الفصل الاول:
وصول غير متوقع، الجزء 01…
إيونسو!"
صرختُ وأنا أعتدل جالسًا دفعةً واحدة.
كنتُ من النوع الذي ينام بعمقٍ دون أن يصدر عنه أدنى صوت، لذلك لم أستطع أن أفهم لماذا ناديتُ اسم أختي فجأة.
استيقظتُ مذعورًا، لكن جسدي كان يشعر بخفةٍ وانتعاشٍ غريبين.
لم يكن الأمر كشلل النوم، ولم أكن قد نمتُ في وضعيةٍ مزعجة.
"صاحب السمو."
يا إلهي!
انتفض كتفاي تلقائيًا.
التفتُّ نحو مصدر الصوت، فرأيتُ شخصًا غريبًا.
"من أنت؟ وماذا تفعل في منزلي...؟"
"هل نمتَ جيدًا؟"
"عفوًا؟"
ولم يكن شخصًا واحدًا فقط.
كان هناك عددٌ من الغرباء يقفون حولي، يحدقون بي، ولكلٍّ منهم لون بشرةٍ وشعرٍ وعينين مختلف.
أحدهم يحمل شيئًا يشبه طستًا لامعًا، وآخر يحمل منشفةً بيضاء، وثالث...
"بقيت ساعةٌ على موعد الإفطار. ينبغي أن تغسل وجهك وتفرّش أسنانك أولًا."
"عفوًا؟"
حين يُفاجأ الإنسان حقًا، لا يجد ما يقوله سوى:
"عفوًا؟"
وهذا بالضبط ما كنتُ أمرّ به الآن.
هل هذه مزحة كاميرا خفية؟
هل أرسلت إيونسو قصتي إلى إحدى القنوات التلفزيونية؟
بدأ عقلي الذي استيقظ لتوّه يدور ببطء، محاولًا إيجاد تفسيرٍ منطقي.
"يبدو أنك لم تستيقظ تمامًا بعد."
"في الواقع أنا مستيقظ، لكن..."
"لا بد أنك ما زلت متعبًا من رحلتك. من الطبيعي أن يحدث ذلك بعد أن قطعت كل تلك المسافة."
رحلة؟
أيُّ رحلة؟
ما هذا الهراء؟
هل أصبحت برامج المقالب متقنةً إلى هذا الحد هذه الأيام؟
المشهد مفصلٌ أكثر مما ينبغي بالنسبة لشخصٍ لا يفعل شيئًا سوى الذهاب إلى العمل والعودة إلى المنزل.
أين إيونسو؟
هل تراقبني الآن من غرفة تحكمٍ ما؟
"أم... أين أنا؟"
سألتُ بهدوءٍ قدر الإمكان.
لم يكن أمامي الكثير من الخيارات.
فالمكان الذي كنتُ فيه لم يكن غرفتي ولا غرفة الجلوس.
كانت الغرفة وحدها بحجم منزلي كله، وفي وسطها سريرٌ يكفي ليملأ شقةً صغيرة، تحيط به قطع أثاثٍ فاخرة تبدو باهظة الثمن لأي شخص.
وما ذلك الموجود على ورق الجدران؟
أليس ذهبًا حقيقيًا...؟
"يبدو أنك مرهقٌ جدًا."
أجاب الرجل متوسط العمر الذي تحدث أولًا بصوتٍ عملي.
ثم أشار إلى أحد الواقفين بجواره.
فهم الصبي الإشارة فورًا، وسكب ماءً في كأسٍ زجاجية شفافة وقدّمها لي.
"من الأفضل أن تهدئ معدتك أولًا."
"آه... شكرًا."
تناولت الكأس دون تفكير وشربت نصفها دفعةً واحدة.
وعندها فقط أدركتُ مدى حماقتي.
ماذا لو لم يكن ماءً؟
أليس من الممكن أن تكون عملية اختطاف؟
وللدخول في صلب الموضوع...
لقد كان ماءً عاديًا فعلًا.
ولم يكن الأمر اختطافًا، ولا برنامجًا تلفزيونيًا.
بل كان...
تناسخًا.
"آه..."
كان الوجه المنعكس على سطح الماء مختلفًا تمامًا عن وجهي.
والمعجزة الحقيقية أنني استطعتُ تجاوز تلك الصدمة بكلمةٍ واحدة فقط.
أما في داخلي، فكنت أقفز وأصرخ وأثير الضجيج كالمجنون.
حتى إن العرق البارد بدأ يتجمع في كفّي.
"هل نبدّل ملابسك الآن؟"
"...نعم."
أجبتُ مطيعًا بعدما انتهيت من غسل وجهي وتنظيف أسناني.
التصرف بغرابة وإثارة الشبهات، أو المطالبة بالعودة إلى المنزل فورًا، ليس أمرًا يفعله حتى أطفال المرحلة الابتدائية.
