23 - الفصل 23: الفصل العاشر (البارت الثاني)

في أحد المقاهي القريبة من مقر الجامعة، جلست "ميرهان" على طاولة جانبية، تتفحص هاتفها بقلق، وعيناها تتنقلان بين باب المقهى وساعتها اليدوية. بدا عليها التوتر والغيظ من طول الانتظار.

دخل "ياسين" أخيرًا، بخطوات متراخية وكأنه لا يحمل أي إحساس بالوقت، مرتديًا نظارته الشمسية ويحمل علبة سجائره. اقترب من الطاولة دون اعتذار، ووضع أغراضه أمامها.

نهضت "ميرهان" واقفة، وعصبيتها واضحة:

إيه التأخير ده كله؟

أجابها ياسين بابتسامة استفزازية:

الناس بتقول صباح الخير.

ردت بسرعة ونفاد صبر:

صباح النور.

جلست مكانها مجددًا، بينما جلس هو وقال ببرود متعمد:

فطرتي.

فطار إيه اللي بتتكلم عنه؟! إحنا جايين نتكلم يا ياسين، مش نفطر.

أشار إليها بإصبعه إشارة هادئة، لكنها تابعت بغضب:

مش عاوزة أفطر، ولو سمحت خلينا نقول الكلمتين علشان ألحق أروح.

قال ببرود:

اهدي شوية.

ياسين، إيه البرود اللي عندك ده؟ اللي يشوفك كده .. ولا كأننا واقعين في ورطة!

اتكأ للخلف على كرسيه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وقال ببرود ساخر:

– ورطة إيه؟ أنا مش شايف أي ورطة.

نظرت له بدهشة:

– نعم؟ يعني إنت مش شايف الموقف اللي اتحطنا فيه، وإن بابا يجبرني أتجوزك...

ورطة؟

ابتسم وهو يشعل سيجارته ببطء، وكأنه يستمتع بإغاظتها:

– بصراحة...

لا.

– نعم؟!

ثم أردفت بنفاذ صبر : ياسين، لو سمحت اتكلم جد شوية.

مال بجسده للأمام، ونظر في عينيها:

وأنا بتكلم جد. إنتي شايفة جوازك مني ورطة؟

بعصبية ردت: طبعًا ورطة.

ابتلع ريقه بصعوبة، محاولًا رسم ابتسامة تتناقض مع ما يشعر به:

أنا بقى...

مش شايف زيك.

ردت بحدة: إنت بتقول إيه؟ إنت مستوعب اللي بتقوله؟ ياسين، إحنا عمر ما كان بينا حاجة ولا هيكون. وإنت عارف إن وقفتنا مع بعض ما كانش فيها أي حاجة...

إنت عارف كويس بابا وغرضه وتفكيره.

تنهد "ياسين" بعمق، ونظر إليها بثبات:

أنا ماليش دعوة بعمي وتفكيره.

انفجرت "ميرهان" بغضب:

أومال لك دعوة بإيه؟ إذا كانت فكرة الجواز فكرته وقراره!

ابتسم بثقة وقال:

هي فكرته، لكن القرار...

قراري.

رفعت حاجبيها بدهشة، ونبرتها تتساءل:

مش فاهمة قصدك.

اقترب منها قليلًا، ونبرته هادئة لكنها تحمل شيئًا من التحدي:

بصي يا ميرهان، عمي ماهر خد وقفتنا مع بعض حجة للجواز، وكلنا فاهمين ده. بس أنا لما فكرت مع نفسي قلت...

ليه لأ؟ ما أنا في الآخر هتجوز، وهلاقي عروسة أحسن من ميرهان؟

توقف لحظة، ثم ألقى غمزة مستفزة وهو يتابع:

و...

ميرهان هتلاقي عريس زيي فين..استحالة طبعاَ؟

شعرت "ميرهان" وكأن الدم يغلي في عروقها من استفزازه:

إيه اللي بتقوله ده؟ هو ده وقت هزار واستظراف؟

أنا بلغت بابا برفضي، بس هو مش هيقتنع ولا هيسمع ليا ، لكن انت...

