بين الكبرياء والغيرة والحب، ضلّت الروح تتخبط في صمتٍ مشتعل
*****************
في إحدى القاعات الكبرى بالقاهرة، كانت الأضواء تتلألأ، وارتفعت أصوات الموسيقى مختلطة بالضحكات والتهنئات. وما إن وصل الضيوف إلى باب القاعة حتى استقبلتهم ناهد بالترحاب والشكر على حضورهم، وبالمثل فعل ابنها الأكبر وليد، الذي بدا أنيقًا بوقاره. ردّت فاطمة قائلة بابتسامة دافئة:
- ده واجبنا ياحاجة ناهد...
ربنا يسعدهم ويكمل لهم على خيروبركة.
انجذبت ليلى وسلمى سريعًا مع الفتيات إلى قلب القاعة، بينما جلس طارق وياسين إلى جوار والدتهما فاطمة على طاولة قريبة من المنصّة.، بعد لحظات انحنت فاطمة قليلًا نحو طارق، وهمست وسط صخب الموسيقى:
- ما تِكَلِّم يا ولدي أخوك خالد...
يمكن يكون خلّص شغله وييجي يغيّر جو.
تنهد طارق وهو يهز رأسه:
- كلّمناه يا حاجة، وقال مشغول
ابتسم ياسين ساخرًا وهو يرفع حاجبيه:
- ما انتي عارفة...
خالد ملوش في جو الأفراح والهيصة دي.
قاطعتْه أمه بحدّةٍ لطيفة:
- اسكُت يا ياسين...
إنت ما تصدّج تِلْاجى حاجة تمسك فيها.
في تلك اللحظة تقدّم وليد، بملامح هادئة وابتسامة خفيفة، صافح بعض الحضور قبل أن ينجذب إلى حيث تقف ليلى وسلمى. انسابت الأحاديث بينهما برشاقة، لكن شرارة غيرة لم تلبث أن اشتعلت في عيني طارق، فاقترب بخطوات ثابتة حتى وقف بجوار سلمى، كأنه يعلن وجوده.ابتسمت سلمى وقالت بصوتٍ مسموع:
- وليد...
هعرفك ده طارق خطيبي وابن عمي.
مدّ طارق يده ليصافح وليد باقتضاب، وأضاف بنبرة مقصودة:
-وفرحنا بعد أسبوع إن شاء الله.
ابتسم وليد مجاملًا:
- والله .. ألف مبروك...
ربنا يتمملكم بخير.
فرد طارق بسرعة:
- تسلم يا رب...
نقول عقبالك ولا لسه؟
ابتسم وليد:
- كنت...
لكن مفيش نصيب. وبدوّر على بنت الحلال.
قال طارق بابتسامة مقتضبة:
- آه...
ربنا يرزقك.
بينما تبادلوا ابتساماتٍ مجاملة، ظلّ في الجو خيطٌ خفيّ من التوتر، كأن الهواء نفسه متحفّزٌ لشيءٍ لم يحدث بعد. كان طارق يراقب الحضور بعينٍ نصف ساخرة، يبتسم لهذا، ويمازح ذاك، بينما في أعماقه شيء من الضجر يزحف بهدوء.
قطع تشتته رنين هاتفه، فالتفت مبتعدًا عن الضوضاء، ونظر إلى الشاشة قبل أن يجيب بابتسامةٍ خفيفة.
– "إيه يا بوص؟ طلبتك كذا مرة...
خلصت اجتماعك ولا لسه؟"
جاء صوت خالد من الطرف الآخر هادئًا، متزنًا كعادته:
– "خلصت...
بس إنت عارف إني ماليش في الأجواء دي."
ضحك طارق بخفة وهو يخرج من القاعة :
– "ومين سمعك؟ أنا كمان زهقت."
قهقه خالد، ضحكة قصيرة :
– "من إمتى ومبتحبش الأفراح؟"
ابتسم طارق بخبث:
– "مش أي فرح يا خالد...
الفرح ده بالذات واخدين فيه دكتوراه في الغلاسة. نخلص من وائل نقول الحمد لله، يطلع أخوه وليد لازق في ليلى من ساعة ما وصلنا!"
ساد صمتٌ قصير على الطرف الآخر. عرف طارق وقتها أنه أصاب الوتر الذي لا يحب خالد الاقتراب منه.
ثم جاء صوت خالد مقتضبًا، عميقًا، كأنما يُخفي اضطرابًا لا يريد الاعتراف به:
– "القاعة فين؟"
تفاجأ طارق:
– "قاعة إيه؟"
رد خالد بنبرةٍ منخفضة فيها شيء من الحسم:
– "قاعة الفرح يا طارق، هيكون قاعة إيه غيرها."
