بالرغم من سريان الخوف في عروقها، تبادلت ماريس نظرة مع أمبرين، وفي تلك النظرة الواحدة، قيل كل شيء. لقد كانتا فاقت قدرتيهما، واستنفذت قواهما، ولم يبقَ لهما سوى رمقٌ أخير. ومع ذلك، وجدتا في بعضهما العزمَ والإصرار.
شدت ماريس على يد أمبرين، ومنحتها دفء أصابع صديقتها، رغم ارتعاشها، شعورًا بالثبات. همست قائلة: “لن نستسلم”، وكان صوتها بالكاد مسموعًا وسط التوتر الذي بدا وكأن الكرب يثقله. أومأت أمبرين برأسها، وفكها مشدود، وعيناها ضاقت بتلك النظرة المتوقدة التي لم تكن تجيدها سوى أمبرين، حتى عندما بدت كل الآمال محطمة. كان لهيب إفريت يرقص خافتًا على أطراف أصابعها، كأنه يعكس ضعف طاقتها، لكنه يبرز روحها التي لا تقهر.
أخذت ماريس نفسًا عميقًا مضطربًا، كان عقلها مغيمًا بالإرهاق، لكنه كان واضحًا في أمر واحد — لديهما بعضهما البعض، وهذا كان كافيًا لتستعد لقتال حياتها. وقفا شامختين، وأيديهما متشابكة بقوة، في مواجهة الرجل ذي العباءة أمامهما. أمال رأسه قليلًا، واتسعت ابتسامته، بدت مظلمة وساخرة.
خرجت ضحكة من شفتيه، خافتة كأنها هديرٌ يتردد صداه في القاعة، وكأن الجدران ذاتها تضحك معه. ثم، رفع يديه ببطء، وكانت حركاته أقرب إلى المسرحية. بدأت المانا المظلمة تلتف حوله، كثيفة ولزجة، كظلال حية تتلوى وتتكشف، تمتد من جسده كأنها تسعى لالتهام كل ما يعترض طريقها. لم تكن مجرد مانا — شعرت ماريس بالفرق. كانت شيطانية، وتبعث طاقة شريرة جدًا، خبيثة، لدرجة أن جسدها كله تجمد، واضطربت معدتها.
حبست ماريس أنفاسها، وشعرت بركبتيها تضعفان. ازداد الضغط في الغرفة عشرة أضعاف، وكأن الهواء يُسحب منها، ليحل محله شيء مظلم وثقيل، يملأ رئتيها كقطران. ابتلعت ريقها بصعوبة، متذوقة طعم الصفراء في حلقها، تكافح غثيانًا يكاد يجرفها. ضغطت الطاقة الكابتة عليهما، تنهش جلدها، وتعتصر أحشاءها، وتلامس كينونتها، وشعرت بجسدها يرتعش تحت ثقلها.
بجانبها، كانت أمبرين تكافح كذلك. كانت أسنانها مشدودة، وجسدها كله متوتر، ورأت ماريس لمعان العرق يتجمع على جبينها، وهالتها المتوهجة تومض كشعلةٍ توشك على الانطفاء. لكن أمبرين لم تترك يد ماريس. تشبثت بها، وتشبتت ماريس بها أيضًا. لقد قطعتا شوطًا طويلًا جدًا، وواجهتا الكثير، للاستسلام الآن. حتى لو رغبت أجسادهما في الانهيار، سيصمدان.
“هاهاهاها! حسنًا!”
ازدادت ضحكات الرجل ذي العباءة، تتردد، ويتردد صداها في القاعة حتى بدا أن الصوت نفسه يضغط عليهما، وكل نغمةٍ من استمتاعه تذكرهما بضآلتهما مقارنة بالقوة التي كانت أمامهما. رفع يديه أعلى، وازدادت الظلال قتامة وكثافة، تلتف حوله بسرعة أكبر، تملأ القاعة حتى كادت ماريس لا ترى شيئًا يتجاوز كتلة الظلال والخطوط الخافتة لابتسامته الملتوية.