تقدر توقف المهزلة دي والورطة اللي إحنا فيها.

نهض "ياسين" من مكانه بهدوء، التقط نظارته ومفاتيح سيارته من على الطاولة، وفي اللحظة نفسها اقترب النادل بابتسامة :

تحبوا تشربوا إيه؟

أشار "ياسين" للنادل بلا مبالاة:

شوف الآنسة تشرب إيه.

ثم التفت إلى "ميرهان"، ولوّح بيده بابتسامة تجمع بين الثقة والتحدي:

صدقيني...

هتكون أحلى ورطة في حياتك.

***********************

تحركت في الفراش بتململ، عالقة بين الحلم واليقظة، لا تدري إن كان ما عاشته حقيقة أم خيال. ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها وهي تحاول جاهدًة فتح عينيها. فجأة شعرت بيد خشنة تزيح برفق بعض خصلات شعرها المتساقطة على وجهها، فانتفضت بخفة.

ابتسم وهو يقول بنبرة دافئة:

إيه؟ خضّيتك؟

حاولت الجلوس وهي تشد الغطاء على صدرها، والخجل يلون وجنتيها بحمرة واضحة، وردّت بصوت مبحوح:

لا...

اقترب قليلًا، وصوته ينساب برقة:

صباح الورد على بدر البدور.

همست بخجل:

صباح النور.

ارتبكت من طول نظراته التي أثقلتها أكثر مما تحتمل، فقطعت الصمت قائلة وهي تتجنب عينيه:

"إنت صاحي من بدري؟"

ألقى بجسده إلى الخلف، مسندًا ظهره إلى السرير، وقال بابتسامة دافئة:

"من بدري جووي."

رفعت حاجبيها مستغربة:

"طب ليه ما صحّيتنيش؟"

ابتسم بمشاكسة، وعيناه تتفحصان ملامحها:

"بصراحة...

جوات حرام أصحي الملاك اللي نايم جنبي.

احمرّ وجهها بخجل، وأشاحت بوجهها عنه، فتابع بدلال وهو يميل قليلًا للأمام:

"هو إنتي هتفضّلي تهربي مني كده كتتير؟"

ارتعشت رموشها ولم ترفع عينيها، وهمست:

"أنا مش بهرب...

"

ضحك بخفة، وصوته اكتسب عمقًا أكبر:

"لا...

إنتي بتهربي، وأنا مش هسيبك تهربي."

رفّت أهدابها بتوتر، ولم تجد ما تقول، فاكتفت بغمضة عين طويلة كأنها محاولة للاختباء منه. لكنه لم يمنحها فرصة، رفع يدها برفق، وطبع عليها قبلة طويلة جعلت أنفاسها تتلاحق.

قال بصوت عميق، وفيه دفء لم تعهده من قبل:

" إنتِ ملكتي روحي."

ابتسمت بخجل وهي تهمس:

"وأنا...

من يوم ما حبيتك بطّلت أشوف الدنيا غير بيك."

لم يعد بينهما كلام، فقط نظرات تتشابك، وأنفاس تذوب في أنفاس، حتى بدا وكأنهما انجرفا في دوامة حب وعشق لا نهاية لها، حيث اختفى كل شيء من حولهما، ولم يبقَ سوى قلبين انصهرا في لحظة واحدة

********************************

كانت منى واقفة في منتصف الصالة، يكسو ملامحها القلق وهي تقول بحدة:

"إنت رجعت تخرج وتسهر تاني يا بلال؟"

نظر إليها بلال ببرود ممزوج بسخرية:

"وانتي رجعتي توجعي راسي بالكلام ده؟"

أجابته بمرارة:

"أنا بوجع راسك؟ الحق عليّا اني خايفة عليك من السهر إياه."

رفع حاجبيه بنفاد صبر:

"السهر إياه ده اللي مخلّيني أشم نفسي من العيشة دي."

تصلّبت ملامحها وهي تسأله بمرارة:

"يعني عيشتك معايا بقت تخنقك؟"

انفجر بعصبية:

"أيوة بتخنقني...

قوليلي...

إنتي فين في حياتي كزوجة؟ يومك كله مشغولة بالبنات، وحتى لما أطلب منك نخلّف واد...