ارتفع حاجبا طارق بدهشةٍ ظاهرة:
– "إيه؟ غيرت رأيك وهتيجي؟"
– "ابعتلي اللوكيشن."
ثم أغلق الهاتف دون انتظار رد.
ظل طارق لثوانٍ ينظر إلى الهاتف مبتسمًا، كأنه يقرأ ما وراء الكلمات
عاد الجو إلى ضجيجه المعتاد؛ سلمى تضحك وتندمج في الرقص، ثوبها يتحرك بخفةٍ حولها، بينما ليلى جلست على أحد المقاعد الجانبية، تحاول أن تبدو مهتمة بحديث وليد، الذي بدا مرحًا أكثر مما ينبغي. كان يحاول إطالة الحديث، يتفنن في النكات الباردة، وهي تجيبه بأدبٍ لا يخلو من المسافة. كانت كلماتها حاضرة، لكن عينيها لا تستقران عليه، كأنها تبحث عن شيءٍ آخر وسط الزحام.
وفجأة، عند مدخل القاعة، ظهر خالد.
خطواته كانت هادئة، لكنها واثقة، كأن الأرض تفسح له الطريق دون أن يطلب. لم يُعلن دخوله، لكن حضوره فُرض على المكان بثقلٍ صامت.
بدلة داكنة زادت من صلابته، وعينان حادتان كأنهما تقرآن ما وراء الوجوه.
نظرة واحدة جالت في القاعة قبل أن تستقر عليهــا.
توقفت ليلى عن الإصغاء، وانسحب صوت وليد من أذنها كأنما غرق في فراغٍ بعيد. الوقت تجمّد، والأنفاس اختلطت بالدهشة. خالد واقف هناك، ساكن الملامح، لكن في عينيه لهيب مكتوم، نظرة لا تُشبه اللامبالاة بقدر ما تُخفي خلفها شيئًا أكبر من الغيرة وأعمق من الغضب.
ارتبكت، لُجمت الكلمات على لسانها، حتى شعر وليد بالحرج وتراجع في الحديث وهو يتابع نظراتها المتوترة.
في الجهة المقابلة، لمح طارق المشهد من بعيد، فارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة لا تخلو من معرفة. يعرف أخاه أكثر من أي أحد؛ يعرف أن صمته ليس برودًا، وأن تلك النظرة التي تُغلفها الهدوء تخفي عاصفةً لا يريد أن يراها أحد.
اقترب خالد بخطواتٍ محسوبة، انضم إلى طارق، جلس لبعض الوقت ،ثم قام وهنّأ العريس والعروس بكلماتٍ مقتضبة، و صافح والد العروس، وألقى تحية سريعة على ناهد وكأنها مجرد مجاملةٍ واجبة.
عيناه مرّتا فوق الجميع ببرودٍ ظاهري، حتى إذا وصل الدور إلى ليلى...
تجاهلها.
كأنها لم تكن هناك أصلًا.،كلمة واحدة لم تخرج، نظرة واحدة لم يمنحها.
وقفت للحظة مذهولة، تتبع بعينيها مسار خطواته وهو يغادر بهدوءٍ كما دخل، تاركًا خلفه أثرًا من البرود الموجع.
حاولت أن تحافظ على ابتسامتها أمام وليد، لكن ابتسامتها كانت هشة، أقرب إلى ستارٍ خفيفٍ يخفي اضطرابها الداخلي.
في داخلها، كان قلبها يغلي بأسئلةٍ متلاحقة:
"إزاي؟ سلّم على الكل وأنا الوحيدة اللي عمل نفسه مش شايفني؟ ده مقصود؟ ولا صدفة؟"
خفضت رأسها للحظة، تحاول استيعاب ما حدث، لكن الصورة الأخيرة ظلت تطاردها: نظرته العابرة قبل أن يدير وجهه عنها.
"لا...
عينه جت في عيني، أنا متأكدة. طب ليه؟ ليه حسّيت فيها غيظ؟ إيه العِند ده؟
ظلّت حائرة بين الغضب والارتباك، لا تدري أهو رجل بارد يؤدي واجبه، أم أن وراء هذا التجاهل قصّة أخرى لم تُكشف بعد
*****************
في صباح اليوم التالي، كان ضوء الشمس يتسلل بخيوط ذهبية إلى أرجاء الإسطبل. وقفت بدور مترددة في محاولاتها الاولي لركوب الخيل
قالت بخوفٍ واضح: "عامر...
أنا مش هقدر. شكله هيجري ويوقعني."
ابتسم ابتسامة هادئة، وصوته العميق يغمرها بثقة:
"ما تخافيش...