كان بإمكاني التذرع بعدم استيقاظي الكامل قبل قليل.
أما الآن فلا.
كان عليّ أولًا أن أفهم وضعي بدقة، ثم أضع خطة.
"اعذرنا يا صاحب السمو."
اقترب مني خادمان شابان وبدآ بمساعدتي على تبديل ملابسي.
في الظروف العادية لما سمحت لغرباء بلمس جسدي.
لكنني كنت مذهولًا أكثر من أن أعترض.
كثيرًا ما تصف الروايات شعور المتناسخين بقولها:
"كان الأمر واقعيًا أكثر من أن يكون حلمًا."
والآن فهمت معنى ذلك تمامًا.
لم أكن بحاجة إلى قرص نفسي لأتأكد أن ما يحدث حقيقي.
ملمس القماش على بشرتي، وحفيف الملابس أثناء ارتدائها...
كل شيء كان واضحًا أكثر مما ينبغي.
"هل تشعر بأي انزعاج؟ لقد صُنعت هذه الملابس على يد خياطي الإمبراطورية مستوحاةً من الملابس اليومية للعائلة الملكية في المملكة المقدسة".
"إنها مناسبة تمامًا، لا مشكلة."
لمستُ كتفيّ وصدري، بينما كنت أعصر ذهني بحثًا عن أي خيط.
من شكل المبنى وأزياء الناس، كان واضحًا أنني في عالم خيالٍ من العصور الوسطى.
استبعدتُ الرواية التي قرأتها بالأمس.
فقد كانت تدور حول شخصٍ استيقظ داخل جسد إمبراطور روماني قديم.
"إليك المرآة."
أمر الرجل متوسط العمر الخدم بإحضار مرآةٍ كبيرة.
أردتُ أن أرى مظهري الجديد بالكامل.
حبستُ أنفاسي قليلًا.
كل ما كنتُ أعرفه من انعكاسي هو أن هذا الجسد ليس جسدي.
لكن إن تمكنتُ من معرفة صاحبه...
فربما أستطيع معرفة العالم الذي سقطتُ فيه.
"...همم."
"هل أعجبك؟"
شعرٌ أشقر لامع.
عينان بنفسجيتان.
قامة طويلة.
وابتسامةٌ مشرقة ترتسم تلقائيًا عند رفع زاويتي الفم.
كان الشاب المنعكس في المرآة وسيمًا إلى درجةٍ لا يمكن إنكارها.
لا...
ما هذا بحق السماء؟
"نعم، شكرًا."
تمتمتُ بإجابةٍ مبهمة.
سواء أعجبتني الملابس أم لا، فإن شخصًا بهذا المظهر يبدو أقرب ما يكون إلى بطل الرواية.
لكن المشكلة أن جميع الأبطال الذين قرأت عنهم تقريبًا كانوا أصحاب شعرٍ أسود.
أما الأشقر، فغالبًا ما يكون صديق البطل أو منافسه أو شخصيةً داعمة مهمة.
أو ربما خصمًا متوسط المستوى.
تنهدتُ بصمت.
ما زلت لا أعرف كيف أعود إلى عالمي أصلًا.
فهل سأُجبر أيضًا على لعب دورٍ مهم في القصة؟
"حسنًا، لنذهب لتناول الإفطار."
أومأتُ بهدوء.
وقبل أن أخطو خطوةً واحدة، ألقيت نظرةً أخيرة على المرآة.
طولي قريبٌ من طولي الأصلي...
انتظر.
"...لقد رأيتك في مكانٍ ما من قبل."
"صاحب السمو؟"
"آه، لا شيء."
تجاهلتُ الأمر وسرت خلف الرجل.
أما الخدم فساروا خلفي.
مررنا بنافذةٍ ضخمة تطل على حديقةٍ واسعة، بينما كنتُ أرتب أفكاري.
أولًا:
الجسد الذي أمتلكه الآن يعود إلى أميرٍ من المملكة المقدسة.
ثانيًا:
هذا الأمير مألوفٌ بشكلٍ غريب، لكنني لا أتذكر من يكون.
ثالثًا:
لا أعرف سبب قدومه إلى هنا.
ولا حتى اسم الإمبراطورية التي أقيم فيها حاليًا.
"من هنا."
فتح الرجل باب قاعة الطعام وقادني إلى طاولةٍ ضخمة.
ثم سحب الكرسي بحركةٍ متقنة.
"ما الذي تود شربه مع وجبتك؟ لدينا أجود أنواع القهوة من جنوب القارة، وأفخر أوراق الشاي من شمالها."
كان اسم الرجل:
بنجامين جيراردان.
وقد عرّف نفسه بأنه المسؤول عن خدم قصر جولييت.
لكن لا الاسم ولا القصر كانا مألوفين لي.
تبًا.
"أود شايًا عشبيًا."
