4 - 3**جولة مع رئيس الصف**

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

⭐⭐⭐

إنتهت حصة الرياضيات، وتزامنًا مع خروج الأستاذ دخل(وليد) إلى الصف، بعد أن رسم على شفتيه إبتسامة عريضة لمعلمه.

جلس على مقعده مرجعًا ظهره إلى الخلف واضعًا قدمًا فوق الأخرى على طاولته، ويداه خلف رأسه، والطلاب يحدقون به راجين من ربهم أن يمر يومهم هذا بسلام.

دقائق حتى دخلت المعلمة ذات العينين العشبيتين اللتان برزتا من خلف منظارها الطبي بشكلٍ رائع، بحجابها أحمر اللون، وسترتها الخضراء على ذاك الجيب النيلي الطويل، كانت هي نفسها التي أغشي عليها عند رؤيتها الأستاذ كامل مغطًى بالدقيق.

وقف كل الطلاب إحترامًا لمعلمتم عدا (وليد)؛ فقد ظل جالسًا مكانه متجاهلًا دخولها، فحيت هي الطلاب، وأذنت لهم بالجلوس بعد أن ردوا تحيتها، ثم تقدمت لمقعده، ووضعت كفاها على الطاولة لتردف باسمة:

- لن يفعل ذلك بأخي غيرك، أنت (وليد غسان) أليس كذلك؟

ردَّ، ونبراته تعكس سخريته وقلة إهتمامه:

- وأنتِ من تكونين؟، جدتي العجوز مثلًا؟!

أحاطها جَو مظلم، لتهمس بهدوء ما يسبق العاصفة:

- جدتك العجوز ها؟!

إختفى أغلب الطلاب خلف مقاعدهم رعبًا مما هو قادم، في حين نبس (وليد) وهو مايزال على وضعيته:

- معلمتي إهدَئي، تقول والدتي أن الغضب يجعل التجاعيد تظهر أسرع.

تمتمت مستغربة:

- تجاعيد؟!!

وتخيلت نفسها والتجاعيد تملأ وجهها، فقالت ملوحة بيديها في الهواء لتخفي ما تخيلت:

- لا لا لا، مستحيل.

ثم تنهدت وحمحمت قائلة:

- سمعت أنك تقوم بالمقالب في المدرسة، ما رأيك بتحدٍ صغير إذن؟

كرر (وليد) مستغربًا:

- تحدٍ؟

فقالت موضحة:

- نعم، أتحداك أن توقعني بأحد مقالبك.

صرخ الطلاب متفاجئين لقولها، بينما أجاب هو بإبتسامة:

- أقبل تحديك.

قالها وهو يمد يده لها كي تصافحه، فمدت هي الأخرى يدها حتى كادت تلامس خاصته، لكن وفي أقل من ثانية لفت يده وجعلته يصافح نفسه بدلًا عنها، فصعق بالجهاز في يده، وتخيل الدخان يتصاعد منه، بينما وكزت هي جبينه بسبابتها وقالت بإبتسامة:

- لست طفلة كي أقع في مقلبٍ بسيطٍ كهذا.

ثم توجهت نحو اللوح وكتبت عنوان الدرس لتبدأ حصتها..

****

ومع إنطلاق جرس الإستراحة سقط (وليد) أرضًا، وقد شعر وكأن الصف بأكمله يدور من حوله، فطوال الحصة - وعلى عكس المتوقع - لم يتمكن من إيقاع معلمته في مقلب واحد حتى، فقد كانت تتوقع كل حركاته وترد كل مقالبه عليه.

إنحنت المعلمة عاقدة ساعديها خلف ظهرها، وقالت باسمة:

- إنتهى الدرس، أنا الفائزة.

فنهض سريعًا ليقول مترجيًا:

- إنتظري، أنا لم أستسلم بعد.

مدت يدها لتصافحه وهي تبتسم قائلة:

- سنكمل في وقتٍ لاحق.

بادلها الإبتسامة، لكن ما إن صافحها حتى صعق بنفس الجهاز الذي أراد صعقها به غي بداية الحصة، وتصاعد الدخان من جسده، وكذلك فمه الذي فُتِحَ من الصدمة، في حين علت ضحكات المعلمة الهستيرية بينما تقول:

- لا يمكن، لا أصدق أنك وقعت في هذه.

<

ك كيف؟! >

تسائل (وليد) في نفسه مذهولًا؛ فهو سيد المقالب، ولم يسبق لأحدٍ أن أوقعه بواحدٍ من قبل، لكن لم يلبث أن رفع عينيه إلى معلمته عندما شعر بيدها تبعثر شعره وهي تقول مقهقهة:

- مازلتَ بحاجة لتعلم الكثير كي تصل لمستواي، أرجو أن تتغلب علي قريبًا.