أنا جنبك. الخيل بيحس باللي راكبه، لو إنتي هاديه...
هو هيكون أهدى."
اقترب منها، مدّ يده ليمسك بيدها الصغيرة، ثم قرّبها خطوة بخطوة نحو الفرس. كان قلبها يخفق بسرعة، لكن نظرته المطمئنة جعلتها تتنفس بعمق.
"طب ولو وقعت؟" قالتها بدور وهي تشد يدها بخفة كأنها تبحث عن مهرب.
ضحك عامر بهدوء:
"أنا ماسكك...
مش هسيبك توجعي أبداً."
بمهارة عارف بخيله، ساعدها أن تضع قدمها على الركاب، ثم رفعها بخفة حتى جلست فوق السرج. صاحت بخوف ممزوج بالضحك:
"يا نهار أبيض! أنا فوق بجد!"
ظل واقفًا بجوارها، ممسكًا باللجام، يرفع رأسه نحوها:
شايفة يا بدور؟ ما فيش أسهل مِن كِده. إيّوعي تبُصي تحت...
خَلي عينِك جُدامك وبَس.
أمسكت بشعر الفرس بخوف، لكنها لمحت عينيه المرفوعتين إليها، فابتسمت رغم ارتباكها. كان صوته يهدئ رعشتها:
بدور...
إنتي دلوجتي زي الأميرة راكبة عَ حصان، والخوف ما هُوش إلّا وهم
أطلقت ضحكة قصيرة، فارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة. لحظة امتزج فيها الرهبة بالمرح، والخوف بالاطمئنان. ومع كل خطوة بطيئة للفرس، كانت تشعر أنها تقترب أكثر من قلبه، بينما هو ينظر إليها وكأنها أثمن ما يملك.
.ومع كل دورة بطيئة في الإسطبل، بدأت بدور تضحك بخجل وقد زال كثير من خوفها، بينما عامر يسير بجوار الفرس ممسكًا باللجام بعناية. كان يرفع رأسه من حين لآخر ليتأملها، فيراها أكثر جمالًا وهي مترددة بين الرهبة والمرح.
قالت له وهي تحاول التماسك:
"عامر...
أنا بدأت أحب الموضوع."
ضحك بخفة وهو يومئ برأسه:
"ما جُلتلك؟ الخيل زي البني آدمين...
يِحب اللي يحبّه."
بعد دقائق، أوقف الفرس، ثم مد يده إليها:
"يلا...
انزلي."
ترددت وهي تنظر للأسفل:
"إزاي؟! المسافة بعيدة."
ابتسم بثقة:
"ماتخافيش...
انزلي وأنا تحتك."
وضعت يدها في يده، حاولت أن تهبط ببطء، لكن قدمها انزلقت قليلًا من الركاب، فوجدت نفسها تسقط فجأة بين ذراعيه. شهقت بدهشة، بينما هو شدّها إليه بقوة، يحميها من السقوط.
تجمّدت اللحظة، أنفاسها تتسارع وصدرها يعلو ويهبط وهي بين ذراعيه، أما هو فظل يحدق فيها بعينين ثابتتين، صوته بالكاد خرج همسًا:
" جُلتلك عمري ما هسيبك توجعي...
أبداً."
ارتبكت بدور، حاولت أن تضحك لتكسر الصمت:
"هو كده التدريب...
ولا ده تدريب خاص؟"
ارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة، تحمل مزيجًا من الجدية والدفء:
"لو على تدريبك...
هفضل أعلمك طول العمر."
شعرت بحرارة كلماته تسري في قلبها، فخفضت عينيها بخجل، بينما يده لا تزال ممسكة بيدها بقوة كأنه يخشى أن يتركها. كان الإسطبل يعجّ بحركة الخيل وأصواتها، لكنهما في تلك اللحظة لم يسمعا سوى دقات قلبيهما.
ظلّت بدور واقفة بين ذراعي عامر، والخجل يغمر وجهها، حتى شعرت بدقات قلبها تعلو أكثر من صوت حوافر الخيل. ابتسامته الواثقة زادتها ارتباكًا، وكأنها لا تجد مخرجًا من تلك النظرة العميقة التي يثبتها عليها.
وفجأة، دوّى صوت مرح من عند باب الإسطبل:
"يا سلام يا عمدة ده تدريب ولا فيلم أبيض وأسود؟"
قفزت بدور مبتعدة بسرعة من بين ذراعيه، ووجنتاها تحترقان بحمرة الخجل، بينما التفت عامر بحدة نحو مصدر الصوت.