تعاندي"

ارتعش صوتها وهي تردّ بقهر مكبوت:

ـ "مش بعاندك يا بلال...

إنت عارف مخاطر الحمل تاني، وإن الطفل ممكن يطلع مريض زي ملك."

لوّح بيده بعصبية أكبر:

"وإنتي عارفة الغيب علشان تحكمي؟ الدكاترة قالوا ممكن آه وممكن لا."

قالت بحزم:

"ليه نخاطر؟"

رد بتحدي:

"علشان أنا عايز واد...

وبعدين إنتي فارق معاكي إيه؟! أنا من إمتى بطلب حاجة وتوافقي عليها من غير نقاش؟ حتى لما قلت لك اعملي توكيل وسيبيني أنا أدير أرضك وأستجرها، قمتِ تحجّجتي بإخواتك وإنهم بيتابعوا كل حاجة."

ردت بتوتر: "يا بلال، ما إنت عارف إنهم فعلاً بيتابعوا أرضي مع أرضهم."

ابتسم بسخرية لاذعة:

"آه بيتابعوا...

خليكي ماشية ورا إخواتك في كل حاجة، وسيبيني أنا آخر همك. وبعدين ما تستغربيش لو لقيتيني داخل عليك بضرة...

أنا مش هستحمل قلة القيمة دي كتير."

لم يمنحها فرصة للرد، التقط مفاتيحه وانسحب بخطوات غاضبة نحو الباب، وصفقه خلفه بقوة، تاركًا منى في صمت ثقيل يلف المكان.

تجمّدت في مكانها، وقلبها يخفق بعنف، وهي غارقة بين نارين: أن تحافظ على زواجها ولو كلّفها الأمر المخاطرة بحمل قد يعيد إليها مآسي الماضي، أو تتمسك برأيها فتخسر زوجها. وبين أن ترضيه وتسلّمه زمام أراضيها، أو تعاند وتواجه غضبه ....

كانت تدرك تمامًا أنها وقعت في مصيدة خانقة...

مصيدة لا ترى لها بابًا للخروج.

************************

مضى أسبوعٌ تباينت فيه إيقاعات القلوب، فلكلٍّ منهم قصةٌ تسير على نغمةٍ مختلفة عن الآخر.

عامر وبدور عاشاه وكأنهما فوق غيمة من العشق، مرّت الأيام خفيفة كنسمةٍ دافئة، تُداعب أرواحهم بلطف، وكأنهما انسحبا من دنيا الناس إلى عالمٍ لا يسكنه سواهما؛ عالمٌ تُقاس فيه الساعات بنبض القلوب لا بعقارب الوقت.وكأن العالم أُعيد رسمه من أجلهما وحدهما.

بينما انشغل طارق وسلمى في دوامةٌ من تجهيزات الزواج ومسؤولياتٍ متلاحقة، تتشابك فيها اللهفة مع القلق، ويختلط فيها الفرح بظلّ توتر، حتى بدا الوقت وكأنه يتعمد الركض ليختبر صبرهما.

أما هي، فابتلعتها دوامة العمل، ولم تلتقط أنفاسها إلا حين غاب خالد معظم الأسبوع في القاهرة منشغلًا بأعمال الشركة. كان غيابه بمثابة هدنة غير معلنة، أزاح عن أيامها ذلك الحضور المربك الذي خلفته تلميحاته الأخيرة، الجريئة على غير عادته، والتي تركتها في ارتباك وضيق.

وفي المرات القليلة التي حضر فيها، سواء إلى البيت أو المستشفى، كانت قد عقدت العزم على تجاهله؛ كلمات مقتضبة، نبرة محايدة، وإيماءة عابرة حين تلتقي به صدفة، كما لو كان غريبًا.

هو أيضًا لم يعلّق، لكنه قابل التجاهل ببرودٍ وجمود محسوب، يكتفي أحيانًا بنظرة ثابتة تخفي أكثر مما تُظهر. صار ما بينهما أشبه بمبارزة صامتة

أما ياسين، فلم يذق هاتفه طعم السكون؛ ميرهان لم تكفّ عن ملاحقته بالمكالمات والرسائل التي تصر فيها على إنهاء ما سمّته "مهزلة الزواج الإجباري"، بينما كان هو يستقبل اندفاعها ببرودٍ قاتل وصمتٍ متعمّد، يشعل غيظها أكثر مما يُطفئه.

