أطلقت أمبرين أنينًا خافتًا وهي تنهض عن الأرض، دالكةً ذراعيها المتألمتين. لقد سقطت بقوة فاقت توقعاتها، فانتفض جسدها بالألم احتجاجًا على ذلك. ألقت نظرة حولها مستوعبةً أخيرًا ما يحيط بها.
كانت غرفتها في إيثيريون تفوق كل ما تخيلته من فخامة، تناقضًا صارخًا مع الفوضى العارمة التي واجهتها قبل ساعات قليلة. امتد السجاد الناعم والسميك ليغطي أرضيتها الحجرية، فكان ملمسه يبعث على الراحة تحت قدميها العاريتين. لم تتمالك أمبرين نفسها من تمرير أصابع قدميها فوق النسيج الوثير، لتفلت من شفتيها تنهيدة خفيفة من الارتياح.
وقف سرير ضخم في أحد أركان الغرفة، إطاره منقوش بتصاميم معقدة تماثل الزخارف على الجدران. كانت الأغطية وفيرة ووثيرة، وبدت وكأنها ستبتلعها بالكامل لو سقطت فيها. انتشرت وسائد ناعمة كثيرة على رأس السرير، رمشت أمبرين عند هذا المنظر، أدرك جسدها فجأة مدى اشتياقه لتلك الراحة.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهها: نافذة ضخمة تحتل جدارًا كاملاً تقريبًا. ببطء، تقدمت نحوها، قلبها يقرع في صدرها وهي تنظر إلى الخارج. حبس أنفاسها عند المنظر الذي بدا أمامها، فالنافذة تطل مباشرة على المحيط الذي يحيط بإيثيريون، عالم تحت الماء لم يسبق لها أن رأت مثله قط.
أسراب من الأسماك المتوهجة تسبح ببطء، أجسادها تتلألأ بالزرقة والخضرة والوردية، وحركاتها انسيابية ورشيقة، وكأنها ترقص في الماء. في الأفق، استطاعت تمييز أشباح أكبر، ظلال ضخمة تتحرك ببطء متعمد. كان الأمر مخيفًا، تلك الطريقة التي تلوح بها خارج مدى الرؤية، لكن في الوقت نفسه، كان هناك شيء يبعث على السكينة.
ضغطت أمبرين يدها على الزجاج البارد، عيناها واسعتان من الدهشة، فلم تر شيئًا كهذا من قبل. كان المحيط حيًا، نابضًا بالحياة، عالمًا خفيًا بدا وكأنه يمتد إلى الأبد. كادت تشعر بثقله، شساعة الماء الذي يحيط بها، ورغم ذلك لم يخفها.
بل شعرت بالسلام، فالأعماق الهادئة تهب السكينة لأعصابها المرهقة. نظر انعكاسها في الزجاج إليها، عيناها واسعتان، شفتاها مفتوحتان بذهول. “ربما الإقامة هنا لن تكون بهذا السوء،” همست لنفسها. إيثيريون، بكل ألغازه ومخاطره، لا يزال يحمل جمالًا لا يمكن إنكاره. كان هناك شيء ما في العزلة، في الشعور بالانفصال عن بقية العالم، جعله يثير لديها فكرة التركيز هنا، والتركيز حقًا.
‘ربما يمكنني أخيرًا تحقيق شيء ذي شأن، بعيدًا عن كل المشتتات الأخرى،’ فكرت. ‘أن أنمو أقوى، أذكى، وأكثر كفاءة، لأصبح شخصًا لا تتلاعب به أهواء السحر والقدر.’
ابتعدت أمبرين عن النافذة، تاركة الستائر تسدل مكانها، وواصلت استكشاف الغرفة، عيناها تتجولان من زاوية لأخرى. وجدت مكتبًا صغيرًا، مجموعة من أقلام الحبر والأوراق مرتبة بعناية فوقه. وقف رف كتب ملاصقًا للحائط، ممتلئًا بالكتب العتيقة، كعوبها بالية، وبعض عناوينها باهتة لدرجة عدم التمييز.
مررت أصابعها على الرفوف، تثيرها فضولها بسبب قدم الكتب الهائل. ‘من تركها هنا؟ وكم شخصًا أقام في هذه الغرفة قبلها؟’ تساءلت في سرها.
