5 - 4**طفلَي (هناء)،وإبن خالة (أمجد)**

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

⭐⭐⭐

وصل صاحب الخصلات الفضِّية إلى المنزل، ودخل صافقًا الباب بدرامية هاتفًا بأعلى صوته:

- السلام عليكم، ملك الضحكات عاد إليكم.

وكالعادة ما إن سمعت برتقالية الشعر الصغيرة صوت أخيها حتى ركضت نحوه، وإرتمت في أحضانه قائلة بدلال واللآلئ تلمع بعينيها:

- أخي (وليد)، إشتقت إليكَ كثيرًا.

إبتسم، ومسح على رأسها بحنان مجيبًا:

- وأنا إشتقت إليكِ أيضًا.

وأخرج الحلوى التي إشتراها، وأعطاها إياها مستطردًا بإبتسامته العريضة:

- وبالتأكيد لم أنسَ هديتك.

ففرحت وعانقته قائلة بسعادة:

- أشكرك كثيرًا يا (وليد)، أنتَ أفضل أخٍ في العالم.

وأسرعت إلى المطبخ حيث والدتها منادية بنفس نبرتها السابقة:

- أمي، لقد عاد أخي.

فخرجت ضامة منكبيها قائلة بإنزعاج:

- أجل، عرفت ذلك بعد أن ثُقِبَت طبلة أذني.

وما إن رآها الآخر حتى تقدم نحوها، وأمسك كفها وقبَّله ممثلًا دور السيد النبيل بينما يلقي كلماته الشبه مصطنعة:

- سيدتي، كيف حالك؟، إشتقت إليكِ كثيرًا.

تنهدت وسحبت يدها موجهة إليه سؤالها، والذي تعرف إجابته مسبقًا:

- متى ستكف عن هذه السخافات؟

نطق رده الذي توقعته، وهو يتراجع حتى السُلّم مكملًا تمثيله:

- ليسَ قريبًا أيتها الأم الجميلة.

وصعد ملتفتًا إلى (منى) ليقول بإبتسامته الحانية:

- (منى)، سأنهي واجباتي وآتي للَّعب معك.

أومأت وإبتسامة كبيرة تعلو وجهها، بينما تسائلت والدته رافعة إحدى حاجبيها:

- إذن متى ستأتيني طلبات الاستدعاء؟

أجاب مع إبتسامته العريضة مكملًا صعوده لغرفته:

- ربما العام المقبل.

ثم دخل الغرفة، وأغلق بابها، وبَدَّل ملابسه، ليبدأ بكتابة وظائفه. فرغم كونه فتًى مشاغبًا إلا أنه مايزال يحب الدراسة ويستمتع بقضاءه الوقت بين كتبه.

::::::::::

ومع إرتفاع أذان العصر نهض صاحب الشعر الفضِّي ممدًا عظامه معلنًا بذلك إنتهائه من أداء فروضه.

أخذ حمامًا سريعًا ونزل إلى المسجد القريب ليقيم صلاته، وبعد إنتهاءه عاد إلى المنزل، ليأخذ كرة القدم ويخرج بها إلى الحديقة الخلفية حيث سبقته شقيقته الصغرى.

ولم تمضِ ثوانٍ على بداية اللعب حتى تعالت ضحكاتهما فَرْحةً وبهجة.

كانا يتقاذفان الكرة، ومن لا يتمكن من إلتقاطها يُعَدُّ خاسرًا.

وبكل تأكيد كان المشاغب صاحب الخصلات الفضِّية يخسر متعمدًا ويبدأ تمثيل القهر بدرامية ليجعل شقيقته تلك تكاد تموت ضحكًا، فيضحك هو لعذب ضَحِكِها؛ فلا شيء أغلى عنده من ضحكاتها. هي ووالدته أغلى ما يملك، ورؤية البسمة وحدها تزين وجهيهما كفيل بمحو همومه في ثوان.

<< سأمسكها هذه المرة بالتأكيد.. >>

نطق (وليد) جملته متخذًا وضعية الإستعداد، فقذفت (منى) الكرة ضاحكة، فتلقاها هو بوجهه وسقط أرضًا، فأسرعت إليه متسائلة بقلق:

- (وليد)، أنتَ بخير؟!

لكن ما إن أزالت الكرة عن وجهه حتى هتف مسببًا تفاجؤها، ثم قفزت أصابعه تدغدغها، فأخذت تتلوى مطلقة ضحكاتها، بينما إستطرد هو باسمًا:

- أيتها الماكرة، هذا جزاءك لقذف الكرة بوجهي وتشويه جماله الفريد.

فنطقت ضاحكة محاولة إبعاد يديه:

- آسفة، آسفة لم أقصد، أرجوكَ سامحني.

