بعد معركة طاحنة، لا بدّ من الاستراحة.

اجتمع الجميع حول نار المخيم، يضمدون جراحهم. كان ديلو وباي لي يلقون التعاويذ العلاجية بلا كلل، يسكبون ضوءًا ناعمًا يرمم ما تمزق من اللحم والعظم.

أما فارس النور ، فلم يكن بحاجة إلى سحر الشفاء. النور المقدس الذي يؤمن به كان كافيًا لالتئام جراحه. جلس عند نار المخيم، وجهه جامد كصخرة، يحدق بصمت في اللهب المتراقص، وكأنه يحدّق في ما وراء الزمن.

لم يقل كيف نجا، ولا أحد سأله.

نظرت إليه مالو بامتعاض، وتمتمت لمن بجانبها:

"ألن يقول شيئًا؟ لقد واجهنا ذلك العذاب بسببه."

لكن ليون أشار لها بيده، ملوّحًا أن تصمت.

فهمت مالو إشارته كدعوة للتسامح، فزمت شفتيها واتكأت على تير، متمتمة:

"رئيسنا طيب القلب جداً.."

"هاه؟ آه،" تمتم تير بشرود.

ليون بدوره اكتفى بهز كتفيه. طيب؟ لقد كان هو من يرغب في لكم فارس النور أكثر من الجميع.

احترقت نار المخيم بهدوء، تصدر بين الفينة والأخرى طقطقات ناعمة. الدفء المتدفق منها لم يلامس الأجساد فقط، بل تسرّب إلى أعماق القلوب، يُهدئ من اضطراب الأرواح، كأن كل ذلك الجنون بدأ يتلاشى تحت ضوءها.

الشعلة الأولى هي النار، ونار المخيم هي نار أيضًا.

فإذا كانت نار المخيم تعرض صورًا من الأزمنة القديمة، فهل هذا يعني أنها أثر مقدّس؟ وهل يمكن أن تكون متصلة بالحكام القدماء؟

هل جلس محاربو العصور الغابرة، المنهكون بعد معارك طاحنة، حول نار مثلها، يشدّون أنفاسهم كما نفعل نحن؟

تعمقت هذه الفكرة في رأس ليون، وأيقظت في داخله شوقًا جارحًا نحو عصر النار. ربّما، فقط في ذلك العصر، لم يُقهر الضعفاء؟

لكنه يعلم أن ما يراه يوتوبيا نقيّة ما هو إلا نتاج ماضيه...

"تبقى لي شهرٌ لأعود إلى المنزل... لأواجه أختي ووالدي."

ثم صوّب أفكاره:

"لا، ليس لأُثبت شيئًا، بل..."

لكن قبل أن يُكمل، جاءت ستِلاين، وقد ضاقت ذرعًا بإزعاج ميلغا، وجلست بجانب ليون، وأخرجت من حقيبتها رماد الحرب: الطعنة السريعة.

"ما هذا؟" سأل ليون وهو يتأمل الغرض الغريب.

"سقط بعد هزيمة تجسيد الطعنة السريعة. يبدو أنه مهارة قتال... يمكنك دمجها مع سلاحك لاستخدامها،" قالت ستِلاين وهي تمده بها، "لقد حميتني في المعركة... يجب أن تكون لك."

أخذ ليون الرماد بتردد، مسترجعًا مشهد القتال. لا شك أن "الطعنة السريعة" كانت مهارة مخيفة، تمنح القدرة على الحركة، والمناعة اللحظية، والقمع الفوري.

لكنه هزّ رأسه قائلًا:

"الجميع ساهم في القتال. لا يحق لي أخذ الغنيمة وحدي. يجب أن نقرّر جميعًا."

لكن روجر أطل برأسه وقال مبتسمًا:

"أنا أمتنع! خذها أيها الفتى، أنت وستِلاين قاتلتما التجسيد وحدكما."

باي لي أومأ موافقًا. رغم اهتمامه بمبدأ استخدام الرماد، إلا أنه لم يُساهم كثيرًا في ذلك القتال.

ميلغا رمق ستِلاين بنظرة فارغة، تعني: "افعلوا ما شئتم."

أما الراهب الناري، فقد آمن دومًا بالرضا، وكان ما ناله من هذه الرحلة - اكتشافه أن العالم خُلق من النار - كافيًا ليغنيه عن أي غنيمة.

وفارس النور ؟ لم يكن يملك حتى الجرأة على النظر إليهم.

لكن ليون ظل مترددًا:

"...لكن—"

"قلت خذها!" قطعت ستِلاين تردده بوجه صارم، ودست الرماد في يده دون نقاش، ثم هرعت إلى نار المخيم لتبحث في خيارات التطوير.