وقفت خزانة ملابس على الجدار المقابل، أبوابها مواربة قليلًا. داخلها، وجدت أردية منسوجة بدقة، كل واحد منها أكثر أناقة من الآخر؛ لم تكن فاخرة، لكن جودتها لا يمكن إنكارها، كانت بسيطة ومريحة، ومثالية للدراسة.
سحبت أمبرين أحد الأردية، مستشعرة النسيج ينزلق بين أصابعها، كان ناعمًا وباردًا، وبعيد كل البعد عن العباءة الثقيلة والبالية التي كانت ترتديها منذ وصولها.
في الطرف البعيد من الغرفة، لاحظت بابًا صغيرًا. فتحته أمبرين بحذر، اتسعت عيناها دهشةً عندما وجدت حمامًا خاصًا خلفه. حوض رخامي يجلس فوق قاعدة منحوتة، وبجانبه دش بدا مسحورًا.
لوت المقبض، فشاهدت بذهول تدفق الماء الدافئ بسهولة، والبخار يتصاعد في الهواء. لقد عرف إيثيريون بالتأكيد كيف يجعل ضيوفه يشعرون بالراحة.
كانت هناك حتى داولة معدة وعليها صينية طعام: رغيف خبز صغير، بعض الجبن، وكأس ماء. لم تكن أمبرين قد أدركت مدى جوعها حتى رأته؛ فالأدرينالين الذي انتابها قبلًا كان قد خدرها عن كل شيء آخر، لكن الآن وبعد أن هدأت الأمور، صدرت من معدتها قرقرة قوية استجابة لذلك.
جلست عند الداولة، تقضم الخبز وعيناها تتجولان في الغرفة. توالت أحداث اليوم في ذهنها: الأطياف، أمر درافن البارد، والإرهاق الشديد الذي انتابها. كانت لا تزال تشعر بعدم الارتياح، لكن في الوقت الحالي، كانت راحة الغرفة كافية.
بعد أن أكلت حتى شبعت، دفعت أمبرين نفسها بعيدًا عن الداولة، ومسحت يديها بمنديل. كانت بحاجة إلى التركيز، ولا يمكنها أن تنجرف وراء جمال إيثيريون أو الفوضى التي جلبتها إلى هنا، لقد جاءت لسبب، ولا يمكنها أن تنسى ذلك أبدًا.
توجهت أمبرين إلى المكتب، أخرجت ملاحظاتها ووضعتها أمامها. ملأت المعادلات السحرية المعقدة الصفحات، وخطت الرموز والأرقام بخط يدها الفوضوي نوعًا ما. التقطت قلم حبر، غمسيه في الحبر، وبدأت تكتب.
غاص عقلها في دراساتها، وتركيزها يزداد حدة وهي تعمل على كل مشكلة، وكل معادلة. ملأ صوت خدش قلم الحبر الثابت على الرق الغرفة، وكان هذا الصوت المتكرر يهدئها، ويرسخها في الحاضر.
بينما كانت تعمل، وجدت أمبرين نفسها تنسى الأطياف، والمطاردة المرعبة عبر أروقة إيثيريون. فقدت نفسها في تعقيدات السحر، فالتعقيدات الشديدة للمعادلات تتطلب كل انتباهها.
أحبت هذا الأمر؛ التحدي، وإثارة كشف الغموض الذي بدا مستحيلاً في السابق. لقد ذكرها هذا لماذا اختارت هذا الطريق، ولماذا قررت متابعة السحر، على الرغم من كل المخاطر التي تأتي معه. [ ترجمة زيوس]
لكن حتى وهي تعمل، جزء من عقلها ظل معلقًا بالأحداث التي جلبتها إلى هنا: الأطياف، عيونها الجوفاء، والهمسات التي بدت وكأنها تتردد في عظامها. لقد جعلت ذكرى تلك الأطياف ترتجف، فتوقف قلمها في منتصف الحركة بينما حاولت التخلص من عدم الارتياح.
لقد شعرت بأنهم حقيقيون جدًا، قريبون جدًا، وشعرت بالعجز التام أمامهم. شدت على فكها، مجبرة نفسها على إعادة التركيز على عملها؛ فلا يمكنها أن تدع الخوف يسيطر عليها، ليس الآن، ولا أبدًا.
اخترق صوت إفريت أفكارها، تمتمة ناعمة جعلتها ترفع رأسها. كانت روح اللهب تحوم قرب النافذة، هيئته خافتة، وألسنة اللهب المعتادة غائبة، تاركة إياه سمندرًا صغيرًا وضعيفًا. كان يحدق في المحيط، عيناه واسعتان، وتعابير وجهه تظهر افتتانًا حقيقيًا.