- لن تكرريها؟

طرح سؤاله، فأومأت بصعوبة من بين ضحكاتها فقط ليتركها:

- أجل أجل.

فتركها لتجلس ماسحة دموعها، قبل أن ترفع عينيها إليه في نفس اللحظة التي لصقت بها الرياح ورقة في وجهه، فإنفجرت ضاحكة من جديد، بينما أزال هو الورقة، وقال متصنعًا الإنزعاج:

- وتجرؤين على الضحك من سيدك؟!

نهضت راكضة وهي ماتزال مستمرة بالضحك:

- لا، أنا آسفة سيدي.

فأخذ يركض وراءها هاتفًا:

- تعالي هنا، يجب أن تنالي جزاءك.

ومن داخل المنزل كانت شبيهة الصغرى تراقبهما وداخلها يختلج شعور مختلط بين الفرح والحزن؛ فمع أن أصوات ضحكاتهما ورؤية تلك البسمة تزين وجهيهما يجعلها تكاد تطير من الفرحة، إلا أن الحزن والألم الذي يخفيانه لوفاة والدهما يكاد يفطِر قلبها، فحتى هي إشتاقت إليه كثيرًا.

- غَسَّان.. ليتك كنتَ هنا.. ما كانت لتشوبَ سعادتنا شائبة.

ألقت عباراتها بإبتسامة وارت حزنها البالغ قابضةً يديها تجاه صدرها، قبل أن تعود لتكمل عملها في المنزل.

وبعد إنتهاء الصغيران من اللعب دخلا المنزل، وأخذا حمامًا سريعًا، ثم جلسا على مائدة الطعام في المطبخ يتناولان عشاءهما مع والدتهما وسط حديثٍ ممتع رسم البسمة على وجوههم..

:::::::

وفي صباح اليوم التالي، فتح وليد زرقاوتيه على صوت شقيقته كالعادة، وقام بروتينه اليومي، ثم خرج مسرعًا بعد أن ودع والدته وشقيقته كي لا يتأخر على المدرسة.

وفي الطريق لمح أمجد يسير ممسكًا كتابه، وبجانبه فتًى آخر يسير معه ويحدثه، فلوح لهما وهو يركض ناحيتهما مناديًا:

- (أمجد)، إنتظرني.

إلتفت الإثنان إلى مصدر الصوت، لينطق (أمجد) بملل وخيبة:

- (وليد).

تسائل الفتى بجانبه مشيرًا إلى (وليد):

- أتعرفه؟!

أومأ إيجابًا، فصرخ الفتى حماسًا:

- رائع!، صديقٌ آخر سينضم للرحلة.

نطق (وليد) بنفس الحماس بعد أن وصل إليهما:

- أليس كذلك؟

فوضع أمجد وجهه في كتابه متنهدًا بيأس:

- بل هو مصيبة أخرى.

بينما صافح (وليد) الفتى مقدمًا نفسه له:

- أنا (وليد)، وأنت؟

رد الفتى:

- (أَنَسْ)، معه في نفس السنة، لكن في صفٍ مختلف.

ألقى كلماته مشيرًا إلى (أمجد) قبل أن يردف بحماس:

- لمَ لا نصير صديقين؟

رد عليه (أمجد) بينما يستدير مكملًا طريقه:

- من الأفضل لك ألا تفعل، وإلا ستنتهي في مشفًى للمجانين أو بأزمة قلبية، وبعدها ستموت .

نطق جملته الأخيرة راسمًا إبتسامة طفيفة على شفتيه لتخيله الراحة التي سيتمتع بها حينها، بينما رد (أنس) نافخًا إحدى وجنتيه:

- على الأقل سأموت وإبتسامة على وجهي.

ورفع صوته ليسمعه مستطردًا:

- أفْضَل من الموت مللًا برفقتك.

ثم إلتفت إلى (وليد)، وسأله مشيرًا إلى (أمجد):

- كيف تورطتَ معه؟

تنهد بقلة حيلة قبل أن يرد:

- جولة للتعرف على المدرسة، ماذا عنك؟

رد بنفس نبرته:

- ماذا أقول؟ إبن خالتي وصديق طفولتي.

- إذا تأخرنا سأقتلكما.

هتف (أمجد) مقاطعًا حديثهما، فركض الإثنان خلفه صارخَين:

- إنتظرنا.

سار (وليد) على يمين (أمجد)، و(أنس) على يساره، وأخذا يتحدثان معُا متجاهلَين وجوده بينهما، فأسرع هو في مشيته متمتمًا:

- أنا من سَيُجَن إن بقي معهما أكثر.

