ثَمّة نساء، حضورهنّ يكفي...
وصمتهنّ ليس ضعفًا، بل حكمةٌ تعرف متى تنحني، ومتى تقف.
لا يحتجن إلى درعٍ أو راية
لكن حين تُهان إحداهن
تردّ بنظرةٍ تهزّ أركان من توهّموا ضعفها.
وفي لحظةِ كسر الأقنعةواختبار القلوب
تُولد امرأةٌ قوية من رحم المواجهة
امرأة...
لا تُقدَّر بثمن.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
وسْط تلك الأجواء المشحونة،
ساد الصمتُ المكان من جديد، كأنّ الجميع التقط أنفاسه على وقع المفاجأة.
ثم تسلّل صوت سيف، هادئًا في نبرته، كأنّه يُلقي حجراً في بحيرة راكدة، لكن الخبث كان يتسلّل من بين كلماته
- أنا ما عنديش مانع يا حاج...
لو الدكتورة ما عندهاش مانع، يبقى نكمّل عالخير
هكذا هو سيف...
دائمًا يعرف من أين تُؤكل الفرصة، لا يهرول نحوها، بل يدعها تقترب منه، كما تقترب الفريسة من فخٍّ أُحكم إخفاؤه.
يجيد التوقيت، ويُتقن المراوغة، يتقدّم بخطوة حين يتراجع الجميع، وينسحب حين يظنّ الآخرون أنه اقترب.
ليلى..
فرصة نادرة...
جمالٌ يشدّ الأنظار، ومالٌ يفتح الأبواب. وهي بالنسبة له، ليست سوى صفحة جديدة في كتاب يعرف كيف يكتبه على هواه.
لطالما كان سيف ظلّ والده، والعصا السحرية التي يضرب بها حين يشاء، يبتسم في وجه خصومه ثم يُدير لهم ظهره محقِّقًا ما عجز عنه غيره.
لكن هذه المرة...
جاءت الفرصة من تلقاء نفسها، مختلفة، مغرية، وتستحق أن تُؤخذ على محمل الجد، أو على الأقل...
على طريقته المعتادة.
استدارت ليلى تنظر إليه، نظرة اشتعلت بالغضب والذهول في آنٍ معًا، وقالت بانفعالٍ مكتوم بدأ يتفجّر:
- مانع إيه؟!
هو في إيه؟ إيه الجنون اللي بتقولوه ده؟!
إنتو سامعين نفسكم؟! إحنا بالنسبة لكم إيه؟ صفقة ؟!"
صفقة جاءت على هوى ماهر وابنه، كأنّ القدر قرّر أخيرًا أن يمنحهما الورقة الرابحة دون عناء. فتاة تجمع الجمال والنسب والمال...
أي غنيمة أثمن من تلك؟ ليلى في نظرهما ليست سوى خطوة ذكية على رقعة شطرنج، يمكن اقتناصها، توجيهها، وربما كسرها إن لزم الأمر.
لكن ما لم يدركه الاثنان أن ليلى...
ابنة أبيها، خُلقت من طينته الصلبة، وربّت رأسها على ألا تنحني. فيها من العناد ما يُربك الرجال، وفي عينيها بريق الكبرياء الذي لا يعرف المساومات. ليست رقماً يُضاف إلى حساب، ولا وردة تُقطف في موسم الربح، بل ندٌّ لا يُهادن، وصوت لا يصمت.
والصفقات التي تُبنى على وهم الانتصار...
لا تدوم طويلًا أمام من اعتاد أن يسير عكس الريح.
تحرّك عامر من مكانه، محاولًا تهدئة الموقف وقال بصوت منخفض فيه قدر من الحزم:
"اهدي يا دكتورة...
الكلام ما ينفعش كْدَه جدّام الناس."
لكنها لم تصمت. ارتفع صوتها أكثر، كأن ما في قلبها يفيض:
"إنت مش سامع يا عمدة؟!
بيقولوا إيه!"كأننا شروة
ضحك ماهر ضحكة ساخرة، وقال بوقاحة:
"والله اللي باع واشترى...
هو أبوكم، يا دكتورة.
هو اللي جَسَّم المال...
وجَسَّم الرجال"
اتقدت النار في عيني ليلى، فصاحت دون أن تفكر
"إنت للمرة التانية بتغلط في أبويا ....
وأنا.........
"
لكن طارق تدخّل فجأة، بصوتٍ قوي :
"كفاية يا عمّي ...
