تردد صدى عربة عائلة دراخان الفخمة في الشوارع المرصوفة بالحصى، كان وقعها إيقاعيًا يجذب الأنظار ويُخفت الأحاديث. كانت عجلاتها، المصنوعة من أجود المواد، تتدحرج بسلاسة رغم وعورة التضاريس، شاهدًا على ثراء نسبي وسلطته.
بداخل العربة، جلستُ بهالة من الهدوء والسلطة. كانت العربة مؤثثة ببذخ، بمقاعد وثيرَة مكسوّة بالمخمل القرمزي الداكن ولمسات خشبية داكنة تتألق بلمعان الصقل. وقد زُيّنت الستائر بأهداب ذهبية، وزخرفت اللوحات الداخلية بنقوش معقدة، تصوّر كل منها مشاهد من البراعة الغامضة ومخلوقات أسطورية.
حسناً، يمكن تأمل العربة لاحقاً.
انصب تركيزي الآن على المحاضرة القادمة في جامعة برج السحر، فنظرتُ إلى الحقيبة الجلدية التي أعطاها ألفريد وأخرجتُ الوثائق من داخلها. توجهت عيناي إلى عنوان موضوع المحاضرة:
"الأستاذ الملكي الأول درافن: المفهوم الأساسي للسحر وفهم المانا."
علاوة على ذلك، كان جدول المحتويات كالتالي:
-مقدمة في النظريات الغامضة: السحر والمانا -الدوائر السحرية وفروعها -خطوط "اللاي" الأرضية ومسارات السحر -طبيعة المانا وجوهرها -السحر الأولي: المبادئ والممارسات
قرأتها بتركيز كامل وسرعان ما انغمستُ فيها. كانت الآفاق والشروحات والخطوط العريضة آسرة بما يكفي لأدرك أن السرد وعمق هذه الوثائق أكثر تعقيدًا ومنطقية بكثير مما أنشأته في اللعبة. كان الأمر وكأنني أغوص في عالم جديد كليًا، عالم غني بالإمكانات والاكتشافات.
بينما كنتُ أدرس الدوائر السحرية ضمن الوثائق، وأحلل تراكيبها المعقدة وتعويذاتها، ظهرت عبارة معينة في مجال رؤيتي:
[الفهم مُستخدَم. مانا -150]
توقفتُ لحظة، شعرتُ باستنزاف طفيف لطاقتي، ولكنني شعرتُ أيضًا بإحساس غريب بالوضوح. فالأنماط والرموز المعقدة للدوائر السحرية التي بدت معقدة جدًا من قبل، أصبحت الآن منطقية تمامًا بالنسبة لي. كان الأمر وكأن المعرفة قد امتُصّت على الفور واندَمجت في فهمي.
‘إذًا، هذه المهارة حقيقية،’ همستُ لنفسي، مبهورًا بالآثار المترتبة. لم يكن الفهم مجرد مهارة سلبية، بل كان يستهلك المانا بنشاط لتعزيز فهمي للمفاهيم السحرية. هذا الإدراك فتح آفاقًا جديدة، فبهذه القدرة، يمكنني تعلم وإتقان النظريات والتقنيات السحرية بسرعة أكبر بكثير من أي شخص آخر.
توقفت العربة، وفتح خادمي الباب، مما أعادني إلى الواقع. “أيها السيد، لقد وصلنا،” أعلن بانحناءة احترام.
نزلتُ، متأملًا الواجهة المهيبة لجامعة برج السحر. بأخذ نفس عميق، جمعتُ أفكاري وبدأتُ صعودي الدرجات الفخمة. عندما دخلتُ القاعة، اعترضت طريقي شخصية صغيرة.
“ص-صباح الخير، أ-أستاذ... هـ-هذا ما طلبته بالأمس...” كان وجه المساعدة اللطيف ولكنه صارم يؤطره خصلات شعر داكنة، وعيناها واسعتان من التوتر وهي تسلمني كومة سميكة من الوثائق. “لمحاضرة اليوم، أستاذ...”