~وفي إستراحة الغداء بالمدرسة~

كان (أنس) يسير وبيده علبة عصير يرتشف ما بداخلها، فلمح (وليد) مختبئًا عند قاعة نادي كرة السلة وتعبير وجهه يدل على أن مصيبة ستحدث.

فإختبأ خلفه هامسًا:

- ماذا تفعل؟!

إنتفض (وليد لقدومه) المفاجيء، لكنه ما لبث أن زفر مرتاحًا لكونه هو، وإستدار ليكمل المراقبة مجيبًا سؤاله بآخر:

- أترى قشور الموز تلك هناك؟

أومأ (أنس) بعد رؤيته لثلاثة منها وسط أرضية الملعب الزلقة، ليردف متفاجئًا:

- مهلًا، لا تقل لي أنكَ تنوي إيقاع المدرب!

قهقه بشغبٍ مجيبًا:

- ومن سيكون غيره؟، إنظر ها هو قادم.

وجه (أنس) نظره داخل القاعة ليرى باب غرفة المعدات يُفتَح ومدرب كرة السلة يدخل إلى الملعب حاملًا صندوقًا كبيرًا بدى ثقيلًا بعض الشيء، ليهتف (وليد) بصوتٍ قلقٍ منخفض بعد ملاحظة ذلك:

- مصيبة!، لم أتوقع هذا، لو سقط هكذا فقد يصاب بالجروح!

وتحت أنظار (أنس) المستغربة والتي لم تتمكن من إستيعاب ما يحدث فجأة إندفع (وليد) داخل القاعة بنية إلتقاط قشور الموز قبل أن يتعثر بها المدرب، لكن وكما يقال:" من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها " فقد إنقلب السحر على الساحر، وبدل أن يلتقط (وليد) القشور زلت قدمه وإنزلق عليها، ليصتدمَ بسلة الكرات فتسقط كلها عليه وتتدحرج على أرضية القاعة.

إنتبه المدرب- والذي لم يستطع رؤية ما حدث بسبب كِبر حجم الصندوق الذي يحمله - ليتسائل:

- ماذا حدث؟!

إرتبك (أنس) حينها، وإندفع إلى الداخل أيضًا لإنقاذ الموقف هاتفًا:

- معلمي لا تتحرك، لقد سقطت الكرات وقد تتعثر بها.

فوضع المدرب الصندوق أرضًا ليتمكن من الرؤية، ةتسال بعد رؤيته الكرات تملأ المكان:

- حقًا؟، غريب! كيف حدث هذا؟

إبتسم (أنس) بإرتباك موجهًا نظره إلى (وليد) الذي تقدم ماسحًا مؤخر رأسه بألم ليقف بجانبه:

- أنا مستغربٌ مثلك!

فضرب المدرب كفيه ببعضهما قائلًا بإبتسامة:

- حسنًا من الرائع أنكما هنا إذن، هيا لننظف هذه الفوضى حتى تساعداني بنقل بعض الصناديق، هكذا سأنتهي سريعًا.

نظر كلٌ من (أنس) و(وليد) لبعضهما بعد إنتهاء جملته راسمَين إبتسامة مرتجفة على شفتيهما تُرثِي لحالهما قبل أن يتبعا المدرب ليبدآ بمساعدته.

وفي نهاية اليوم عاد كلٌ منهما إلى منزله منهكًا ليستلقي على سريره وقد تحطمت كل عظمة في جسمه، لدرجة أنه نام دون تغيير ملابسه.

حسنًا هما يستحقان ما حدث لهما. هذا تمامًا جزاء كل مشاغب يعيش على إزعاج الآخرين.

***

إنتهى

☆☆☆

.

..

لقطة من الفصل القادم:

ولم تمضِ دقائق ثلاثة حتى إرتطمت الكرة بوجه (أمجد)، ليسقط أرضًا ويحرز فريق الصف السادس هدفهم الأول..

مسح حالك الخصلات رأسه بألم محدثًا نفسه بحسرة:

- هذا ما تجنيه عندما توافق أن تكون رئيسًا للصف.

ليسمع صراخ (وليد) الغاضب:

- أنت، ماذا تفعل عندك؟ لمَ سمحت للكرة بالدخول؟

....

كرة!.. فريقٌ يحرز هدفًا!

أوههو! يبدو أن مباراةً شيقة بإنتظارنا..

إتخذوا قراركم من الآن وصوتوا للفائز الذي تتوقعون.

....

الفصل القادم بعنوان:

" مبارة "

...

" إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "

الأحزاب- آية (56)

2021/09/24 · 92 مشاهدة · 1336 كلمة
RainSan
نادي الروايات - 2026