*****************************

في مكان آخر قضت " مني " أسبوعها غارقة في بحرٍ من التفكير والقلق، تائهة بين أمواج الأسئلة التي لا تهدأ. هل تستسلم لتهديدات بلال وتغامر بالحمل مرة أخرى؟ أم تكتفي بما لديها وتغلق الباب أمام تلك الفكرة نهائيًا؟ وهل سيفعل حقًا ما لوّح به ويتزوج إن لم تستجب؟ ثم ماذا عن رغبته في إدارة ممتلكاتها بعيدًا عن إخوتها...

أترضخ لذلك أم تتمسك بموقفها؟

أسئلة كانت تطاردها ليل نهار، حتى شعرت أن رأسها لم يعد يحتمل الدوران في ذات الحلقة المغلقة. وفي لحظة بدت وكأنها القرار الذي تأخر طويلًا، قادتها قدماها إلى بيت العائلة

لم تمضِ دقائق على وصولها حتى توقفت سيارة أمام القصر، ويترجل منها عامر وبدور، عائدين من رحلتهما التي ما زال عبقها عالقًا في ابتساماتهما ويلمع في نظراتهما. سرعان ما التف الجميع حولهما بالترحيب والتهاني، وتعالت الضحكات حتى بدت أرجاء المكان أكثر دفئًا وحيوية.

بعد مرور بعض الوقت من الترحيب، مالت منى نحو عامر وهمست:

عامر...

محتاجه اكلمك في موضوع على إنفراد.

أومأ بالموافقة، وتوجه إلى المضيفة، فسبقته هي بخطوات مترددة حتى جلسا معًا. ساد الصمت لثوانٍ، لكن عامر قطع الانتظار قائلاً:

خير يا منى؟ شكلك في حاجة شغلاكي

أخذت نفسًا قصيرًا قبل أن تقول:

والله يا عامر...

أنا شايفة كل واحد فيكم مشغول بمشاغله وحياته، ومش حابة أثقل عليكم أكتر. حابة إن أرضي وحاجتي يتابعها بلال.

رفع عامر عينيه إليها بنظرة طويلة متفحصة، ثم قال بثبات:

"محدِّش مننا اشتكى يا منى. وبَعدين أرضِك دي وسط أراضينا، والمزارع والمخازن كلها بتدور للعيلة، وإنتِ نصيبِك بتاخديه أوّل واحدة، حتى لو جِت خسارة ولا تغييرات. حقّك واصل ليك دايم، وما حد جصّر معاكي يوم."

ارتبكت منى، فهي تعرف أن إخوتها لم يقصروا معها يومًا، وأن أموالها في أيدٍ أمينة، لكنها ماذا تقول أمام زوجها الذي يضعها دائمًا في خانة المقصرة؟

عاد عامر ليقول بنبرة حاسمة:

بالصراحة، حاسس الكلام ده مش كلامِك يا منى، ولا حتى فكرتِك. بس أنا هسوي اللي إنتِ رايداه,ولو راضيه جوزِك يدير حاجتك...

ما عنديش مانع، بلال ابن عمتنا وأخونا وجوزِك أبو بناتِك. لكن في شَرط."

سألته بلهفة:

شرط إيه يا عامر؟

أجاب بجدية:

إنتِ عارفة عوايدنا...

الأرض ما تخرجش بره العيلة. يعني لو فكرتِ تبيعي، لازم تبيعيلنا، ويكون نصيبك محفوظ. أما المخازن والمزارع، نصيبك تحت إشراف ياسين أخوكي...

وبلال يتابع، لكن الكلمة الأخيرة لياسين.

أومأت بسرعة:

أكيد يا خويا...

فاهمة.

وبعد قليل من النقاش، استأذنت منى للخروج. عند باب المضيفة صادفت ياسين وهو يدخل مبتسمًا مازحًا:

إيه يا عمدة؟ لو خلصت مع منى، أنا دوري بقى..