"
التفتت الأنظار نحوه، وقد اتّسعت العيون بدهشة.
ثم تابع بحزم :
"عمي عاصم، الله يرحمه، لا باع ولا اشترى...
وبالنسبة لموضوع الجواز من سلمى، فده ماكانش طلبه هو...
ده كان طلبي أنا."
تجمدت الأنفاس.
وانقلبت الوجوه ناحيته، تتوسم في ملامحه تفسيرًا.
حتى سلمى، تلك التي طالما باغتت الآخرين بردودها العفوية وضحكتها السريعة، وقفت وكأنها تلقت صفعة من هواء بارد.
اتسعت عيناها في ذهول، تمتمت بدهشة مرتجفة:
"إنت بتقول إيه؟!"
أومأ طارق برأسه، وبصوت خافت لا يخلو من الثبات، تابع:
"دي الحقيقة.من زياراتي الأخيرة لدبي، وبالذات لما قعدت مع عمي في بيته...
سلمى شدتني.
فاتحته الصيف اللي فات، وقلت له إني عايز أتقدملها.
بس هو قال نستنى لما تتخرج، ونأجل الكلام ده دلوقتي.
وبعدين اللي حصل حصل...
تعب عمي، ودخل دوّامة المستشفيات...
لحد ما ربنا افتكره.
وماكنتش أعرف إنه وافق وكتب ده في الوصية.
أنا زَيّي زيكم لسه عارف من الوصية."
صوتها جاء خافتًا، كأنها تجرّ الكلمات من بين ذهولٍ لا يُصدَّق:
"إنت...
طلبت تتجوزني؟"
اقترب طارق منها خطوة، ونظره معلق بعينيها، صوته حمل مزيجًا من الحنان والإصرار:
"عارف إنك اتصدمتي من الوصية...
ومن طلبي. وصدقيني، ماكنتش أحب الأمور تيجي بالشكل ده.....
بس وصية عمي...
فرضت عليّا أتكلم."
لم يكن يدري متى بدأ قلبه يتغير تجاهها...
ربما في تلك الأمسية في بيت عمه بدبي، حين كانت تتكلم بلا تكلف، وتضحك كأن العالم لا يهمها.
وجد نفسه يبتسم دون قصد، ينصت إلى ثرثرتها العشوائية، ويُدهش من طريقتها الخاصة في النظر للأشياء الصغيرة.
حينها، تسلل شيء منها إليه...
شيء لم يعرف له اسمًا، لكنه ظلّ يكبر، بهدوء، حتى صار اليوم لا يُخفيه.
ساد صمت لحظيّ، وكأن الأنفاس حُبست، قبل أن يتقدّم عامر بكلماته الحازمة قائلاً:
"بما إنّ الأمور اتّضحت...
يبجى لكل حادث حديث.
ويا سلمى، يا بت عمي، القرار في الآخر بيرجع لك.
ما حدش ليه حج يفرض عليكِ حاجة."
لم يكد عامر يُنهي جملته، حتى قهقه سيف ضاحكًا بخبث، ومال بجسده للأمام، وقال بنبرة مواربة:
"يعني سفرياتك لدبي ما كانتش بريئة، يا طارق؟
واضح إنك كنت مظبّط أمورك كويس "
ثم رمق ليلى بنظرة جانبية، لامعة باللؤم، وأردف بسخرية لم تُخفِ وقاحته:
"طيب...
والبشمهندس خالد؟
هو كمان ما ظبّطش هناك ؟
ما كان بيروح دبي كتير، ولا إيه؟"
انحبست الأنفاس في المكان، وكأن الزمن توقف لحظة طويلة. ارتفعت العيون جميعها نحو خالد، الذي نهض فجأة كصقر جاثمٍ على فرائسه، وعيناه تلمعان بالغضب الصامت الذي لا يحتمل المساس بكرامته.
فخرج صوته قاطعًا، صارمًا، يحمل في طياته تحديًا لا يُستهان به.
"سيف...
إلزم حدودك"
لكن ماهر، الذي لم يُخفِ قط امتعاضه من أبناء أخيه، اكتفى بابتسامة ساخرة، وقال بلهجة تهكميّة:
"لا يا جماعة...
