الجديد (وليد)، وبما أنه تغيب عن المدرسة الأسبوعين الماضيين، فأرجو منكم مساعدته في دروسه.
أومأ الجميع وعقولهم ماتزال غير قادرة على تصديق من يجري، فهم لم يروا بحياتهم هذا الوجه المضطرب من معلمهم قبلًا، بينما إستدار هو نحو اللوح، وقال بادءًا حصته:
- سنتعلم اليوم كيفية..
وها هو ذا يقاطَع من قِبل سيد الشغب بعد أن ظنَّ أنه أفلت وسيبدأ الحصة بسلام.
ناداه صانع المقالب رافعًا يده:
- أستاذ.
ضغط بقوة بالطبشور في يده على اللوح حتى كسره محاولًا بذلك كبتَ غضبه، وهو يلتفت إليه ليسأله:
- ماذا هناك؟
رَدَّ (وليد) بإبتسامة بريئة:
- لم تخبرني بإسمك بعد.
أفقده ذلك الرد آخر ذرات صبره ليَصِرّ على أسنانه رافعًا صوته لأول مرة بعمره:
- (كامل)، أدعى (كامل)، أيمكنني البدء بشرح الدرس الآن؟
صُدِمَ الطلاب لصراخه بهذه الطريقة، بينما أجاب (وليد) وهو مايزال محتفظًا بتلك الإبتسامة على وجهه:
- بالتأكيد.
فرك المعلم عينيه ليهديء أعصابه قليلًا، ثم قال:
- سنتعلم اليوم كيفية تبسيط الكسور.
وبدأ بشرح الدرس.
وبعد قليل إلتفت ليكتب مسألةً حسابية ليحلها الطلاب، وعندما إنتهى تراجع خطوة إلى الوراء، فوقعت قدمه على زجاجة أفقدته توازنه، وجعلته يسقط على وسادة مبللة بالماء، فشرع بنطاله بإمتصاصه.
حدق إلى نفسه بصدمة بينما علت أصوات ضحكات الطلاب رغمًا عنهم، وأولهم (وليد)، ويال حظ هذا الأستاذ الذي يبدو أن أمه قد دعت عليه قبل خروجه اليوم؛ فما إن أفاق من صدمته حتى دخل أستاذٌ آخر قائلًا:
- أستاذ.
ولم يكمل لرؤيته إياه على هذه الحال، فإنسحب خارجًا بهدوء حتى لا يحرجه، ظنًا منه أن الأستاذ (كامل) قد فعلها في ملابسه، بينما حاول ذاك الأخير شرح الأمر، وقد أدت شدة حرجه لتلعثمه أثناء قوله:
- إنتظر، ليس الأمر كما يبدو، ليس ما تَظُنُّه.
أُغلِقَ الباب مع نطقه لآخر كلماته، ففرك عينيه من جديد قائلًا:
- (وليد)، أخبرتك من قبل أن المدرسة ليست مكانًا لمقالبك هذه.
ثم تنهد مكملًا:
- لحسن حظك أني أمتلك زيًا إحتياطيًا.
وتابع خارجًا من الصف:
- سأذهب لأغير ملابسي، إبقوا هادئين لحين عودتي.
ولم تمر دقائق معدودة حتى عاد إلى صفه بعد أن إرتدى بنطالًا أسود اللونِ كقميصه، وليته لم يفعل، فما إن فتح الباب حتى وجد نفسه مغطًى بالدقيق، فتقدم بغضب للأمام وفي نيته أن يقتل كتلة الشغب المسماة (وليد)، لكن فجأة سقط عليه دلو ماء محولًا الدقيق عجينًا، واستُكْمِلت اللوحة الفنية بدخول معلمة عندما هَمَّ بالصراخ قائلة:
- (كامل)، أريد أن.
بترت عبارتها عندما رفعت رأسها ووجدته أبيضًا من رأسه إلى أخمص قدميه وبعض العجين يتدلى من أجزاء جسده، لتصرخ متلعثمة مشيرة إليه في ذعر:
- شبح، شبح.