كان ياسين واقفًا عند الباب، متكئًا على الإطار، يصفّر ساخرًا وابتسامة عريضة تملأ وجهه
رد عامر بنبرة جادّة تخفي ارتباكه:
"إنت جاي هنا ليه يا ياسين؟"
رد ياسين بخبث وهو يبتسم:
"كنت جاي اقلك في ناس عايزينك في المضيفة ياعمدة.. بس شكلي جيت في وقت مش مناسب."
زمّ عامر شفتيه وهو يتنفس بعمق محاولًا كتم غضبه، ثم قال بصرامة:
"امشي يا ياسين...
"
ضحك ياسين بخفة، وتراجع للخلف وهو يلوّح بيده قائلاً:
"ماشي يا عمدة...
"
غادر الإسطبل بخطوات متمايلة وضحكته تتردد في المكان، تاركًا بدور في ارتباك أشد، بينما عامر يشيّعه بنظرة حادة، قبل أن يعود بعينيه إلى بدور التي وقفت مرتبكة، تتمنى لو تختفي من شدّة الخجل.
****************
لم يكن ياسين قد وصل بعد إلى البيت، ولا زال هاتفه يرن للمرة التي فقد عددها. تنفّس بملل ورد أخيرًا بثقل:
"نعم يا ميرهان؟"
جاء صوتها حادًا متوترًا:
"نعم الله عليك يا ياسين! إيه كل دي اتصالات وما تردش؟"
أجاب ببرود متعمد:
"عشان عارف إنتِ عايزة تقولي إيه."
ردّت بعصبية:
"وبما إنك عارف...
يبقى ليه مش بتعمل اللي لازم تعمله؟"
ضحك ساخرًا:
"عشان مش جاي على مزاجي"
زفرت ميرهان بحنق وردّت:
"مزاجك إيه ؟! هو أنا بطلب منك تشتري هدية ولاتخرجني في مكان؟
انا بقولك قصة انكم تيجوا نهاردة تطلبوني مش هتحصل "
قال بحدة لا تخلو من استفزاز:
هتعملي إيه يعني؟ هتنتحري؟ ولا تهربي من البيت؟"
صرخت غاضبة:
"ياسين...
بطل استفزازك"
رد ببرود جاف:
"وانتي بطلي كلامك اللي مالوش معنى. فكّري كويس...
حياتك معايا أهون من تحكم أبوكي وغلاسة أخوكي."
ساد الصمت لبرهة...
تجمّدت ميرهان في مكانها، تعلم أنه محق في جزء من كلامه، لكن بداخلها رفضٌ قاطع لأن يبدأ زواجها بهذه الطريقة التي تمسّ كرامتها.
قطع هو شرودها بثقة ساخرة:
"طالما ساكتة كده...
يبقى اقتنعتي."
انتفضت فورًا:
"لا...
لا اقتنعت ولا حاجة! ولسه عندي نفس الرأي."
ضحك باستهزاء وقال:
"اتصدقي؟ أول مرة أعرف إنك وارثة العند من أبوكي."
سألته بريبة:
"قصدك إيه؟"
تهرّب سريعًا:
"ولا حاجة...
يلا بقى، كفاية رغي. قومي روّحي جهزي نفسك يا عروسة."
فتحت فمها لترد بعصبية، لكن فجأة انقطع الخط...
لقد أغلق في وجهها.
تجمّدت للحظة، ثم حدّقت في شاشة الهاتف بغيظ، قلبها يغلي بين رغبتها في الصراخ، وبين إحساس مرّ بأن ياسين اعتاد دومًا أن ينهي الجدال بطريقته هو، تاركًا إيّاها مشتعلة بالغضب.
******************
في أروقة المستشفى، كان خالد يمرّ بجانب قسم الأطفال حين وقعت عيناه على ليلى، واقفةً إلى جوار الدكتور عمر، يتبادلان بعض الأحاديث الودية. توقّف قلبه للحظة، قبل أن يمضي متماسكًا بخطوات ثقيلة نحو مكتبه.
ما إن جلس خلف مكتبه حتى طرقت إحدى الممرضات الباب بخجل، وأطلت برأسها:
بشمهندس خالد...
دكتور أحمد كان بيسأل على حضرتك.
رفع رأسه بعصبية، وقال بحدة قصيرة:
تمام.
ترددت الممرضة قبل أن تُضيف:
أقوله إن حضرتك جيت؟
انفجر نفاذ صبره في كلمتين:
اخرجي...
واقفلي الباب وراكي.
انكمشت الممرضة وخرجت مسرعة. مدّ يده إلى القلم بين أصابعه، ضغط عليه حتى كاد ينكسر، ثم ألقى به على المكتب، ونهض واقفًا. اقترب من النافذة، يحدّق في الفراغ بعينين تائهتين، كأنّ جدران الغرفة تضيق عليه.