البشمهندس ده الراهب بتاع العيلة"
تغيّر وجه عامر في لحظة فقد صبره المعهود، ونهض واقفًا، وبصوت جهوري حادّ قال :
"كِفاية لَعِب بالكلام
الموضوع جَدّ، وإحنا جاعْدين ف مجلس عيلة، مش في ساحة تهريج!"
تقدّم ماهر بخطوات ثقيلة، ولوّح بكفه في الهواء بنفاد صبر، ثم قال بصوت أجش تتخلله نبرة قاطعة:
"الكلام واضح يا وَلَد أُخويا...
ومافيش داعي للِّف والدوران.
عَوايدنا معروفة من زمن،لا البَنات تورّث أرض، ولا واحدة تِفاصِل في تِرْكة الرجالة.
بَنات عاصم يِتْخَلّوا عن الأرض...
وياخدوا اللي يرضّيهم جُصادها"
ساد الصمت لبرهة، كل شيء توقف كأنه يترقّب ما سيحدث.
ثم رفعت ليلى عينيها إليه، نظرتها كانت ثابتة...
حادة، كأنها سهمٌ انطلق من قلبها ولم يعرف طريق العودة وقالت بهدوء مصطنع:
"الأرض دي حقّنا يا عمي...
وإحنا ما بنطلبش غير اللي كتبه أبونا في وصيته."
رد ماهر بنبرة تمزج بين الاستخفاف والتحكّم:
"يبجى لو إنتي يا دكتورة مُصَمّمة تاخدي الأرض...
يبجى زي ما جُلت جَبِل اكِدَه:جوازِك من سيف ابني...
جُصاد الأرض."
لم تهتز ليلى، بل نظرت إليه نظرة طويلة صامتة، ثم أجابت بصوت منخفض، حاد كحد السكين:
"ده...
لو ماكنتش مرتبطة يا عمي."
عمّ المكان سكونٌ مفاجئ، كأن الزمن توقف في اللحظة ذاتها، وتكسّرت فيه النظرات ما بين دهشةٍ، وريبة، وذهول.
ليلى، وقد ألقت بقنبلتها، لم تنتظر ردًّا، ولم ترغب في توضيح.استدارت عنهم، وبخطوات سريعة وغاضبة، غادرت المكان.
لحقتها سلمى منفعلة:
"ليلى! استني...
إيه اللي حصل جوه ده؟
إيه الكلام ده كله؟
وصية؟!
أنا وطارق؟!
وإنتي...
؟
أنا مش فاهمة حاجة، والله!"
استدارت ليلى ببطء، عيناها تشتعلان بانفعالٍ مكبوت.
مدّت يدها نحو أختها، تُهدّئ ارتجافها، وقالت بصوت خافت:
"اهدي يا سلمى...
كل حاجة هتتحل، بس واحدة واحدة، اللي بابا كان عايزه...
إن شاء الله هيكون..
بس الأهم دلوقتي تهدي وكل حاجة هنفكر فيها براحة واللي يريحك هو اللي هيتعمل."
سلمى بذهول:
"طب وموضوع الارتباط ده ولا الخطوبة اللي انتي قلتيه فجأة؟
إيه ده؟ ليه؟!"
ليلى بتوتر وارتباك :
"ماكانش قدامي حل...
الموضوع جه فجأة، وعقلي وقف، مكنش في حاجة ف دماغي غير ان اهرب من النقاش السخيف ده..
لقيت نفسي بقول إني مرتبطة وخلاص."
سلمى بتنهيدة طويلة :
"طيب...
اهدي إنتي كمان وإن شاء الله خير."
هزّت ليلى رأسها في صمت، وهمست بصوتٍ متهدّج:
"هروح أزور بابا...
أقعد معاه شوية."
بادرتها سلمى سريعًا، كأنها تخشى أن تُترك وحدها في لحظة كهذه:
"طيب، أنا جاية معاكي."
رمقتها ليلى بعينين يكسوهما الأسى، وهمست برجاء:
"معلش يا سلمى...
سيبيني أكون لوحدي معاه."
ترددت سلمى للحظة، ثم أومأت بصمتٍ متفهّم، واحترمت رغبة أختها.
وغادرت ليلى المكان بخطوات مسرعة، تحملها نيرانٌ في صدرها لم تجد لها مخرجًا إلا الهروب...
الهروب إلى المقابر، إلى أبيها، حيث الصمت أرحم من ضجيج الوجوه والقرارات.