“هل أعرفك؟” سألتُ، وقد باغَتتني ألفَتُها.
“أ-أستاذ...؟ أعمل كمساعدتك منذ عام؟” بدا جسدها وكأنه يتقلص بينما نطقت تلك الكلمات، صوتها يرتجف من عدم اليقين.
“كنتُ أمزح فحسب،” ابتسمتُ، محاولًا تخفيف انزعاجها. ولكنني، بينما فعلتُ ذلك، شعرتُ بانقباض في معدتي، وكأن درافن الوقح والبارد بداخلي لم يوافق على أي تصرفات ودية تجاه الآخرين.
ألقيتُ نظرة على الوثائق، أدركتُ أنها كانت نصًا تفصيليًا للمحاضرات، يمتد لعدة دروس قادمة. “فهمتُ...”
كان درافن مشهورًا بذكائه، لكنه كان واجهة إلى حد كبير. كان عبقريًا متوسطًا، عبقريًا فاشلاً. اللعنة التي ابتُلِي بها أعاقَت قدرته على فهم استخدام المانا المتقدم بشكل كامل، مما دفعه للاعتماد على ثروته لبناء مسيرته المهنية عبر أساليب ملتوية. وقد شمل ذلك طلبًا من الأستاذ المساعد العمل بلا كلل لإعداد نصوص معظم محاضراته.
“نعم، أستاذ؟” سألت، وقد اختلط صوتها بمزيج من الأمل والترقب.
“لا شيء. لقد قمتِ بعمل رائع. استريحي قبل المحاضرة،” قلتُ، بنبرة لطيفة. انقباض آخر من الانزعاج تقلب في معدتي، لكنني لم أُبالِ به. قد يقاوم هذا الجسد أفعالي، لكنني كنتُ المتحكم الآن. لم تكن هناك حاجة لاتباع كل نزوة من عادات ورغبات درافن المتأصلة.
بينما أومأت برأسها واستدارت لتغادر، أخذتُ لحظة لمراجعة النص الذي أعدته. كان شاملًا ومفصلاً بدقة، وسيصلح كدليل ممتاز للمحاضرة. أجريتُ بعض التعديلات، مُشَبِّعًا المادة بفهمي الجديد والرؤى التي منحتها لي مهارة الفهم الخاصة بي.
بدأ الطلاب يملأون قاعة المحاضرات، وجوههم مزيج من الترقب والفضول. أخذتُ مكاني في المقدمة، أرتب الوثائق بدقة على المنصة. ملأت رائحة الرق والمداد المألوفة الهواء، مثبّتةً إياي في هذا الواقع الجديد.
“انتباه،” بدأتُ، وصوتي ثابت ومُسيطر. “سأبدأ المحاضرة الآن.”
___
دب! دب! دب!
تردد صدى خطوات درافن في قاعة المحاضرات الفخمة، كانت كل خطوة مقصودة ودقيقة، تستحوذ على اهتمام كل حاضر. تحرك برشاقة وسلطة بدت شبه أثيرية، وجوده يملأ الغرفة بهالة من السلطة الهادئة. توقفت أحاديث الطلاب بينما التفتت كل العيون نحوه، مأخوذين بمشهد اقترابه.
كل حركة لدرافن كانت تفوح منها أناقة بلا جهد، وخطواته سلسة وموزونة. كان ظهره مستقيمًا، أكتافه مربعة، ورأسه مرفوعًا، يجسد جوهر الكرامة النبيلة. معطفه الطويل المُفصّل كان ينساب خلفه كعباءة، وتطريزه الفضي المعقد يلتقط الضوء، مضيفًا إلى هالة الملوكية التي تحيط به.
حذاؤه، المصقول ببريق كالمرآة، كان يضرب أرضية الرخام المصقولة بدقة إيقاعية، فكل خطوة دليل على ثقته الراسخة.