لم يحتمل أكثر، التقط سترته وغادر المستشفى دون أن يلتفت. دقائق وكان في الإسطبل، حيث استقبلته رائحة الخيل وصهيلها.حتى شعر بالشرارة المشتعلة داخله تتوهج. امتطى جواده "تيمور"، وانطلق به كالعاصفة، تاركًا الريح تعصف بوجهه، وكأنها تحاول أن تنتزع من صدره تلك الغصّة التي تخنقه.
*********************
في المساء، اجتمع الجميع في بيت ماهر. جلس ماهر بثقة واضحة، يعلو وجهه مزيج من الغرور والارتياح، وكأنه حقّق الهدف الذي طالما أراده. أما في الطابق العلوي، كانت ميرهان في غرفتها، قلبها يتخبط بين الغيظ والارتباك. دخلت أمها رجاء وقالت بحزم:
تعالي يا بنتي...
الجماعة وصلوا.
التقطت ميرهان أنفاسًا متلاحقة محاولة أن تتمالك نفسها، ثم خرجت.وما إن التقت نظرتها بنظرة ياسين، حتى اشتعل الغيظ في قلبها أكثر، بينما قابلها هو بابتسامة باردة وغمزة أربكتها وأشعلت الخجل في وجنتيها.
قطع والدها الموقف بصوته الجهوري:
اجعدي يا بتي.
جلس الجميع، وبدأ عامر الكلام موجّهًا حديثه لعمه ماهر:
عمي...
يشرفنا النهاردة نطلب إيد ميرهان لياسين، وعلى بركة الله.
ابتسم ماهر وهو يقول:
وإحنا كمان بيشرفنا يا عمدة. ياسين زي سيف عندي بالظبط.
ألقى ياسين ابتسامة مقتضبة وقال:
تسلم يا عمي.
ثم أكمل عامر:
شوف يا عمي، اللي تأمر بيه...
وإحنا تحت أمركم.
رد ماهر وهو يرفع رأسه بفخر:
ميرهان أختكم، وأنا واثق إنكم مش هتجصّروا في حقها.
اقترب طارق من خالد وهمس ساخرًا:
هو إيه الأدب اللي نازل على عمك فجأة؟ مش متعوّدين عليه.
فأجابه خالد ببرود:
اصبر...
المفاجآت جاية.
تقدّم ياسين بالكلام قائلًا:
تحب يا عمي نعمل الخطوبة إمتى؟
قهقه ماهر وقال بحدة:
خطوبة إيه يا ولد أخويا؟ هو إنت لسه جديد على ميرهان؟ إحنا نكتب الكتاب على طول. إحنا مش أغراب.
اعترض عامر بهدوء:
أكيد يا عمي مش أغراب، بس خلينا نمشي خطوة بخطوة.
ضرب ماهر بكفّه على ركبته وقال بعناد:
خطوة بخطوة دي للغرب...
لكن إحنا لا. من ناحيتنا شاريين، إلا لو إنتوا مترددين.
تدخّل ياسين سريعًا:
لا يا عمي...
طبعًا مش مترددين. إحنا كمان شاريين...
اللي تأمر بيه.
ابتسم ماهر بخبث وقال:
يبجى الجمعة اللي جاية كتب الكتاب.
صرخت ميرهان من مكانها دون وعي:
إيه؟! بالسرعة دي؟
نظر إليها ماهر بحدة ثم التفت لزوجته رجاء:
اعملي القهوة يا حاجة.
أومأت رجاء، ثم التفتت لميرهان قائلة:
تعالي يا بنتي ساعديني.
تدخل خالد محاولًا أن يمنحها فرصة:
أنا شايف إن العروسة عندها تحفظ يا عمي. إيه رأيك تديهم وقتهم شوية؟
لكن ماهر قطعه بغضب:
الاتفاقات دي بين الرجال يا هندسة...
ولا نسيت عوايدنا؟
أجاب خالد بحدة مكبوتة:
العوايد اللي تتعارض مع رغباتنا...
بلاها يا عمي.
نهض ماهر مغتاظًا:
إنت قصدك إيه يا ولد أخويا؟!
تدخل ياسين بسرعة لتهدئة الموقف:
البشمهندس يقصد إن رأي ميرهان مهم يا عمي.
أضاف سيف بجفاء:
رأي ميرهان اتاخد خلاص...
والاتفاقات دلوقتي بينا إحنا.
وافقه ماهر:
مظبوط.
حاول عامر التهدئة:
إحنا متفقين على المبدأ يا عمي...
بس المواعيد محتاجة تفكير.