وما إن نطقتُ حتى تذكرت أنني لست في جسدي الأصلي.
ففي عالمي كنت أعاني من التهاب معدةٍ مزمن، لذلك لم أكن أتحمل الكافيين أو الكحول أو حتى المشروبات الغازية.
ولهذا طلبتُ الشاي تلقائيًا كما أفعل دائمًا.
لكن...
هل ينطبق ذلك على هذا الجسد أيضًا؟
للحظة راودتني فكرة حمقاء:
ربما كان عليّ طلب كأس نبيذ.
"...لقد كنتُ مهمِلًا. أفهم."
للمرة الأولى ظهر شرخٌ صغير في وجه بنجامين الهادئ.
أما الخدم من حوله فقد بدوا وكأنهم مذهولون أو منبهرون بشيءٍ ما.
هل الأمر غريبٌ إلى هذه الدرجة لمجرد أنني طلبت الشاي؟
كان الإفطار فاخرًا بصورةٍ لا تُصدق.
خبزٌ طازج.
حساءٌ ناعم كالكريمة.
صلصة لم أتذوق مثلها من قبل.
أطباق لحمٍ شهية.
وفواكه طازجة.
ولأن الأشخاص الذين أيقظوني وغسلوني وألبسوني وأحضروني إلى هنا لا يبدون وكأنهم يخططون لتسميتي، فقد تناولت الطعام براحةٍ تامة.
كان عليّ أن أملأ معدتي كي يعمل عقلي بصورةٍ أفضل.
في النهاية، أحتاج إلى إيجاد طريقةٍ للعودة إلى الوطن.
"لقد أكلتَ بشهية."
قال بنجامين بدهشة.
وعندما انتبهت إلى نفسي، كنتُ أكشط آخر ما تبقى من السلطة بالشوكة.
أحرجني الأمر قليلًا، فأعدت أدوات الطعام بسرعة.
"هاها... يبدو أن الرحلة الطويلة أتعبتني فعلًا."
بعد الإفطار تناولتُ شاي الرويبوس الدافئ.
ثم التهمتُ ثلاث قطعٍ من تارت البيض المحشو بالكاسترد.
حتى إن الخدم أخذوا يطلقون أصوات الإعجاب وهم يراقبونني.
وعندما عدتُ إلى غرفتي، وارتميتُ على الأريكة ولففتُ نفسي بالبطانية، سمعتُ ضحكاتهم الخافتة.
يبدو أن انطباعي الأول لم يكن مهيبًا كما ينبغي لأمير.
"صاحب السمو، هل ترغب في بعض الكتب؟"
"نعم، شكرًا."
وافقتُ فورًا.
فالكتب قد تمنحني أي دليلٍ عن هذا العالم.
لكن بينما كنتُ أفكر، سألتُ بنجامين:
"ما هو برنامجي التالي؟"
تردد للحظة.
ثم قال:
"...لا يوجد برنامجٌ آخر."
ماذا؟
"جلالة الإمبراطور أمر بأن ترتاح اليوم جيدًا، لأنك وصلت متأخرًا الليلة الماضية."
"فهمت. وماذا عن الغد؟"
ساد الصمت.
بدأ الشك يتسلل إليّ.
فأميرٌ أجنبي يقيم في قصرٍ إمبراطوري دون أي نشاطٍ دبلوماسي؟
هذا غير منطقي.
"هل سأبقى مرتاحًا طوال الأسبوع؟"
"نعم."
"إذن هل يمكنني التجول في أماكن أخرى؟"
"أعتذر يا صاحب السمو، هذا مستحيل."
"ولماذا؟"
خفض بنجامين بصره قليلًا.
"إذا شعرت بالملل، يمكنك التنزه في الحديقة."
"هذا مطمئن. وبالمناسبة... هل تعرف موعد عودتي إلى بلادي؟"
ساد الصمت مرةً أخرى.
فهمت.
لقد كان هذا الأمير...
سجينًا.
ربما لم تكن معاملته سيئة.
لكنه كان محبوسًا داخل هذا القصر.
وحيدًا.
بعيدًا عن وطنه.
حتى خروجه للتنزه يحتاج إلى موافقة الآخرين.
عندها ابتسمتُ وقلت:
"أود الذهاب إلى الحديقة حالًا."
أومأ بنجامين.
ثم التفت إلى أحد الخدم وقال:
"اذهب إلى السيد كابوشون في قصر روميرو، وأبلغه أن الأمير جيسي يرغب في التنزه بالحديقة."
قفزتُ واقفًا من مكاني.
وأخيرًا...
وصلتني المعلومة التي كنت أبحث عنها منذ استيقظت.
المعلومة التي جعلت أنفاسي تتوقف.
"جيسي."
ذلك...
هو اسمي.
يتبع….
قناة التلغرام بالتعليقات احطها :
https://t.me/+YIGkeVLt83VmYWU0