أما سلمى، فقد هوت على أقرب مقعدٍ في الحديقة، كأنّ قدميها قد خذلتاها، وجلست تتنفس بصعوبة تتأرجح بين الذهول والغضب،غارقة في بحرٍ من الأسئلة المتلاطمة.كانت عيناها شاردتين،لا ترى أمامها إلا فراغًا صامتًا يردّد صدى الوجع.
ثم، رفعت رأسها ببطء...
فوجدته واقفًا أمامها: طارق.
كان التردد واضحًا في ملامحه،يتأمل حزنها الذي التصق بوجهها كظل لا يفارق.
قال بهدوء:
"سلمى...
ممكن نتكلم شويّة؟
رفعت حاجبيها، وردّت بنبرة متحفظة:
"نتكلم عن إيه يا طارق؟
إيه الجديد اللي ممكن يتقال؟!"
تردّد لوهلة، ثم قال بصوت منخفض:
"مافيش حاجة اتقالت بينّا أصلًا...
"
نظرت إليه بنفاد صبر:
"هو في حد مستني مني أقول حاجة؟"
استغرب نبرتها وقال:
"قصدك إيه بكلامك ده؟"
أجابت بصوت مختنق، تحاول السيطرة على ارتجافة حنجرتها:
"أنا...
فجأة لاقيت نفسي موضوع قرار زواجي صادر...
من غير ما أعرف، ومن غير حتى ما حد يفكّر يسمعني اوياخد رأيي."
تنهد طارق وقال بنبرة مطمئنة:
"لا، محدش هيجبرك على حاجة، خلينا نقول إن الوصية دي كانت أمنية من باباكي."
قاطعته باستنكار:
"أمنية ولا قرار؟
أنت وبابا خدتوا الخطوة دي من ورايا؟"
طارق:
"لا والله، مش قرار.
زي ما قلت، من شوية جوه أنا طلبتك رسمي من عمي قبل ما يتوفى."
ردت بسخرية مريرة:
"حلو...
يعني طلبتني وأنا مش عارفة حاجة؟
ولا حتى من حقي أفكر أو أقرر؟"
طارق محاولًا تهدئتها:
"لا طبعًا، الموضوع مش كده."
سألته بنبرة مباشرة:
"أمال إيه الموضوع؟"
تنفّس طارق بعمق، ثم قال:
"في زياراتي الأخيرة لدبي، ماعرفش إزاي، قلبي مال ليكي.وأنا مش بتاع لف ودوران، علشان كده فاتحت عمي بصراحة. كنت فاكر هيديني وقت...
بس فجأة تعب وبعدها بفترة مات واتفأجئت النهاردة بموافقته وكلامه في الوصية ..
اقترب خطوة منها، وصوته أصبح أكثر هدوءًا:
"وعموماً، يا سلمى...
زي ما قلت، إحنا ولاد النهارده.
مفيش إجبار، وأنا مقدّر حزنك وظروفك. خدي وقتك، ولما تحسي إنك مستعدة، فكري في طلبي."
سكتت سلمى، وارتجف جسدها برقة، ثم استدارت بخطوات مترددة، تخفي في داخلها عاصفة من المشاعر المتضاربة؛ دهشة المفاجأة، ثقل قرار الزواج، ودوامة من الأحاسيس المختلطة تجاهه.
لم تَنتظر أكثر، طلبت الإذن بالانصراف، ثم سرعان ما اختفت في اتجاه غرفتها، تاركة خلفها صمتًا يحمل أكثر مما قيل.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
عند المقابر...
وقفت ليلى أمام قبر والدها، وحدها، كأن الزمن توقّف عند قدميها.
لا نسمة تمر، لا طائر يعلو، كل شيء بدا ساكنًا، كأنه يشاركها الحزن، يراقب بصمت ما سيحدث.
لم تبكِ في البداية. كانت فقط تحدّق في شاهد القبر، كأنها تنتظر أن ينطق، أن يشرح، أن يبرر...
أن يضمّها مرة أخيرة.
ثم، فجأة، انهارت.
كأن شيئًا في داخلها انكسر، أو أن قلبها أذن لنفسه أخيرًا بالبكاء.
انفجرت دموعها كالسيل، بلا صوت في البدء، ثم تحوّلت إلى شهقات ممزقة، خرجت من جوف مثقل لم يعرف الراحة منذ أيام.
وبأنينٍ مكتوم همست:
"ليه يا بابا؟...
ليه تسيبنا كده؟ محتاجاك...
أوي."