شدت ماريس على يد أمبرين بقوة أكبر، وكاد الخوف يسيطر عليها تمامًا الآن، وصرخات جسدها تحثها على الفرار، على الاختباء، على النجاة من هذا الكابوس. لكن لم يكن هناك مكان تذهبان إليه، ولا مخرج. كان عليهما مواجهة هذا، مهما بدا يائسًا.
“أمبرين،” همست، وصوتها يرتعش، وعيناها تلمعان نحو صديقتها. نظرت أمبرين إليها، وعيناها واسعتان، لكنهما مليئتان بتلك العزيمة التي لا تلين والتي أعجبت بها ماريس كثيرًا. كانت خائفة — كلاهما كذلك — لكنهما لن تستسلما. ليس الآن. ليس أبدًا.
بدت المانا المظلمة حول الرجل ذي العباءة تنبض، وكل موجة طاقة كانت كنبضة قلب، كيان حي يتنفس ولا ينبعث منه سوى الخبث والجوع. شعرت ماريس أنها تشدها، كأنها تحاول استنزاف جوهر وجودهما. تلاشت رؤيتها، وارتعشت ساقاها وهي تكافح للبقاء واقفة. لكنها لن تسقط. لن تمنحه هذه الفرصة.
فجأة، اشتعلت النيران في المواقد التي كانت تملأ الجدران، انفجار عنيف من نار سوداء ألقى ظلالًا طويلة وملتوية عبر الغرفة.
فوش!
التفتت كل من ماريس وأمبرين برأسيهما، ووسعتا عينيهما بدهشة. كانت النيران السوداء تلتوي وتتلوى، وتنمو لتصبح أطول، وتشكل صورًا أقرب إلى الواقع. ظهرت أشباح من اللهيب، وتحددت أشكالها ببطء مع خروجها من النار، وتتطاير عباءاتهم حولهم كأنها امتداد للظلال.
خرجت أربع شخصيات، وكانت أجسادهم ملفوفة في عباءات مظلمة شبيهة بتلك التي يرتديها الرجل الذي كانوا يواجهونه. كل واحد منهم يحمل هالة من السلطة، قوة بدت وكأنها تنافس الرجل الذي كان واقفًا أمامهم بالفعل. ازدادت الطاقة الكابتة التي ملأت الغرفة تضاعفًا، ضاغطة على ماريس وأمبرين حتى شعرتا بأنهما بالكاد تستطيعان التنفس.
ركضت عينا ماريس بين الوافدين الجدد، وقلبها يخفق في صدرها. من هم؟ ماذا يريدون؟ لماذا هم هنا؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، وفمها جاف، وعقلها يركض بأسئلة ليس لديها إجابات لها.
تقدمت إحدى الشخصيات، وبدا أن الهواء حولهم يسكن، وتقل الطاقة الكابتة قليلًا، رغم أن الإحساس بالخطر ظل ملموسًا. رفعت الشخصية يدًا، دفعت غطاء الرأس إلى الوراء بما يكفي لتكشف عن وجه مظلل، ووميض عينين يكاد لا يُرى من تحتها.
“ماذا تظن أنك تفعل؟” سألت الشخصية، بصوت عميق وسلطوي، وكل كلمة تحمل ثقل الأمر. كانت النبرة حادة، شبه مؤنبة، شقت الغرفة كحد السكين، وانحسرت الطاقة الكابتة قليلًا.
خمدت ضحكات الرجل ذي العباءة، وتلاشت ابتسامته بينما استدار ليواجه الوافد الجديد. بدت الظلال حوله تتراجع، وتتسلل نحو جسده بتأنٍ وهو يراقب الشخصية أمامه. كان الانزعاج واضحًا في وقفته، في طريقة إمالة رأسه، في شد كتفيه قليلًا، وفي إنزاله ليديه ببطء.
“لن يسعد السيد إذا واصلت اللعب،” تابعت الشخصية، ونبرتها لا تترك مجالًا للنقاش. “لدينا أوامر، وأنت تضيع الوقت.”
نقر الرجل ذي العباءة بلسانه، كان الصوت حادًا، يكاد يكون طفوليًا. أنزل يديه بالكامل، وتبددت المانا المظلمة المتصاعدة، مما جعل القاعة تبدو أقل اختناقًا قليلًا، على الرغم من أن الهواء كان لا يزال ثقيلًا بالتوتر.