“إنّه... جميل،” همس، صوته مملوءً بالرهبة. لم يكن فيه سخرية ولا مداعبة، بل مجرد احترام هادئ.
ابتسمت أمبرين، واضعة قلم الحبر جانبًا وهي تراقبه. كان من النادر رؤية إفريت بهذا الشكل، مأسورًا بشيء إلى هذا الحد؛ فسخريته المعتادة، ونكاته المستمرة، لم تكن موجودة.
مشت إليه، عيناها تتبعتا نظراته إلى المحيط، فالماء يتلألأ، وتوهج الأسماك كنجوم في سماء الليل، بينما تتحرك الظلال الأكبر ببطء، حضورها مهيب وساحر في آن واحد.
“بالفعل هو كذلك،” قالت بلطف، بالكاد يخرج صوتها همسًا. كان هناك شيء سحري في الأمر، شيء جعلها تشعر وكأنها جزء من شيء أكبر بكثير منها. ولأول مرة منذ وصولها، شعرت أمبرين بالدهشة بدلًا من الرهبة. إيثيريون كان جميلًا، غامضًا، وخطيرًا، لكنه كان أيضًا مكانًا مملوءًا بالسحر لم تر مثله قط.
"ألقى إفريت نظرة عليها، عيناه تعكسان زرقة وخضرة المحيط المتلألئة. “قد أعتاد على هذا،” قال، صوته لا يزال ناعمًا، يكاد يكون متفكرًا."
ضحكت أمبرين، فكان صوتها خفيفًا، وخف التوتر عن كتفيها. “لا تعتد على الراحة أكثر من اللازم،” داعبته، دافعةً إياه برفق. “لدينا عمل ننجزه.”
دحرج إفريت عينيه، لكن لم يكن في تعابيره ضيق حقيقي. عاد إلى النافذة، نظراته غارقة مرة أخرى في أعماق المحيط. راقبته أمبرين لحظة أطول قبل أن تعود إلى مكتبها، تلتقط قلم حبرها، وعقلها يغوص مرة أخرى في عملها.
لكن مع مرور الليل، بدأ الإرهاق يلاحقها؛ فثقلت عيناها، وعقلها يكافح للمواكبة مع المعادلات التي أمامها. أطلقت تنهيدة طويلة، وضعت قلم حبرها، ودلكت عينيها المتعبتين. كانت بحاجة إلى النوم، لقد كان يومًا طويلًا، وجسدها يستسلم أخيرًا للتعب.
وقفت، توجهت إلى خزانة الملابس، وسحبت أحد أردية النوم. كان النسيج ناعمًا وباردًا على بشرتها وهي تغير ملابسها، تاركة ثيابها البالية تسقط على الأرض. انزلقت إلى السرير، والأغطية الوثيرة تحيط بها، والوسائد ناعمة تحت رأسها.
تنهيدة ارتياح أفلتت من شفتيها، وعيناها ترتخيان وتغمضان وهي تغوص في راحة السرير.
حلق إفريت إلى حافة النافذة، عيناه لا تزالان على المحيط، لكن بعد لحظة، انتقل إلى أسفل سريرها، متكورًا، هيئته الصغيرة بالكاد تحدث انبعاجًا في الأغطية. ابتسمت أمبرين عند المنظر، قلبها يمتلئ بدفء غريب.
مدت يدها، أصابعها تلامس ظهره، حراشفه باردة تحت لمستها. “تصبح على خير، إفريت،” همست، صوتها يتلاشى مع استسلامها للنوم.
“تصبحين على خير، أمبرين،” أجاب إفريت، صوته رقيق، يكاد يكون حنونًا. ومع ذلك، انجرفا كلاهما نحو النوم، وسكنت الغرفة، ورمى توهج المحيط البعيد بظلال خافتة على الجدران.
جاء الحلم فجأة، حيًا ومقلقًا، يسحب أمبرين من راحة النوم ويدفعها إلى مكان تمنت ألا تراه مرة أخرى. عادت إلى المبنى المهجور، ذلك الذي فرت منه هي وماريس منذ وقت ليس ببعيد. كانت الجدران تنهار، والهواء كثيفًا بالغبار، وكل نفس تتخذه يبدو ثقيلًا، رئتاها تجهدان ضد الجو الخانق.