ضحكت فاطمة من الصالة حيث كانت تجلس مع بدور، وقالت مازحة:

"يا ولاد، سيبوا أخوكُم ف حاله...

ده جاي مِ السفر وعريس جديد، خَلّوه ياخُد نَفَسُه."

ضحك ياسين وقال:

حد قاله ان يكون كبيرنا ....

يتحملنا بقي

ابتسم عامر:

على رأيك...

الكبير بيدفع التمن .. تعالَ يا خويا نشوف مالك.

ودخل ياسين، بينما التفتت فاطمة نحو بدور:

"جومي يا بتي، ارتاحي فوق ف أوضِتك، وأول ما الوَكل يِجهز صابرين هاتندهلك."

ابتسمت بدور ونهضت متجهة إلى غرفتها، وجلست منى بجوار والدتها. نظرت إليها فاطمة بقلق:

مالك يا منى يا بتي؟ وشّك مش على بعضه...

وجايانا من بدري كده، ما هيش عوايدك."

ردت منى:

مفيش يا ماما...

قلت أجي أسلم على عامر وبدور أول ما يوصلوا.

ابتسمت فاطمة بخفة:

تسلمي عليهم...

ماشي، هصدّجك. طب كنتِ رايداه أخوك في إيه؟"

قصت لها منى ما دار بينها وبين عامر، فسألتها فاطمة مباشرة:

جوزِك هو اللي طلب منك كده، صح؟

ترددت منى لبرهة، ثم قالت بصراحة:

أيوه...

هو اللي طلب. شايف إني مش بثق فيه لأنه مش بيتابع مالي وحاجتي وأرضي، وعلشان أتجنب أي مشاكل، قررت أحسم الموضوع.

ثم قالت برجاء:

والنبي يا ماما، متقوليش لهم إنه هو اللي ضغط عليّ...

مش ناقصة حساسيات بينهم.

هزت فاطمة رأسها بضيق:

من غير ما أجول، إخواتِك فاهمين على طول...

********

تقدم عامر نحو ياسين بعينين مليئتين بالترقب، وسأله بجدية:

متأكد يا ياسين من قرارك؟

رفع ياسين رأسه بثقة، وأجاب:

متأكد يا عمدة.

اقترب عامر خطوة، وهو يحدق فيه بحزم، مستفسرًا:

أنا مش داخل دماغي انك تتجوز ميرهان بت عمك علشان زن عمك او علشان سمعتها! .. أنا عارفك راسك زي الصخر، ومش بتقبل لوي الذراع.

ابتسم ياسين ورفع حاجبيه ساخرًا:

دايمًا بتظلمني يا عمدة.

ابتسم عامر بحزم وقال:

اتكلم جد يا ياسين...

ميرهان بت عمك داخلة دماغك؟

تنهد ياسين وقال بصراحة:

عايز الحق يا عمدة...

بصراحة، آه.

توجه عامر بنظرة حادة نحو ياسين:

طيب...

وهي؟

هز ياسين كتفيه بخفة وأجاب:

ماظنش إنها زيي...

لحد دلوقتي رافضة فكرة الجواز.

تقدم عامر خطوة أخرى، وهو يرفع حاجبيه مستغربًا:

يعني هي رافضة الفكرة، وأبوها بيضغط عليها...

وإنت كمان؟ ده ما ينفعش.

ابتسم ياسين بثقة:

خليك مطمّن يا عمدة...

شوية وهتلين، وأنا واثق من ده.

قال عامر بدهشة:

هتلين؟ وإنت جايب الثقة دي منين؟

ضحك ياسين وهو يهز رأسه:

صدقني يا عمدة...

بكرة هتشوف.

اشتد حزم عامر، وقال بصوت منخفض:

وافرض العكس...

أحنا مش هنجبرها على الجواز جدام ربنا.

طمأن ياسين بابتسامة هادئة:

متقلقش يا عمدة...

مش هنجبرّها. بس ميرهان رفضها كله عشان كرامتها.