“حسنًا،” قال الرجل ذي العباءة، وصوته يمتلئ بالإحباط، وقد اختفت ابتسامته تمامًا، وحل محلها نظرة قبول مترددة. تراجع خطوة، وتحولت عيناه من الشخصيات الأربع إلى ماريس وأمبرين، ووميض من شيء يشبه خيبة الأمل عبر وجهه. “لكنك تفسد كل المتعة.”
أطلقت ماريس نفسًا مضطربًا، وارتعشت ساقاها تحتها، وبدا أن جسدها كله على وشك الانهيار. بدا أن الأدرينالين الذي أبقاها واقفة يتلاشى، مخلفًا وراءه فقط الإرهاق والألم. لكنها أبقت عينيها على الوافدين الجدد، وقلبها لا يزال يخفق، والخوف يرفض التخلي عنها. من هؤلاء الناس؟ ولماذا هم هنا؟
تقدمت أمبرين خطوة أقرب إلى ماريس، وما زالت يدها تمسك بقوة بيد صديقتها، وعيناها تضيّقان وهي تنظر إلى الشخصيات الأربع. همست: “من هم؟” كان صوتها بالكاد مسموعًا، ونظرتها تتأرجح بين الوافدين الجدد والرجل ذي العباءة الذي يقف الآن جانبًا.
تقدمت الشخصية التي تحدثت من قبل مرة أخرى، وعيناها مخفيتان تحت ظل غطاء رأسها، وحضورها سلطوي وهي تنظر إلى ماريس وأمبرين. لم يكن في وقفتها أي تسلية، ولا ابتسامة ساخرة، ولا تلميح استخفاف. فقط نية باردة ومحسوبة.
“يجب أن تعتبرن أنفسكما محظوظتين،” قالت الشخصية، وصوتها يحمل في أرجاء القاعة، وكل كلمة واضحة ودقيقة. “لولا تدخلنا، لكان مصيركما قد حُسم بطريقة بشعة على يد هذا الرجل.”
ابتلعت ماريس ريقها بصعوبة، وحلقها جاف، وجسدها يرتعش وهي تكافح لفهم ما يحدث. رفض الخوف الذي قبض على قلبها أن يحرر قبضته، وشعرت بساقيها على وشك الانهيار تحتها. لكنها لم تستطع الانهيار الآن. ليس مع وجود هذه الشخصيات الخمس أمامهم.
تقدم الوافدون الأربعة الجدد، وشكلوا خطًا بجانب الرجل ذي العباءة، مما جعل وجودهم المشترك يجعل القاعة تبدو أضيق، والهواء أكثر اختناقًا. استمرت النيران المظلمة في المواقد في الاشتعال، وألقت ظلالًا طويلة متذبذبة بدت وكأن لها حياة خاصة بها، والنار السوداء تضيء الشخصيات الخمس التي وقفت الآن معًا، وعباءاتهم المظلمة تمتزج بالظلال. [ ترجمة زيوس]
نظرت الشخصية الرئيسية مباشرة إلى ماريس وأمبرين، ونظراتها الثاقبة، رغم أن وجهها ظل مخفيًا تحت غطاء رأسها. شعرت ماريس بثقل تلك النظرة، وكأنها تستطيع رؤية كل شيء فيها، وكأنها تستطيع قراءة روحها. بدا التوتر في الغرفة يتزايد، والصمت ثقيلًا، والصوت الوحيد هو صوت احتراق النيران السوداء.
“الآن أخبراني،” قالت الشخصية الرئيسية، وصوتها بارد وآمر، وعيناها مثبتتان على ماريس وأمبرين. “فمن تكونان أنتِ وصاحبتك لتتنفسان في حضرتنا؟”
علقت الكلمات في الهواء، وكان التحدي واضحًا، والتهديد لا يمكن إنكاره. شعرت ماريس بيد أمبرين تشد على يدها بقوة أكبر.
لكن بعد ذلك.
في تلك اللحظة بالذات.
توقف الرجل عندما رأى وجه أمبرين بوضوح.
“أنتِ…”
“أنتِ ابنة بوليم…”