قلب أمبرين يقرع في صدرها، عيناها تتجولان بينما تستوعب ما يحيط بها. كان المبنى كما تذكرته؛ مظلمًا وخانقًا، والظلال طويلة وكثيفة تلتصق بكل زاوية. شعرت به، ذلك الإحساس بالخطر، الشعور بأنها مراقبة.
لم تكن وحدها هنا، فقد استطاعت أن تسمعها؛ خطوات ناعمة ومتعمدة، تتردد في الممرات الفارغة. اندفع الذعر في صدرها، فجاءت أنفاسها سريعة وقصيرة ومتقطعة. استدارت، قدماها تتحركان قبل أن يتمكن عقلها من اللحاق بهما، ركضت، وخطواتها تتردد في الظلام، وقلبها يقرع في أذنيها. بدت الجدران وكأنها تضيق عليها، والمبنى يلتوي حولها، والممرات لا نهاية لها، وكل منعطف يؤدي إلى المزيد من الظلام، والمزيد من الظلال.
تعثرت، يدها تمسك بعمود مكسور، وجسدها يضغط على الحجر البارد بينما حاولت أن تثبت نفسها. أغمضت عينيها، جسدها يرتجف، وأنفاسها متقطعة. استطاعت سماع الخطوات تقترب، الصوت الناعم المتعمد يملأ أذنيها، ويغرق كل شيء آخر.
صلت أمبرين ألا يجدوها، وأن ينتهي هذا الكابوس، وأن تستيقظ منه أخيرًا. لكن بعد ذلك سمعتها: ضحكة خافتة ساخرة. انفتحتا عيناها فجأة، وقلبها يتجمد في صدرها. ببطء، استدارت، نظراتها تتجه نحو مركز الغرفة.
كان هناك – الشخصية ذات غطاء الرأس من تابوت الشيطان. كان وجهه محجوبًا، مخفيًا تحت الغطاء الداكن، لكنها استطاعت أن تشعر بنظراته عليها، وبثقل حضوره يضغط عليها.
أمال رأسه قليلًا، وكأنه يستمع، حركاته بطيئة ومتعمدة. تحركت شفتاه، تشكلان كلمات بدت وكأنها تتردد عبر الحلم، الصوت واضح رغم المسافة بينهما.
“آه، إذن أنتِ هناك. الحصن الجوفي، إيثيريون.”
حبسَت أمبرين أنفاسها، جسدها متجمدًا من الخوف. ترددّت الكلمات في ذهنها، وكل واحدة تملأها بإحساس متزايد بالرهبة؛ لقد عرف مكانها، وعرف أنها في إيثيريون.
انتهى الحلم فجأة، فانفتحت عيناها، وانتفض جسدها جالسًا في السرير. قلبها يقرع في صدرها، وأنفاسها تأتي متقطعة، ويداها تتشبثان بالأغطية. لقد ظل الخوف من الحلم يلتصق بها، يلتف حولها كجلد ثانٍ، وجسدها يرتجف.
نظرت حولها، عيناها تتجولان في كل زاوية من الغرفة، واستقرت نظراتها أخيرًا على إفريت، الذي كان لا يزال متكورًا عند قدم سريرها. تحرك إفريت، فتح عينيه، التقت نظراته بنظراتها، وتعابيره تظهر القلق.
“أمبرين؟” همس، صوته يملؤه القلق.
بلعت أمبرين ريقها بصعوبة، أنفاسها مضطربة. “أكان مجرد حلم فحسب؟”
_________________________________
تذكيرٌ واجبٌ من المترجم: ليكن في علم القارئ الكريم، أن كل شخصية، كل حدث، وكل حبكة في طيات هذه الرواية، هي محض نسجٍ من الخيال البشري للمؤلف، ولا تمت للواقع بصلةٍ أو حقيقةٍ ثابتة.
إنها مجرد حكايةٍ عابرةٍ بين ثنايا الورق، لا ينبغي لها أبداً أن تلهي النفس عن ذكر الله العظيم، أو عن التفكر في آياته الكبرى، أو عن تقدير قيمة الحياة الحقيقية ومسؤولياتها الجادة. فكل تلهٍ عن الحقائق الجوهرية هو خسارةٌ. هذا العمل الفني، بجماله وروعته، يبقى في النهاية وهمًا متخيلاً لا أكثر.
قدمه لكم زيوس، بكل أمانةٍ وإخلاصٍ في النقل، مع هذا التنبيه الواعي.