وسقطت مغشيًا عليها، فنظر الأستاذ (كامل) إلى (وليد) بأعين أخافته، قبل أن يحمل المعلمة ويأخذها لغرفة الممرضة، فسأل هو طالبًا ظل هادئًا على يساره، أسود الشعر، ورمادي العينين:
- من تلك؟!
أجابه ببرود دون أن يزيح عينيه عن كتابه:
- شقيقة الشبح!
إزدرد لعابه بخوف متخيلًا أسوأ ما قد يفعله المعلم به لإدراكه مقصد الطالب بكونها شقيقته.
بعد قليل عاد الأستاذ (كامل) إلى الصف، وقال بهدوء عكس ما توقع الجميع في مثل هذا الموقف مغلقًا الباب خلفه:
- أظنني سأضطر للبقاء هكذا حتى تجف ملابسي.
ثم إقترب من (وليد) متسائلًا:
- من أين لك كل هذه الأشياء؟!
وأخذ حقيبته وأفرغها على طاولته، فلم يجد بها كتابًا واحدًا حتى، بل مجرد أشياء تافهة يستخدمها في صنع مقالبه، ففرك عينيه بإنزعاج، ثم قال:
- (وليد)، أظنني أخبرتك عدة مرات أن هذه مدرسة، وللمدرسة قواعد، أهمها أن المقالب..
قاطعه قائلًا بمرح متخيلًا مكبر صوتٍ في يده:
- سيداتي سادتي، نستمع الآن إلى حضرة المستشار ومعلم الصف، الأستاذ (كامل) قوانين.
ومد يده إلى فم الأستاذ متظاهرًا بإعطائه مكبر الصوت ليتابع:
- أستاذ قوانين، هل صحيح ما سمعته؟، يقولون أن المدرسة ليست مكانًا للمقالب، وقد صدر قرار بمنعها، من الذي أصدر ذلك القرار، ولماذا؟، وهل ستقوم ثورة بسبب هذا القرار الظالم؟، وهل ستنفذ جميع مطالب الثورة؟، و..
لم يحتمل الأستاذ أكثر فصرخ في وجهه قائلًا بينما يشير إلى الباب:
- (وليد)، إلى خارج الصف حالًا.
إلا أن ذاك المشاغب لم يستمع له، بل وأكمل مسرحيته مستفزًا إياه أكثر:
- سيداتي وسادتي، المشهد التالي لا يُنصح به الأطفال وذوي القلوب الضعيفة، لذا رجاءًا أغلقوا أعينكم وآذانكم، وأفواهكم بالمرة، حتى إنتهاء هذا المشهد، وشكرًا.
أحاط الأستاذ جوٌ قاتل، وأخذت قبضتاه ترتجفان غضبًا ؛ فقد طفح كيله أخيرًا، ليرمق (وليد) بنظرة أرعبته، وفي أقل من ثانية كان يقف بالفعل خارج الصف يستمع إلى ضحكات الطلاب وهو يتنفس برعب قائلًا:
- يا إلهي!، ما تلك النظرة؟!
وما لبث أن تنهد بملل مستطردًا:
- إنه سريع الغضب، ولا يتقبل المزاح.
وأخيرًا يسطيع الأستاذ (كامل) الآن شرح الدرس بسلام، كما تمنى.
****
إنتهى
☆☆☆
.
..
لقطة من الفصل القادم :
وتابع ملتفتًا لذاك المنهك من الجري وراءه وعلى شفتيه إبتسامة تكاد تشق وجهه:
- (أمجد) هيا لِنُشَارك أ..
قاطعه إرتطام كرة بوجهه، فإستدار إلى الملعب، وقد أفصح الجو حوله عن انه لن يلبث وينفجر.
....
(أمجد) يركض وراء (وليد) في أنحاء المدرسة، وكرة ترتطم بوجه (وليد)! من يكون (أمجد) هذا؟ وهل الموقف حقًا بهذا السوء؟!
.....
الفصل القادم بعنوان:
" جولة مع رئيس الصف "
...
" إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "
الأحزاب- آية (56)