زمجر ماهر:
مفيش تفكير...
نتوكل على الله الجمعة.
ضحك طارق بخبث وتدخل:
جمعة إيه؟ ده فرحي الخميس وأنا مسافر بعدها...
أجلوها لبعد ما نرجع.
أومأ عامر موافقًا:
وأنا شايف إن ده الأفضل يا عمي.
تنهد ماهر بغيظ ثم قال:
طيب...
أسبوع. من أسبوعين مش فارقة. المهم كتب الكتاب.
قال عامر بحزم:
على بركة الله...
نقرا الفاتحة.
في تلك اللحظة، دخلت الخادمة بالقهوة، فأشار إليها ماهر قائلاً بفرح مصطنع:
زغردي يا بت...
ونادي ستك الحاجة...
ونادي ميرهان.
كانت ميرهان تقف في المطبخ بجوار والدتها، يكسو ملامحها شرود عميق، وكأنها عالقة في صحراء شاسعة بلا مخرج. تتأرجح مشاعرها بين غيظ مكبوت على أبيها وأخيها وياسين، وبين ارتباك يقيّد أنفاسها، وبين خجل يثقل قلبها، وانكسار لكرامتها لم تستطع أن تخفيه حتى عن نفسها.
*******************
مرت الأيام كأنها تركض، حتى أتى اليوم المنتظر...
يوم زفاف سلمي وطارق.
ازدانت القاعة بالأضواء المتلألئة، والزهور البيضاء المتناثرة في كل ركن، والأنغام الراقصة التي تتصاعد من فرقة العزف. لكن كل ذلك بدا باهتًا لحظة دخول سلمي، التي خطفت الأبصار والأنفاس في فستانها الأبيض. كان فستانًا يفصلها عن العالم، ضيقًا يلتف حول خصرها بدقة، يبرز رقتها ونعومتها، ثم ينفرج من الركبتين بهيئة حورية بحر، تتدلى منه طبقات التول ، كل طبقة كانت تحمل بريقًا خفيفًا من الكريستال، يلمع مع كل خطوة تخطوها. شعرها مرفوع بتسريحة ملكية، يزينها تاج مرصّع، تنحدر من تحته طرحة طويلة كالندى، تضفي عليها هيبة أميرة تسير نحو عرشها.
طارق لم يتمالك نفسه حين رآها؛ أحسّ قلبه ينفلت من بين ضلوعه، وكأن الزمن تجمّد في تلك اللحظة الفارقة. لم يعد يرى شيئًا سواها، الوجوه من حوله تلاشت، والأصوات انطفأت، ليبقى حضورها وحده يضيء المكان. عيناه تعلّقتا بها، يلتهم كل تفصيلة في ملامحها بشغفٍ عميق، فيما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية امتزج فيها الذهول باليقين.
وحين اقترب منها، حتى كاد يسمع أنفاسها تختلط بأنفاسه، مال نحوها في بطءٍ مهيب، وانحنى نحو أذنها هامسًا:
"أخيرًا...
بقيتِ ملكي."
تجمّدت للحظة، كأنها فقدت القدرة على الحركة، واتسعت عيناها بدهشةٍ خجولة، ثم أطرقت بجفنيها كمن يلوذ من سطوة نظراته. تسللت ابتسامة مرتجفة إلى شفتيها، خليط من الخجل والانتصار، بينما اندفع دفء غريب إلى قلبها، دفء جعلها توقن أن كلماته لم تكن وعدًا عابرًا...
بل قدرًا صار مُعلنًا.
وفي خلفية المشهد، أطلت ليلى كحلم هادئ يسرق الأنظار دون صخب.ارتدت فستانًا من الشيفون بلون نحاسي دافئ، ضيقًا عند الصدر ثم ينساب برشاقة حتى كاد يعانق الأرض. كان اللون يضاعف سحر عينيها العسليتين ويجعل بريقهما أوضح، فيما انسدل شعرها البني للخلف بحرية أنيقة من دون تكلّف، جعلها كأميرة خرجت لتوّها من كتاب أساطير.لمحها خالد للحظة، فتسللت ابتسامة صغيرة إلى ثغره من غير قصد، ابتسامة بدت كاعتراف صامت بانبهاره بها. أما هي، فقد أحسّت بثقل نظرته، لكنّها تظاهرت بالتماسك وبرغم ارتباكها الذي أفصح عنه خفق قلبها،تعمّدت تجاهل تلك النظرة، وكأنها تحاول أن تضع بينهما جدارًا لا يُرى.
