قدمت أمبرين بقوة على الأرضية الحجرية الباردة، وراحت أنفاسها تتقطع في شهقات متسارعة وهي تندفع عبر الردهة الكبرى في إيثيريون. كان قلبها يخفق بعنف في صدرها، كل نبضة ترن كقرع الطبول، وجسدها كله تدفعه فكرة واحدة طاغية: الفرار.

________________________________________

كانت الأطياف تلاحقها من الخلف، وعيونها الجوفاء تتوهج بضوء غير طبيعي، بينما همساتها تتعالى، تتردد في ذهنها كجوقة من الملعونين. لم تجرؤ على النظر إلى الوراء، لكنها كانت تشعر بوجودها يضغط عليها بلا هوادة في مطاردتها، كما لو أنها تتغذى على خوفها، تقترب أكثر مع كل لحظة تردد.

فجأة، لمحَتْ أمامها موقدًا آخر، تتلألأ ألسنة لهيبه الخضراء الغريبة بضوء من عالم آخر. كانت هذه فرصتها الوحيدة للنجاة. دون أن تبطئ خطوها، ألقت أمبرين بنفسها نحوه، وأغمضت عينيها بإحكام وهي تقفز داخل اللهيب.

سرعان ما اجتاحتها تلك الحواس المألوفة والمربكة للنقل الآني، فالتوى جسدها بينما تحوّل العالم من حولها. تعثرت خارج الموقد، وكادت ساقاها تخوران تحتها وهي تهبط في ممر آخر.

كان الممر يختلف عن سابقه؛ فقد زُيِّنَ بزخارف متقنة، وتُوجت جدرانه بلوحات لشخصيات منسية منذ زمن طويل، بدت عيونها وكأنها تراقبها وتُقَيِّم وجودها. تعلقت الثريات في الأعلى، تلقي أضواؤها ظلالًا متلألئة بدت وكأنها تتحرك وتتغير، كما لو كانت حية.

بالكاد وجدت أمبرين وقتًا لاستيعاب محيطها قبل أن تعود الهمسات من جديد، أكثر علوًا واقترابًا. التفتت، اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى الأطياف تخرج من الموقد، تتوهج أشكالها، وتتثبت عيونها عليها.

“أيها الحكام،” همست، بينما اجتاحها الذعر في عروقها. انطلقت تجري من جديد، تضرب قدماها الأرض بقوة، تتلفت عيناها يمنة ويسرة، بحثًا عن مخرج. كان عقلها مشوشًا من الخوف والإرهاق، وجسدها يؤلمها مع كل خطوة.

جمعت ما تبقى لها من سحر ضئيل، وتشنجت أصابعها بالطاقة وهي تستدير، تلقي كرة من اللهب نحو الأطياف. انطلق اللهب في الهواء، ينير الممر للحظة وجيزة قبل أن يمر عبر الأطياف بلا ضرر، ويتبدد في العدم.

غاص قلب أمبرين، وتزايد يأسها. حاولت مرة أخرى، مستخدمة هذه المرة نفحة من الريح لتدفعهم إلى الخلف، لكن الأمر كان كما لو أنهم غير موجودين. تحركت الأطياف عبر الريح دون تردد، وعيونها الجوفاء مثبتة عليها، وهمساتها تتعالى، وتزداد إلحاحًا.

“لماذا لا تتركونني وشأني؟!” صرخت أمبرين، وصوتها يتصدع، بينما تحول خوفها إلى إحباط. لم تُجب الأطياف بطبيعة الحال، وظلت أشكالها تقترب منها أكثر فأكثر. شدّ صدر أمبرين، وتوقفت أنفاسها في حلقها. لقد نفدت خياراتها، فسحرها كان عديم الفائدة، وطاقتها تتلاشى، كان عليها أن تجد طريقة أخرى.

لمحت أمامها موقدًا آخر، تتلألأ ألسنة لهيبه الخضراء بدعوة مغرية. دون تردد، ألقت بنفسها في اللهيب، فتحوّل العالم من حولها مرة أخرى. هبطت في ممر آخر، تصطف على جانبيه أبواب مزخرفة، كل منها منحوت برموز معقدة بدت وكأنها تتحرك وتتغير مع نظرها إليها. كان الهواء كثيفًا بالسحر، وطاقته تضغط عليها، مما صعّب عليها التنفس.

تجوّلت عينا أمبرين، تتنقل من باب إلى آخر. كانت تسمع الهمسات تتعالى، والأطياف لا تزال تلاحقها. لم يكن هناك وقت للتفكير، ولا وقت للاختيار بعناية. اندفعت نحو أحد الأبواب، ترتجف يداها وهي تدفعه وتتعثر بالداخل.

أغلقت الباب خلفها بقوة، وارتفع صدرها بلهث، وعيناها واسعتان من الخوف. ألصقت ظهرها بالباب، و قبضت أصابعها على المقبض بإحكام، كما لو أن حياتها تتوقف على ذلك.

كانت الهمسات في الخارج مباشرة، والأطياف تخمش الباب، يضغط وجودها على عقلها، مهددًا بإغراقها. أغمضت أمبرين عينيها، وتتابعت أنفاسها في شهقات متقطعة، وجسدها كله يرتعش. كانت تشعر بهم، طاقتهم تتسرب عبر شقوق الباب، والهواء يزداد برودة وثقلًا. لم تكن تعرف كم ستصمد بعد، أو كم من الوقت يمكنها إبعادهم.

“ابتعدي عن الباب.”