بكت كما لم تبكِ من قبل.
بكت وبكت...
حتى هدأ جسدها شيئًا فشيئًا.
استكانت، ثم جثت على ركبتيها، وأسندت رأسها على حافة القبر.
هدأت...
كمن أنهى صلاة طويلة، وترك الباقي للسماء.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
في أحد البيوت القريبة من بيت آل صقر، جلست غالية في مكانها وملامح القلق واضحة على وجهها. كانت تحدق في ابنها بلال الجالس أمامها، وعينيها تترقبه كأنها تنتظر منه جوابًا يريح قلبها.
قالت بصوت منخفض، لكنه كان يحمل توترًا واضحًا:
"إيه اللي حَوصَل النهارده في بيت العِمْدة يا بلال؟ والكلام اللي بيِتْجال...
صُوحّ؟"
تنهد بلال، وهز رأسه بنعم قبل أن يرد:
"أيوه يا حاجة...
خالي عاصم كاتب في وصيته إن بناته لازم يعيشوا سنة في بيت العيلة، وبعد السنة الورث يتقسم عليهم،..وليهم نصيب في الأرض زي الرجالة تمام."
نظرت له غالية بدهشة، وفي عينيها لمعة فيها رضا كأن قلبها ارتاح لكلامه
أكمل بلال حديثه :
"وكمان...
خالي كاتب في الوصية إن طارق، ابن خالي شاكر، يتجوز سلمي، بنت خالي عاصم."
اتسعت عينا غالية ورفعت حاجبيها بدهشة:
"جال كِدَه؟ وْكَتَبْها فِي الوَصيّة؟"
وما إن همّ بلال بالرد، حتى انفتح باب الغرفة ودخلت منى، تحمل صينية الشاي بين يديها. توقفت فجأة في مكانها، وقد استوقفها ما سمعته للتو، وحدّقت في وجه بلال بدهشة لم تستطع إخفاءها
وقالت باستغراب:
"إيه؟
عمي عاصم عايز طارق...
أخويا...
يتجوز سلمي؟!"
أجابها بلال بهدوء وهو يرفع كوب الشاي إلى فمه:
"أيوه...
والأغرب إن طارق كان متفق مع خالي على الموضوع ده من زمان."
رفعت منى حاجبيها بدهشة أكبر:
"متفق؟ يعني إيه؟"
ردّ بصوتٍ هادئ كمن يسرد واقعة لا مفاجأة فيها:
"يعني طارق طلب إيد سلمي قبل ما خالي يتوفى...
ماسمعتيش حاجة عن الموضوع؟"
هزّت منى رأسها بالنفي، وقالت بنبرة تحمل شيئًا من الضيق:
"لأ، ماعرفش حاجة...
وبصراحة، من إمتى إخواتي بيقولولي هم بيفكروا في إيه؟
كل واحد بيعمل اللي في دماغه وخلاص."
ساد بعد ذلك صمت ثقيل، كأن الكلمات انتهت، أو كأنهم جميعًا أدركوا أن ما قيل لتوّه لن يمرّ مرور الكرام...
وصية واحدة قادرة على أن تُغيّر ليس فقط توزيع الورث، بل مصائر، وعلاقات، وربما القلوب نفسها.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
كانت سلمي جالسة شاردة، قطع شرودها دخول فاطمة، التي اقتربت منها بهدوء، وجلست إلى جوارها بحنو، تحمل في حضورها طمأنينة الأم ودفء القلب. لحظات من الصمت سبقت كلماتها، قبل أن تنظر إليها بعطف وتقول:
"إنتي كويسة يا بتي؟"
رفعت سلمي عينيها نحوها، وابتسمت ابتسامة باهتة:
"الحمد لله يا طنط.."
صمتت فاطمة برهة، ثم قالت بنبرة مملوءة بالحنان:
أنا عارفة إن الكلام اللي اِتجال في الوَصيّة فجّر الدنيا...
وخاصّة سِيرة جوزاك انتي و طارق."
بدت ملامح سلمي متوترة، لم تنطق بشيء، لكن عينيها قالتا الكثير.
تابعت فاطمة بلطفٍ أكبر:
"بصي يا سلمي يابتي
"أنا مش هاضغط عليكي، ولا هاجولك تعملي حاجة مش طالعة من جِلبِك.
بس اللي لازم تعرفيه...
إن طارق ما هوّش عيّل.