وفي ركن آخر، جلست ميرهان كنجمة سوداء متألقة في سماء الحفل. فستانها الأسود الضيق أبرز جمالها بجرأة لا تخلو من كبرياء، منحها حضورًا طاغيًا لا يمكن تجاهله. كان ياسين يحاول الاقتراب، يحاول أن يظفر منها بكلمة أو ابتسامة، لكنها في كل مرة كانت تصدّه بنظرة باردة أو بصمت متعمد، كأنها تجرّعه شيئًا من مرارة الإصرار على رفضه. نظراتها كانت تتحدث وحدها: لن تنال مني ما تشاء...
ليس بسهولة.
انتهى الحفل على وقع الموسيقى، والزغاريد التي امتزجت بالضحكات والتهاني. ارتسمت السعادة واضحة على وجوه كثيرة، بينما سلمي وطارق ودّعا الجميع، متشابكي الأيدي، مغادرين إلى رحلتهما الجديدة خارج البلاد، ليبدآ فصلاً آخر من حياتهما.
لكن خلف كل هذه الأجواء المبهجة، ظلّ في النفوس ما لم يُقل: نظرات مكبوتة، مشاعر مُعاندة، وقلوب متأرجحة بين الغيرة والتحدي والانكسار...
كأن الفرح لم يكن سوى ستار مؤقت يخفي صراعات أعمق تنتظر لحظة الانفجار.
*****************
في صباح اليوم التالي داخل المستشفى، كان خالد يجلس في مكتبه يتفحّص بعض الأوراق حين استأذن د. عمر للدخول. رفع خالد عينيه وأذن له بالجلوس:
"اتفضل يا دكتور...
تحت أمرك."
جلس عمر بثبات، ثم قال بهدوء:
"والله يا بشمهندس...
أنا جاي علشان موضوع مهم."
رفع خالد حاجبيه متسائلًا:
"خير؟"
تنحنح عمر، ثم أكمل:
"الموضوع بخصوص دكتورة ليلى."
اعتدل خالد في جلسته، وصوته اكتسى بترقّب:
"مالها دكتورة ليلى؟"
أجاب عمر بثقة:
"الموضوع يخصني أنا وهي."
زفر خالد ببطء، وقال بحدة مكتومة:
"ادخل في الموضوع يا دكتور."
ابتسم عمر ابتسامة مترددة:
"أنا عارف إن حضرتك ابن عمها...
وإنها عايشة في بيتكم من بعد وفاة والدها ووالدتها، وإنك تعتبر ولي أمرها."
ابتسم خالد بسخرية مقتضبة:
"ما شاء الله...
حضرتك حافظ تاريخ العيلة."
ضحك عمر بتوتر:
"دي معلومات معروفة، مش أسرار."
انحنى خالد قليلًا للأمام وقال بجدية:
"طيب...
وبعدين؟"
شد عمر قامته وقال بحزم:
"يشرفني أطلب يد دكتورة ليلى...
ولو وافقت، هاجي أطلبها رسمي من العمدة."
تجمّد خالد لبرهة، ابتلع ريقه ببطء ثم استند إلى الكرسي للخلف، وصمت قليلًا قبل أن يقول ببرود متعمد:
"بس المعلومات اللي عندك ناقصة يا دكتور...
محدش قال لحضرتك دكتورة ليلى مخطوبة."
تسمرت ملامح عمر، ارتبك وقال بدهشة:
"مخطوبة؟! ...
لأ، معرفش."
ابتسم خالد بسخرية:
"يبقى معلوماتك ناقصة."
وقف عمر مرتبكًا، مسح على جبينه وقال:
"آسف يا بشمهندس...
عن إذنك."
أومأ خالد برأسه دون تعليق، بينما بقي داخله غيظ مكتوم يغلي.
مع حلول المساء، خرجت ليلى إلى الإسطبل تبحث عن متنفسٍ يخفّف عنها ثِقل اليوم. لمحَت خالد يمتطي "تيمور"، يمتدّ جسده بثقةٍ على السرج، فالتفتت إلى بيومي قائلة بهدوء:
– جهّز لي "دُرّة".
وما إن امتطت ظهرها، حتى سمعَت صوت خالد يقترب منها بنبرةٍ ساخرة:
– كويس إنك لاقيتي وقت للخيل.
ردّت ببرود وهي تُعدل وضع لجامها:
– أنا عندي وقت لكل حاجة.
قال وهو يقترب بخطواتٍ محسوبة، ونظرةٍ لم تخلُ من التحدي:
– غريبة...
كنت فاكر المستشفى ودكاترتها واخدين كل وقتك؟
شدّت لجام "دُرّة" بحدة، ثم رمقته بعينٍ حادة:
– بالمناسبة...