تعبيرات وجهه كانت دراسة في السيطرة والرقي، كل نظرة وحركة تنقل سلطة خفية لكنها لا يمكن إنكارها. عيناه الزمرديتان الثاقبتان تفحصتا الغرفة، تقيّمان الطلاب بذكاء حاد لا يترك شكًا في سيطرته على الموضوع.
لم يكن فيه عيب أو نقص. كان وكأن الحكام نحتوه بأنفسهم، تجسيدًا للكمال والسلطة. كان مظهره متناسبًا بانسجام شديد، ومصممًا بدقة فائقة، حتى بدا شبه خيالي، وكأنه تمثال حي منحوت من أجود الرخام.
‘ذلك الوغد...’
كانت أمبرين بوليم، الجالسة في مؤخرة الفصل، بالكاد تستطيع كبح احتقارها. ضاقت عيناها وهي تشاهد درافن يشق طريقه إلى المنصة، شفتاها تلتويان بسخرية. بالنسبة لها، كان هذا الاستعراض للأناقة النبيلة ليس أكثر من واجهة، قناع يرتديه رجل لم يسبب لها وللعديد غيرها سوى الحزن. [ ترجمة زيوس] لكن حتى لمن كانوا يكنون الضغينة أو عدم الثقة، لم يكن بالإمكان إنكار الجاذبية المطلقة لوجوده. لم يكن درافن أركانوم فون دراخان مجرد رجل؛ بل كان مشهدًا، قوة طبيعية تطلب الانتباه والاحترام. عندما وصل إلى المنصة واستدار ليواجه الفصل، خيم صمت مطبق على الغرفة، والطلاب يتعلقون بكل كلمة منه.
لم تكن كلماتها فقط، بل أفعالها كانت دامية كذلك. عضّت أمبرين بوليم شفتاها بقوة قدر استطاعتها حتى نزفتا، نظرتها ثابتة بتركيز على الرجل الذي أمامها—عدو والدها الراحل. ملأ طعم الحديد فمها، تذكير مرير بالغضب والحزن الذي يغذي كل فكرة لديها.
درافن أركانوم فون دراخان، الرجل الذي جلب الكثير من البؤس لعائلتها. شأنه شأن العديد من العلماء الآخرين الذين 'التهمهم' طموحه وخداعه، كان والدها واحدًا منهم. لقد كان رجلًا لامعًا، مشهورًا ببحوثه الرائدة في مجال السحر. أوراقه ومقالاته العديدة كانت دليلًا على ذكائه وتفانيه.
لكن عمله الأعظم، تحفته الخالدة، سُرِقَت على يد الرجل البائس الواقف أمامها.
توفي والدها في غياهب النسيان، تحفته لم تُعترف بها قط، ودفنت إسهاماته تحت وطأة خداع درافن. اشتعل قلب أمبرين بظلم ذلك كله، فذكرى أحلام والدها التي لم تتحقق وموته المفاجئ كانت عذابًا دائمًا.
“لا بأس يا أبي. سأنتقم لك حتمًا...” تمتمت أمبرين بصوت خفيض، صوتها همسة عزم. بينما شاهدت درافن يسيطر على اهتمام الفصل، عبرت فكرة شريرة ذهنها. بدأت خطة تتشكل، مظلمة وشنيعة، تغذيها رغبة في الانتقام.
ستتحين الفرصة، تؤدي دور الطالبة المجتهدة، وتنتظر اللحظة المثالية للضربة. قد يكون لدرافن اليد العليا الآن، لكنها ستتأكد أن سقوطه سيكون مذهلًا بقدر صعوده. ضاقت عينا أمبرين، وكان عقلها يعمل بالفعل على تفاصيل انتقامها. لن تسمح بتلطيخ إرث والدها من قبل هذا الرجل بعد الآن.
ستكشف درافن على حقيقته كمحتال وتستعيد مجد والدها المسروق.