ثم ودعته بإبتسامة رقيقة وخرجت من الصف، فأحس هو بيدٍ تسقط على كتفه بهدوء ليلتفت إلى صاحبها، وإذ به الطالب الذي كان يجلس بجواره، والذي رفع يده قائلًا:

- أهلًا، أنا أمجد رئيس الصف، وقد تم توريطي بأخذك في جولة لتتعرف على المدرسة، لذا.

قاطعه بحماس متناسيًا جُلَّ ما حدث:

- حسنًا، هيا بنا.

وسحبه من يده ليركض به خارجًا من الصف.

.....

أخذ الإثنان يتجولان في المدرسة، (أمجد) يحاول أن يُرِي (وليد) بعض الأماكن المهمة، والآخر يتجاهله ليقوم بتنفيذ مقالبه بكل من يصادف.

وبعد أقل من عشر دقائق من بدء جولتهما..

<< (وليد)، إن لم تتوقف عن هذا، فأنا لن أستمر معك في هذه الجولة. >>

نطق أمجد أحرفه بغضبٍ حاول جاهدًا كبته وهو يضغط بقوة على يدي الدلوين الّذين يحملهما، ليجيب صاحب الخصلات الفضِّية من على يساره ببراءة:

- لماذا؟، أنا لم أفعل شيئًا.

قاطعه صارخًا بإنفعال:

- لم تفعل شيئًا؟!، نحن معاقبان الآن بسبب مقالبك السخيفة تلك.

ليفاجأ به يضع الدلوين من يده ويسحبه خلفه قائلًا:

- دعكَ من هذا ولنكمل جولتنا.

وبعد قليل أصبح ملعب كرة القدم في مرمى بصرهما، فركض (وليد) نحوه، وهتف بإعجابٍ شديد فور رؤيته:

- ما أروعه!!

وتابع ملتفتًا لذاك المنهك من الجري وراءه وعلى شفتيه إبتسامة تكاد تشق وجهه:

-أمجد هيا لِنُشَارك أي.

قاطعه إرتطام كرة بوجهه، فإستدار إلى الملعب، وقد أفصح الجو حوله أنه لن يلبث حتى ينفجر، بينما هتف أحد اللاعبين ملوحًا له:

- يا فتى، هلَّا أرسلت لنا الكرة؟

هَمَّ بالدخول إلى الملعب ومشاجرة ذاك اللاعب، إلا أن أمجد أمسك بقميصه من الخلف، وسحبه قائلًا بنبرة هادئة:

- هيا لنذهب، فأنا أريد الإحتفاظ برأسي في مكانها لوقتٍ أطول.

فنطق اللاعب بحسرة:

- والكرة؟!

أرسل له (أمجد) الكرة بينما مايزال يجر (وليد) خلفه، والذي إستمر بالصراخ ملوحًا بذراعيه:

- يا أنت!، لا تظن أني نسيت فعلتك، سأجدك وألقنك درسًا، لن أتركك أتسمع؟، لن أتركك.

~وفي ممر المدرسة~

<< جبان.. >>

نطقها (وليد) بإنزعاج ضامًا منكبيه وهو يرمق (أمجد) بنظرة جانبية، فرد الآخر بهدوءه المعتاد:

- لستُ جبانًا، وإنما لا أريد الوقوع في المزيد من المشاكل بسببك.

نطق (وليد) بعناد:

- بل أنتَ جبان.

- لستُ كذلك.

- بلى.

- لا.

نفاها (أمجد) هذه المرة بطيف إنزعاجٍ بدأ يظهر عليه، ليكمل (وليد) جداله مخرجًا لسانه:

- بلى، بلى، بلى.

وقاطعتهما ضحكة خفيفة تسللت من خلفهما تبعها صوتٌ يقول:

- يبدو أنكما إنسجمتما معًا سريعًا!

إلتفت الإثنان إلى مصدر الصوت، وإذ بها معلمتهما للفنون تقف باسمة، نظرا لها بإستغراب، بينما إنحنت هي قائلة:

- لم أتوقع أن تصبحا صديقين بهذه السُر.

قاطعاها في صوتٍ واحد مديرين ظهريهما لبعضهما بإنزعاج:

- لسنا كذلك.

فمرت هي من بينهما واضعة يديها على رأسيهما قائلة بإبتسامة:

- سأذهب الآن، إستمتعا بوقتكما معًا .

قهقهت مع نطقها لآخر كلماتها بينما تسير مبتعدة لعلمها بشدة التناقض بين شخصيتي ذلكما الإثنين، في حين نظر (وليد) في أثرها، وقال بتحدٍ متجاهلًا ما كان يحدث كالعادة:

- لن أخسر أمامكِ أبدًا.