ليه قلت لدكتور عمر إني مخطوبة؟
أطلق ضحكة قصيرة، فيها سخرية وشيء من الغيظ:
– وكنتي عايزاني أقوله إيه يعني؟
ارتبكت، ثم سألته بتردد:
– تقصد إيه؟
اقترب أكثر، وصوته انخفض لكنه ازداد حدة:
– حضرتك بنفسك قولتي قبل كده إنك مرتبطة...
وأكدتي الكلام ده في دبي.
تجمّدت لوهلة، لم تفهم لماذا كانت تتوقع منه ردًا مختلفًا. أطرقت بعصبية وقالت:
– آه...
طبعًا.
ثم همّت أن تترجّل عن ظهر "دُرّة" وتغادر، لكن خالد نزل سريعًا من على "تيمور"، وأوقفها بخطوةٍ حاسمة ونبرةٍ جافة:
– أنا مش فاهم...
ليه ما وضحتيش لعُمر من الأول؟ كنتِ وفّرتي عليه الموقف البايخ اللي اتحطّ فيه.
نظرت له بحدة قائلة:
– وأنا أعرف منين إنه هيطلب حاجة زي دي؟
قال بسخرية هادئة:
– أهو أديكي عرفتي...
ردّك إيه بقى؟
– حضرتك ما سبتليش رد، رديت بالنيابة عني.
– هو أنا غلطت لما قلت الحقيقة إنك مخطوبة؟
– إنت عارف كويس إني مش مخطوبة!
ابتسم بخبثٍ متعمد، وقال وهو يطالعها بنظرة فاحصة:
– قصدي مرتبطة...
بس الغريب إن خطيبك أو حبيبك ده ما ظهرش طول الشهور دي. ولا يمكن اتخانقتوا؟ سيبتوا بعض؟
تصلبت ملامحها، وقالت بعصبيةٍ ظاهرة:
– بقولك إيه ، من الآخر...
إنت عارف والكل عارف إن مفيش ارتباط. أنا قلت كده علشان أسكت عمك ماهر...
وأسكتك إنت كمان. والدليل إن شهور عدت، ومافيش حد جي ولا عرفتكوا عليه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، قال بنبرةٍ خافتة تمزج الغيرة بالتهكم:
– آه...
بس كلامك في دبي كان غير كده.
ردت بعنفٍ لم تستطع كبحه:
– أنا حرّة أقول اللي عايزاه! وكفاية استفزاز بقى!
استدارت لتغادر، لكنه أمسك بذراعها فجأة، فارتدت للخلف بصدمة، وصاحت:
– إنت إزاي تمسكني كده؟!
اقترب منها خطوة، وعيناه تفيضان بغضب مكتوم، وتساءل بنبرة حادة ولاذعة:
– هو انتي مع الكل هزار وضحك، وأول ما تشوفيني تركّبي الوش الخشب ؟!!
حاولت أن تنتزع يدها منه بعنف، لكن غضبه المكبوت انفجر؛ وبدلاً من إفلاتها، أحاط خصرها بذراعه الأخرى وجذبها إليه بقوة هائلة حتى اصطدم جسدها بصدره العريض، وتلاشت المسافات بينهما تماماً. حاصرها بذراعيه كقيدٍ من حديد، وأهبط رأسه ليكون في مواجهة وجهها مباشرة، لفحت أنفاسه الثائرة بشرتها وهو يهمس بجوار أذنها باستفزاز واضح:
– واضح إنك مبسوطة أوي بلمّة المعجبين حواليكي
اشتعلت النيران في صدرها من وقع كلماته المستفزة، وتجمدت الدموع في عينيها من فرط الغيظ والذهول. تلك الجرأة المباغتة وهذا الاتهام الجارح جعلا قلبها ينتفض غضباً؛ فرفعت يديها ودفعت صدره بكل قوتها حتى ترنح للخلف، ونظرت إليه بنظرة احتقار ممتزجة بالانكسار، ثم اندفعت هاربة من أمامه، مذهولة، والاضطراب يملأ خطواتها.
تركته واقفًا، يتنفس بثقل، مشتعلًا بغضب لم تُطفئه تلك المواجهة، بل زادته اضطرابًا. مشاعر متناقضة تتنازعه؛ انتصارٌ ضبابي أنه استطاع هز ثباتها واستفزازها، وضيق عارم من نفسه لأنه ترك غيرته العمياء تقوده إلى هذه الحماقة.
شد لجام "تيمور" بقوة، وقفز فوقه كأنه يفر من نفسه، يسابق الريح بينما قلبه يجلد عقله: كيف وصل إلى هذه الحالة؟ ماذا فعل؟ وما الذي استيقظ داخله ولم يعد يعرف كيف يسيطر عليه؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━