أمسك ليون بالرماد، غير قادر على الرد، بينما راح روجر يغمز له ضاحكًا:

"لن تفوز بقلب أي فتاة بهذه الطريقة يا فتى. هل أعلّمك بعض الحِيَل بعد أن نخرج؟"

لكن مالو قفزت أمام ليون، تحدّق في روجر بعينين محذّرتين، ما جعل الأخير ينفجر ضاحكًا.

بعد نصف ساعة من الراحة، بدأوا يتحركون مجددًا. وصلوا إلى الطبقة الوسطى، وكانت غابة باسقة، مغمورة بالحياة، تعجّ بالألوان والضباب الخفيف.

تولّت ستِلاين القيادة مؤقتًا، لكنها لم تتذكر إلا الاتجاهات العامة، ولم تكن واثقة من موقع مذبح الشمس.

ورغم أن قوة الوحوش زادت بفعل "عهد الطاغية"، إلا أن الفريق كان متماسكًا كفاية ليواصل التقدم بسلاسة.

في الطريق، كان روجر في غاية البهجة، كونه باحثًا في الوحوش. كان يرسم مخلوقًا غريبًا يُشبه الدودة الخضراء، حين التقط من العشب كرة حمراء وبيضاء، أشبه بكرة بوكيمون.

لم يعرف ما هي، فحشرها في جيبه وأكمل طريقه.

وأخيرًا، تحت إشراف ستِلاين، وجد الفريق شيئًا... لكن لم يكن مذبح الشمس.

بل... عشًا للوحوش.

"آآآرغ!" زأر قرد الحارس، يقود حشدًا من قرود السيف المزدوج نحو الفريق.

"أردتُ مذبح الشمس... فوجدتُ وكر موت!" تهاوت معنويات ستِلاين، ظنّت أنها تسببت في كارثة.

لكن ليون، وهو يرى عدوه اللدود، تلمع عيناه، وتقدّم بحماس، مشمرًا عن ساعديه.

وبعد عدة جولات، قاتل ليون بكامل قوته، وتمكن من قتل قرد الحارس بيديه. كان قد طلب من رفاقه أن يكتفوا بقتل الوحوش الصغرى فقط.

"لا تتراخوا. هذا الوحش يمكنه النهوض دون رأسه!" قالها ليون وسحب لفافة سحرية مشحونة بالنار، كان قد احتفظ بها خصيصًا لهذا المخلوق.

وأمطرت النار على جثة الوحش كما لو أن لفافات النار بلا نهاية. احترق المسكين إلى رماد منسي قبل أن يتمكن من الدخول في مرحلته الثانية.

قالت مالو وهي تداعب خاتمها:

"لقد عاد خاتم إليّ..."

خاتم فقدته سابقًا، وعاد إليها الآن.

وحين سقط قرد الحارس، أطلق روح القرد، فقام الفريق برمية نرد لتحديد صاحبها، وانتهت، مرة أخرى، في يد ليون.

والمفاجأة الحقيقية حدثت لاحقًا، حين ابتعدوا شرقًا قليلًا، ووجدوا...

مذبح الشمس!

"إذاً لم أكن مخطئة!" قالت ستِلاين ودموع الفرح تكاد تغلبها.

"هل هذا هو مذبح الشمس؟" تساءل ليون وهو يدور حول البنية الحجرية. كيف لمبنى عادي كهذا أن يمنح الناس لقب محارب شمس؟

وما إن اقترب، حتى ظهرت أمامه عبارة متوهجة في الهواء:

"هل ترغب في عقد عهد لتصبح محارب شمس؟"

ومن باب الحذر، لم يضغط على "نعم".

عندها أشار روجر إلى تمثال متهدم فوق المذبح:

"لكل عهدٍ كائنٌ يُعقد باسمه. ربما هذا كان الوسيط. للأسف التمثال مدمر، ولا يمكننا تحديد من هو الحاكم الذي يمثلّه."

"وهل هذا يحتاج لتفكير؟ إنه حاكم النار، طبعًا!" هتف الراهب الناري بحماسة:

"سأجلب جميع أتباع النار إلى هنا! سنعقد العهد مع الربّ الناري!"

وبدون تردد، اختار "نعم"، وأصبح رسميًا محارب شمس.

"..."

صمت روجر وهو يداعب لحيته. كان التمثال يذكّره بشيء... يشبه "غوين" من الصور القديمة، لكنه ليس مطابقًا تمامًا.

ربّما كان حاكمًا آخر. من قال إن العصور الغابرة اقتصرت على من شاهدناهم فقط؟

"لدي شعور أن الشيوخ في الجمعية سيفقدون صوابهم حين يعرفون بهذا المكان."

وبينما الكل يناقش المذبح، لمحت ستِلاين سطرًا آخر ينبثق أمامها:

"هل ترغب في تقديم عشر شارات شمسية مقابل مكافأة العهد؟"

2025/07/11 · 40 مشاهدة · 961 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026