ولو خد قرار زَي ده، يبجى عن قَناعة، مش علشان وَصيّة."
همست سلمي بتردد:
"بس أنا ما كنتش أعرف حاجة...
ولا عمري فكرت في الموضوع ده."
ابتسمت فاطمة في هدوء:
"أوقات كتير، اللي ما بنفكّرش فيه...
هو اللي بيبجى نَصِيبنا...
يمكن أَبُوكي، الله يرحمه، كان حاسس إن طارق هو السَّند بعده."
أخفضت سلمي نظرها وقالت بصوت خافت:
"أنا تايهة...
كل حاجة بتحصل فجأة، ومش عارفة أنا واقفة فين."
وضعت فاطمة يدها فوق يد سلمي برقة:
"خُدي وقتِك يا بِتي، فكّري على رُواق.
إحنا ما بنغصِبش البَنات،
ولا بنرميهم في بيت ما يعرفوش يِمَيّزوا فيه بين المحبّة والواجب.
وإنتي منّنا يا بِتي، ومكانِك في الجلب قبل العين."
امتلأت عينا سلمي بالدموع، لكنها لم تبكِ. فقط أومأت برأسها، كأن الكلمات لامست شيئًا عميقًا داخلها.
وقبل أن يستمر الحديث، دخلت بدور بهدوء بابتسامتها الخفيفة كنسمة صيفٍ لطيفة تخفف من ثقل اللحظة.
نادت فاطمة بحنو:
"تعالي يا بدور، يا بتي"
بدور:
"أهلًا يا مرات خالي، إزيك النهاردة؟"
فاطمة:
"الحمد لله يا بتي...
رضا."
التفتت بدور نحو سلمي وقالت بلطف:
"وإنتي عاملة إيه يا سلمى؟
معلش، ما كانش فيه فرصة نقعد سوا الأيام اللي فاتت...
العزا والناس اللي رايحة جاية ما خلّوناش نتهنى بالقعدة."
سلمي بابتسامة خفيفة:
"معاكي حق يا بدور...
إن شاء الله الأيام الجاية تعوض.
ما إحنا قاعدين على قلبكم سنة كمان، أكيد هتزهقوا مننا."
ضحكت فاطمة وقالت مازحة:
"ده بيتكم يا بتي، وإنتم منورينه."
بدور:
"بالعكس، والله يا سلمي، إحنا فرحانين بوجودكم.
وأنا أخيرًا لقيت لي صديقات بدل الوحدة اللي كنت عايشاها."
في تلك اللحظة، دخلت فرح مسرعة، تهتف :
"خالتو بدور.....
خالتو بدور جت"
هرعت بدور واحتضنت الصغيرة بحنان:
"أهلًا يا حبيبة خالتو...
فين فارس؟"
فرح:
"بيلاعب العصافير...
"
استأذنت بدور، وذهبت مع فرح لرؤية فارس.
نظرت سلمي إلى فاطمة وقالت بإعجاب:
"بدور طيبة أوي...
وحنونة على الأولاد."
فاطمة:
"معاكي حق يا بتي...
هي اللي عوضتهم عن أمهم، الله يرحمها."
سلمي بتساؤل :
"هي...
مامتهم توفّت إمتى؟"
فاطمة:
"ضحي، الله يرحمها، ماتت من خمس سنين.
فرح كان عندها سنتين، وفارس أربع سنين."
سلمي بتأثر:
"ياااه...
كانوا صغيرين أوي."
فاطمة:
"ولسه صغيرين...
ولسه محتاجين حنية الأم.
وعامر ابني، من يومها، ومارضيش يتجوز تاني."
سلمي :
"شكله كان بيحبها فعلاً...
"
ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة، وقالت بصوت يختلط فيه الحنين بالرضا:
يا بِتِّي...
أكيد كان بيحبها، ما هي كانت مرته.ولو جصدِك عَ حكايات الحُب والغَرام والكلام اللي في المسلسلات ده...
لأ، ماكانِش كِدَه.
كلّ الحكاية إنّ عمّتِك غالية كانت عايزة بَناتها يتجوّزوا من وِلادي،وعُرْفنا معروف...
وكان الكلام يومها على عامر وضحي واتجوزوا.بس البِت، والله، كانت طَيّبة، وزينة البنات...
ربّنا يرحمها، ويجعل مَثواها الجنة."
سلمي:
"ربنا يرحمها."