رفع عامر حاجبيه بدهشة:

كرامتها؟ واحنا عملنا إيه لكرامتها؟

ابتسم ياسين بمرونة:

مش إحنا اللي عملنا...

أبوها اللي عمل...

فاكر لما عمي ماهر كان عايز ميرهان لطارق

وطارق رفض؟وقتها ماكناش عارفين إنه عينه على سلمي.

رد عامر :

أيوه...

فاكر طبعًا.

واصل ياسين بنبرة هادئة ومطمئنة:

عشان كده ميرهان حاسة إن أبوها كل مرة بيعرضها علينا...

وكرامتها بتتوجع. أنا متأكد إن الموضوع ملهوش علاقة بيا...

مسألة وقت بس.

وقف عامر لحظة، وعقد حاجبيه، حائرًا:

بالصراحة يا ياسين، مش عارف أجولك إيه...

اللي أجدر أجوله لك، خد فترة جبل الجواز. لو هي متجبلتكش، يبقى بلا الجوازة دي، ما نحبش نشيل ذنب البت.

ابتسم ياسين بثقة مطمئنة:

هتتقبل يا عمدة.

ضحك عامر مازحًا، وهو يهز رأسه:

ياسلام على ثقتك في نفسك ...

هتوديك في داهية.

رد ياسين مازحًا، متحديًا:

تفتكر يا عمدة؟

ابتسم عامر، ورفع حاجبه بابتسامة نصف ساخرة:

افتكر...

ونص ربنا يسترها منك

**********************

كانت خارجة من الحمام، تمسك بالمنشفة وتجفف خصلات شعرها بعد أن اغتسلت بدشٍّ بارد يطرد عنها حرارة الجو وإرهاق السفر. التفتت فإذا به واقف عند باب الغرفة يراقبها بصمت. وما إن التقت عيناهما حتى تقدم نحوها بخطوات هادئة، ومد يده فأخذ المنشفة من بين أصابعها ليتولى المهمة بنفسه. أخذ يمرر القماش بلطف على خصلات شعرها، فتنساب قطرات الماء من أطرافه فوق كتفيها وعنقها.

شعرت بالارتباك واحمرّ وجهها، لكنه اقترب أكثر وهمس مبتسمًا:

وحشتيني الحبة دول.

ابتسمت بخجل، وردت ممازحة:

لا، ده أنت نسيتني من ساعة ما جينا، وهم أخدوك مني.

ضحك وقال:

أعمل إيه؟ ما صدجوا شافوني...

كل واحد جاي يفضفض ويحكي همومه.

أجابته بابتسامة دافئة:

عارفة، أنا بهزر معاك...

ربنا يخليك لهم.

اقترب أكثر وهمس بصوت حانٍ:

ويخليكي ليا...

يا بدر حياتي.

تلاقت العيون، وسكنت النظرات في صمت محمَّل بالشوق، حتى أوشك على لمس شفتيها، لكن طرقات خفيفة على الباب بددت اللحظة.

زفر عامر بضيق، وابتعدت بدور بخجل، فسأل بنبرة خشنة:

مين؟

جاءه الرد من الخارج:

الغدا جاهز يا عمدة.

قال ببرود:

طيب.

ثم التفت إليها مبتسمًا بمكر:

واضح إن الكل متفق يلاحجونا النهارده.

ضحكت بدور وقالت:

هكمل لبسي وأنزل على طول.

ابتسم وقال:

وأنا هسبق على تحت...

ما تتأخريش.

**********

بعد الغداء، اجتمع الجميع في الحديقة في جوٍّ عائلي حميم، والضحكات تتعالى بين أركان المكان. وفي لحظة، دخل بيومي من بوابة الحديقة مناديًا:

يا جناب العمدة...

إحنا خلصنا تجهيز الجنينة الورانية اللي ورا أسطبل الخيل.

رد عامر وهو يهز رأسه موافقًا:

طيب يا بيومي...

انقل الخيل اللي قالك عليه البشمهندس خالد هناك، وأنا جاي كمان شوية أشوف الدنيا.

أومأ بيومي باحترام:

أمرك يا عمدة.