كان الصوت باردًا، آمرًا، يشق الفوضى كحد السيف. انحبست أنفاس أمبرين في حلقها، وتوقف قلبها لحظة. التفتت، واتسعت عيناها وهي ترى الأستاذ درافن واقفًا في منتصف الغرفة، وعيناه مثبتتان عليها. كان حضوره مهيبًا كعادته، وتعبيره لا يُقرأ، وعيناه باردتان وحادتان بينما استوعب المشهد أمامه.

شعرت أمبرين بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، حلّ محل خوفها للحظة نوع آخر من القلق. خطت خطوة مهزوزة إلى الأمام، وصوتها بالكاد يُسمع: “رجاءً… ساعدني.”

لم يُجب درافن على الفور. بدلًا من ذلك، رفع يده، وضاقَتْ عيناه قليلًا. شعرت أمبرين بقوة غير طبيعية ترفعها عن الأرض، فطفى جسدها للحظة قبل أن توضع بلطف على الجانب الآخر من الغرفة. شهقت، وجسدها يرتعش، وعيناها مثبتتان على درافن وهو يخطو نحو الباب، لم تفارقه عيناه الأطياف.

فتح الباب بحركات بطيئة، ومتأنية. تجمّدت الأطياف في مكانها، وعيونها الجوفاء تتثبت عليه. صمتت الهمسات، وتبددت الطاقة القمعية في الغرفة قليلًا. كان صوت درافن باردًا، مفعمًا بسلطة لا تترك مجالًا للجدال.

“اختفوا.”

أطاعت الأطياف على الفور، وتلاشت أشكالها في العدم، وأصبح الممر خلف الباب فارغًا مرة أخرى. أغلق درافن الباب بموجة من يده، فصدر عن الخشب صرير خفيف عند إغلاقه، ونقر القفل في مكانه بحسم جعل قلب أمبرين يتوقف للحظة.

[ ترجمة زيوس] [واصل ملحمتك على إمبراطورية مكتبتي الافتراضية]

التفت إليها مجددًا، ونظراته لا تزال باردة، وتعبيره لا يُقرأ. ابتلعت أمبرين ريقها بصعوبة، وكان قلبها يخفق بعنف في صدرها، وترتجف يداها إلى جانبيها. لم تكن تعرف ما تقوله، ولا كيف تفسر ما حدث، ولماذا كانت هنا. عاد درافن إلى منتصف الغرفة، وعاد اهتمامه إلى الكتاب الذي كان يقرأه قبل وصولها.

امتد الصمت، ثقيلًا ومزعجًا، يضغط ثقل حضوره عليها. أخذت أمبرين نفسًا متقطعًا، وصوتها بالكاد مسموع: “شكرًا لك… أيها الأستاذ.”

لم يرفع درافن عينيه عن كتابه، وكان صوته جافًا، غير مبالٍ: “لا تشكريني. ما كان ينبغي لكِ أن تكوني هنا من الأساس.”

أومأت أمبرين رأسها، واحمر وجهها خجلًا. خفضت نظرها، وقبضت أصابعها على جانبيها. كانت تعلم أنه محق، لكن الخوف والارتباك كانا لا يزالان يسيطران عليها، مما صعّب عليها التفكير بوضوح. لم يكن لديها أي فكرة عن كيف انتهى بها المطاف هنا، ولا لماذا تبعتها الأطياف، ولماذا كان سحرها عديم الفائدة ضدهم. كان الأمر كما لو أن كل ما تعرفه، وكل ما تعلمته، قد خذلها.

كان وجود درافن تذكيرًا بفشلها، ونظرته الباردة مرآة تعكس أوجه قصورها. كان يمتلك كل ما لا تملكه هي؛ الهدوء، والاتزان، والسيطرة. لقد واجه الأطياف دون تردد، دون خوف، وكان أمره كافيًا لجعلها تختفي. كان هذا تناقضًا صارخًا لذعرها ويأسها، مما جعلها تشعر بالضآلة وعدم الأهمية.

استمر الصمت، وكان الصوت الوحيد هو حفيف الصفحات الخفيف بينما يقلبها درافن، وتركيزه كله على كتابه. غيرت أمبرين وضعيتها، وتجوّلت عيناها في الغرفة، وعقلها يدور بسرعة. كانت بحاجة إلى قول شيء، أي شيء لكسر الصمت، لتثبت أنها ليست عديمة الفائدة تمامًا. لكن الكلمات لم تأتِ، وكان حلقها متشنجًا، وعقلها فارغًا.

أخيرًا، أغلق درافن كتابه، وتردد صوته في الغرفة كحكم نهائي. رفع رأسه، والتقت عيناهما، وكانت عيناه باردتين وغير قابلتين للقراءة كالعادة.

“ماذا تفعلين هنا يا أمبرين؟”

كان صوته هادئًا، شبه منفصل، لكن كان هناك حدة فيه، ثقل جعل معدة أمبرين تلتوي. فتحت فمها لتجيب، لكن الكلمات لم تأتِ، وكان عقلها مشوشًا من الخوف والارتباك. لم يكن لديها جواب، ولا تفسير، لا شيء يمكن أن يفسر ما حدث.

لم تحِدْ نظرة درافن، وعيناه حادتان، ثاقبتان، كما لو كان بإمكانه الرؤية من خلالها، رؤية كل شك، كل خوف، كل فشل. ابتلعت أمبرين ريقها بصعوبة، وقلبها يخفق بعنف، وترتجف يداها إلى جانبيها. لم تكن تعرف كيف تجيبه، لم تكن تعرف كيف تشرح ما حدث، ولماذا انتهى بها المطاف هنا.

كل ما كانت تعرفه هو أنها كانت خائفة، وأنها قد فشلت. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، أرعبها.

2026/03/19 · 3 مشاهدة · 1121 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026