ثم تابعت سلمي، وقد علت وجهها علامات الفضول:
يعني لسه التقاليد دي موجودة؟ لازم البنات تتجوز ولاد عمها أو خالها؟"
ضحكت فاطمة بهدوء:
"أيوه يا بتي، لسه موجودة...
بس لو في رضا، يبجى خير.ولو لأ، ما حدّش بيغصِب على حاجة."
سلمي مبتسمة، بنبرة خفيفة مازحة:
"طيب...
وبدور؟
عمتي غالية مش ناوية تجوزها لحد من ولادك يا طَنط؟"
ضحكت فاطمة بخفة:
آه منك يا سلمي، يا بتي...
انا وعمتك غالية نفسنا بدور تكون للعمدة عامر ولدي
سلمي بتردد
العمدة عامر
إزاي يعني؟ دي أخت مراته ، وكمان في فرق سن كبير بينهم."
فاطمة:
يا بِتِّي...
أُخت مراته، يعني أحنّ واحدة على عياله، مين غيرها هيخاف عليهم زي أمهم؟
وفرق السن؟ ده مش عيب. أنا وعمّك شاكر الله يرحمه كنا فرق بينّا يجي خمستاشر سنة.
والحمد لله عشِرِتنا كانت طيّبة...
نَفس الفرق تجريبًا بين عامر وبدور.."
سلمي:
"طب وبدور؟
عارفة إنك إنتي وعمتي غالية نفسكم تجوزوها للعمدة عامر؟"
فاطمة:
"لأ...
ما حدّش منّا جاب سيرة الموضوع. وبينّي وبينك ، عامر ابني رافض الجواز دلوجت خالص ، ربّك يِدَبَّرها...
"
سكتت سلمى للحظات، ثم قطعت الصمت بنبرة قلقة:
"ليلى اتأخرت أوي...
"
فاطمة بقلق:
"هي راحت فين؟"
سلمي:
"راحت تِزور بابا ف المقابر...
وبقالها كتير، أنا لازم أروح أشوفها."
فاطمة:
"ما تروحيش دلوجت، الدنيا جَرَّبِت تليل، وطريق المقابر مش آمن يا بِتِّي."
سلمي بقلق:
"بس أنا قلقانة عليها...
"
فاطمة:
"ما تِجَلْجِيش يا بِتِّي...
أنا هابعت واد من الغُفْر يشوفها،أو واحد من وِلاد عَمِّك...
لو لِجِيتُهم."
خرجت فاطمة إلى الحديقة، تتلفت حولها وتنادي بصوت واضح:
"مرعي...
مرعي"
لكن الذي كان أمامها هو خالد.
خالد:
"فيه إيه يا حاجة؟ عايزة مرعي ليه؟"
فاطمة:
"سَلامتك يا وَلَدي...
كنت عايزاه يروح ورا ليلى، بِتّ عمّك،راحت المقابر تِزور أبوها، واتأخّرت علينا...
بس مدامك جيت...
روح إنت يا وَلَدي، وشوف إيه اللي أخّرها."
خالد:
"حاضر يا حاجة."
كانت ليلى لا تزال جالسة عند قبر والدها، تنكمش على نفسها كأنها تحتمي به من العالم.
دموعها تنساب في صمت، دون صوت، لكن كل قطرة منها كانت صرخة مكتومة تنزف من الداخل هي التي اعتادت الصلابة، والتماسك، والانتصار على الألم بالصمت، كانت الآن منكشفة أمام الحزن، عاجزة عن الاحتمال.
وقف خالد على مسافة قصيرة، يراقبها في صمت ثقيل.
لم يعتد رؤيتها بهذه الصورة في الأيام السابقة ...
ضعيفة، مكسورة، خالية من كبريائها الذي كان دومًا سلاحها.
شعر برغبة عميقة أن يقترب، أن يقول لها شيئًا، أي شيء...
لكن قدميه ظلّتا ثابتتين، كأن الأرض شدّت جسده، ومنعته من الحركة.
لم تكن تعلم بوجوده ...
حتى التفتت فجأة، وانتبهت إليه.
نهضت بسرعة، ونفضت عن ثوبها ذرات التراب بعصبية كأنها تنتفض من لحظة ضعف.
وبحدة، وعينان محمرتان من البكاء قالت:
"إيه؟ واقف كده ليه؟
في قرارات تانية لسه ما أعلنتوهاش في العيلة؟!"
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━