حينها تدخل طارق متسائلًا:

إيه اللي اتعمل في الجنينة الورانية؟

ابتسم عامر بمكر وقال ممازحًا:

والله شكل البشمهندس تضامن مع حريم الصقر اللي عايزين يتعلموا ركوب الخيل.

ألقى نظرة مازحة إلى بدور، ثم أضاف وهو يلتفت إلى ليلي:

والحريم اللي متدربين وحابين يركبوا خيل...

زي دكتورتنا.

ثم أكمل بابتسامة خفيفة:

فقلنا نعدل في عوايدنا شوية، وخالد عمل حوش جديد لركوب الخيل ورا الإسطبل...

تجدروا تركبوا براحتكم

ابتسمت بدور بخفة وهمست لعامر:

بجد يا عمدة؟ يعني ممكن أتعلم وأركب؟

اقترب منها قليلًا وهمس بحزم لطيف:

تتعلمي وتركبي طبعًا...

بس أنا اللي هعلمك.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة:

موافقة.

تدخلت سلمى بحماس وقالت وهي تلتفت إلى ليلي:

أيوه بقى يا ليلي...

هتقدري تمارسي هوايتك بسهولة هنا. اشبعي بقى من الخيل.

ردت ليلي بابتسامة مترددة:

آه...

كويس.

لكن عقلها كان بعيدًا تمامًا. لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في ذلك الرجل الذي كان منذ أسبوع فقط يوجه لها اتهامات بسبب حديث عابر مع زميلها، والذي قضى الأيام التالية يتعامل معها ببرود كلما تلاقيا. واليوم...

تكتشف أنه أصدر بنفسه قرارًا بتجهيز مكان خاص لتركب الخيل كما تشاء.

أي تناقض هذا؟ وأي رجل هذا الذي يبدو وكأنه يمارس معها لعبة القط والفأر؟

**************

عند الخيل، تجمع الجميع لمشاهدة المكان الجديد الذي تم تجهيزه.

لكن ليلي لم تستطع مقاومة رغبتها، فتقدمت نحو أقرب حصان أمامها— فرس أسود لفت انتباهها—وركبت بسرعة، لتنطلق به وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن. لحظة تُسلم فيها نفسها تمامًا لعالمها السحري، عالم لا يوجد فيه سوى هي والخيل.

كانت تركض به بخفة وأناقة، والشمس تنعكس على خصلات شعرها، والهواء يلامس وجهها. أعين الحاضرين امتلأت بالإعجاب، لكن هناك نظرة واحدة كانت مختلفة...

نظرة اخترقت كيانها. وعندما التفتت، وجدته واقفًا بعيدًا يراقبها ...

خالد.

لاحظ طارق وسلمي اتجاه نظراتها، فالتفت طارق خلفه ورآه. ابتسم قائلاً:

أهلاً يا بوص...

حمدلله على السلامة.

التفت عامر أيضًا وقال مازحًا:

أهلاً يا هندسة، زي ما يكون قلبك حاسس إننا هنفتتح الحوش الجديد.

ضحك خالد وهو يقترب ليسلم:

بصراحة آه، قلت ماينفعش أفوت لحظة الافتتاح.

ثم أضاف وهو يربت على كتف عامر:

حمد لله على السلامة يا عريس.

ابتسم عامر وقال:

عقبالك إن شاء الله.

تدخل طارق ضاحكًا:

تفتكر يا عمدة البوص بتاعنا يبطل رهبنة ويفكر يقلدنا؟

ضحك خالد باقتضاب ولكم طارق في كتفه:

اطلع انت منها بس.

ابتسم طارق وقال لسلمي:

يلا بينا يا سلمي، واضح إننا بنتَهزأ هنا.

ضحكت سلمي وأمسكت بيده، وانصرفا.

بعد لحظات، قال عامر وهو يلتفت لبدور:

أنا كمان هروح أريح شوية...

اليوم طويل.

وأشار لبدور ليتحركا معًا نحو القصر.

أما خالد فظل واقفًا يتأمل ليلى وهي في عالمها الخاص على ظهر الحصان. اقتربت بعد قليل وقفزت من على ظهره

جاء صوت بيومي وهو يقول لخالد:

متاخدنيش يا بشمهندس...