إستغل أمجد الفرصة ليشمت، فقال عاقدًا ساعديه:

- نسيت هزيمتك أمامها في الصف؟!

رد متوترًا:

- كنتُ متساهلًا معها.

عَقَّبَ أمجد بإبتسامة شامتة:

- أجل أجل، لدرجة أنها أوقعتك بمقلب الأطفال ذاك.

فتجاهله (وليد) مشيرًا في أثر معلمته قائلًا بحماس:

- لن تفلتي المرة القادمة، سأهزمكِ شر هزيمة.

ربت (أمجد) على كتفه بسخرية قائلًا:

- بالتأكيد ستفعل، وسننتظر ذلك جميعنا بفارغ الصبر.

وسار مبتعدًا واضعًا يديه في جيبه، بينما صرخ (وليد) غاضبًا:

- أنت، أتسخر مني؟!

لم يجبه، فإستدار إلى الجهة الأخر وقال مقلدًا صوته بسخرية:

- وسننتظر ذلك بفارغ الصبر.

وتابع بغيظ:

- متحاذق.

ثم رن جرس بداية الحصص، فعادَ وجميع الطلاب إلى فصولهم.

****

إنتهى الدوام ودخل (وليد) الصف أخيرًا بعد أن كان معاقبًا لأربعة حصص متتالية، حمل حقيبته إستعدادًا للرحيل، فناداه أمجد قائلًا:

- (وليد) صديقي لم يحضر اليوم، أنسير للمنزل معًا؟

شعر (وليد) بالغرابة لسؤاله، لكنه أجاب بإبتسامته العريضة:

- حسنًا لا بأس.

ثم خرج أمامه وسارا معًا متجهَين لمنزليهما.

كانت نية (أمجد) أن يرافقه أحد ينتبه على الطريق، بينما يقرأ هو كتابه مستغلًا الوقت في المذاكرة قليلًا، لكن لسوء حظه سأل الشخص الخطأ، وبدلَ أن يُنتبه له إضطر هو للإنتباه لمرافقه الأحمق، والذي سيتسبب بإعدامهما قريبًا، فحتى الآن لم يَسلم أحدٌ في الطريق من مقالبه، فقال بندم بعد أن أدرك المصيبة التي أوقع نفسه فيها:

- يا إلهي!، كم أنت مزعج!، كيف ورطتُ نفسي معك؟، ليتني سألت صرصورًا ليرافقني بدل سؤال مغفلٍ مثلك.

قال (وليد) بينما يضرب على ظهره وإبتسامة كبيرة تعلو وجهه:

- هيا، لا تكن كئيبًا هكذا.

فمسح الآخر مكان الضرب بقليل من الألم، ثم قال:

- بالمناسبة، إذا إحتجت أي مساعدة بخصوص الأسبوعين الماضيين.

ونظر إلى (وليد) ليفهمه مقصده، فإبتسم وقال:

- لا تشغل بالك بهذا، فقد درست كل هذا من قبل.

بادله (أمجد) الإبتسامة، وتابعا طريقهما حتى وصلا إلى مفترق طرق، فأشار (أمجد) إلى الجهة اليمنى قائلًا:

- حسنًا، أنا سأذهب من هنا.

رد (وليد) مشيرًا إلى الجهة الأخرى:

- وأنا من هنا.

فمد (أمجد) يده لمصافحته قائلًا:

- إذًا، أراكَ غدًا.

صافح (وليد) يده الممتدة مُومِئًا برأسه بإبتسامة، وذهب كلٌ في طريقه.

وفي الطريق توقف (وليد) لشراء بعض الحلوى، ثم تابع إلى منزله دون تنفيذ المزيد من المقالب بأحد.

***

إنتهى

☆☆☆

.

..

لقطة من الفصل القادم:

إلتفت الإثنان إلى مصدر الصوت، فنطق (أمجد) بملل وخيبة:

- (وليد).

تسائل الفتى بجانبه مشيرًا إلى (وليد):

- أتعرفه؟

أومأ إيجابًا، فهتف الفتى حماسًا:

- رائع!، صديقٌ آخر سينضم للرحلة.

...

هذا الفتى! يبدو أنه صديق (أمجد) الذي ذَكَرَه سابقًا! وهو الآن يلتقي بوليد! تُرى إلى أي مدًى سينسجم ذلكما الإثنين؟

...

الفصل القادم بعنوان:

" طفلي (هناء)، وإبن خالة (أمجد) "

...

" إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "

الأحزاب- آية (56)

2021/09/17 · 95 مشاهدة · 1380 كلمة
RainSan
نادي الروايات - 2026