الدكتورة ركبت الفرس تيمور، ملحقتش أقولها إنه حصانك، وأجهز لها غيره...

تحب تركبه؟

أشار خالد بيده رافضًا:

لا...

دخّله ياعم بيومي.

ارتبكت ليلى وهي تسمع الحوار، فلم تكن تعرف أن الحصان يخصه. قالت في نفسها: "من بين كل الخيل، ما لقيتش غير حصانه أركبه!"

اقترب منها خالد وسأل:

بتقولي حاجة يا دكتورة؟

هزّت رأسها نافية:

لا أبدًا...

بس ما كنتش أعرف إنه حصانك.

ابتسم خالد بهدوء وهو يثبت نظره عليها:

وأنا ما زعلتش إنك ركبتيه.

قالت بنبرة تحمل شيئًا من التحدي:

ـ بس أنا زعلت.

ارتفع حاجباه مستفهمًا:

نعم؟

ـ ولا حاجة.

ترددت قليلًا، ثم تابعت بصوت أكثر هدوءًا:

ـ على فكرة...

شكرًا على المكان الجديد اللي نقدر نركب فيه الخيل براحتنا.

ـ العفو...

أي خدمة.

اكتفت بابتسامة باهتة وهمّت بالمغادرة، غير أنّ صوته لحق بها:

أخبار المستشفى إيه؟

ـ الحمد لله...

تقدر تسأل دكتور أحمد يبلّغك بالتفاصيل.

ـ أنا بسألك إنتِي.

اجابت باقتضاب:الحمد لله.

ساد صمت قصير، حتى قطعه رنين هاتفها. أخرجته من حقيبتها وردّت بسرعة:

ألو...

أهلاً يا خالتو ناهد...

إزيكِ؟ والله ألف مبروك لدكتور وائل...

آه أكيد هنيجي...

تمام، هبلّغ سلمي وطنط فاطمة.

أغلقت الهاتف، ثم التفتت نحوه قائلة:

دي خالتي ناهد.. بتعزمنا على فرح ابنها بكرة.

قال بهدوء:

ـ آه...

سمعت.

ـ طيب...

بعد إذنك.

تركت المكان بخطوات متعجلة، بينما ظل خالد واقفًا في موضعه، عيناه تتبعانها وكأنهما تبحثان عن إجابة لشيء لم يُسأل بعد. كانت ملامحه متصلبة، لكن خلف الصلابة بريق حائر، كمن يطارد ظلًا لا يمسكه. رفع حاجبيه قليلًا، ثم أطرق رأسه وكأن أفكاره تتشابك في صمت

*********

عندما أخبرت ليلي سلمي عن الدعوة، ردت الأخيرة بسعادة:

ابتسمت سلمي وقالت:

طب كويس...

نروح بكرة.

تدخل طارق مستفسرًا:

نروح فين؟

ردّت سلمي بحماس:

فرح وائل يا طارق.

قطّب حاجبيه وقال:

طب وإحنا مالنا؟

نظرت له سلمي بدهشة:

يعني إيه مالنا؟ ده فرح ابن خالتي وهما عزمونا.

تدخلت فاطمة بابتسامة هادئة:

ـ لا يا طارق يا ولدي، ده من الأصول نروح ونجامل...

مهما كان، دول جرايب البنات.

ابتسمت سلمي بفرحة:

تسلمي يا طنط.

مال ياسين نحو طارق هامسًا بسخرية:

وإنت متضايق ليه؟ ده انت المفروض تفرح إننا خلصنا من وائل اللي كان بيتشعلق على الشجر، وهيتجوز ويلاقي جبلاية قرود تانية بعيد عننا.

ضحك طارق ورد عليه:

يا شيخ اتلهي...

اتجوز ولا ما اتجوزش، أنا كده كده الأسبوع الجاي فرحي.

قاطعتهما سلمي بلهجة حاسمة:

ها يا طارق، هنروح؟

ابتسم طارق مستسلمًا:

أكيد لازم هنروح...

إحنا نقدر على زعل وائل؟


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 3265 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026