"وراء كل صمت حكاية لم تُقال
وفي كل درب نسلكه، غموض لا نعرف له نهاية...
لكننا نمضي، علّ الطريق يبوح بما عجز القلب عن البوح به."
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
رمقها خالد بنظرة هادئة مشوبة بالدهشة، فوجئ بجفاؤها الذي باغته كما لو أنه صاعقة خفيفة. لم يستوعب على الفور سبب هذا الصدّ الحاد، لكنه شعر في أعماقه أن الغضب لم يكن موجّهًا له، بل كان ستارًا تخفي وراءه ارتباكها، وسيلة لتحمي قلبها الرقيق من الانكسار أمام أعين من قد يلحظ ضعفها.
استنشق نفسًا عميقًا كمن يُسكِت ضجيج صدره، ثم قال بصوتٍ مقتضب، هادئ رغم ما اعتلج بداخله:
- اهدي يا دكتورة...
أنا برّه الليلة دي، لا بصدر قرارات ولا فرمانات
ثم تنحنح قليلًا، وأردف بنبرةٍ ألطف:
- كل الحكاية إن أختك والحاجة قلقوا عليكي...
اتأخرتي، فجيت أبلغك.
تبدلت ملامح ليلى على استحياء، وارتسم الحرج في عينيها كظلٍ باهتٍ ينسحب ببطء، وقالت بتوترٍ خافت:
- أنا أصلاً كنت راجعة البيت دلوقتي...
هزّ خالد رأسه ببرودٍ مقتضب، كأنه أتمّ ما جاء لأجله، وقال بجفاف:
- تمام
ضاق صدر ليلى من بروده، ومن طريقته التي يُسدل بها ستار الحديث دفعةً واحدة، فقالت بنبرةٍ مشوبةٍ بالامتعاض:
- ممكن أعدّي...
لو سمحت.
تنحّى قليلًا إلى الجانب، وأشار بيده إشارةً قصيرة:
"اتفضّلي."
مرّت بمحاذاته دون أن ترفع إليه عينًا، تمضي كمن يفرّ من مواجهة نفسه، بينما ظلّ هو واقفًا يتابع ابتعادها بنظرةٍ عالقة، ثم تحرك خلفها ببطء، وصوتٌ داخلي يتسلل إليه ساخرًا بمرارةٍ مكتومة:
- أنا إيه اللي خلّاني أجي؟ والهانم كمان مش عاجبها!
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
تمدّد الليل فوق بيت ماهر، هادئ في ظاهره، خانق في باطنه. الظلام خارج الجدران بدا رحيمًا مقارنة بما يدور في الداخل، حيث كل شيء يغلي بصمت، والجدران كأنها تهمس بما لا يقال.
جلس ماهر على مقعده الخشبي العريض في منتصف الصالة، متكئًا بجسده الثقيل، وصمته الأثقل، كأنه عمود البيت وسجّانه معًا. إلى جواره كانت رجاء، زوجته، نظراتها حائرة، متوجسة، تتنقل بينه وبين ابنها كمن تخشى انفجارًا وشيكًا.
على الطرف الآخر جلس سيف، وعيناه تلمعان بغضب مكتوم. أشعل ماهر سيجارته، نفث دخانها ببطء، ثم نظر إلى سيف وقال بسخرية مغلّفة بالغضب:
-الكلام ده عن وصية عاصم خوي؟! والله ما دَخَلِت نفوخي واصل! مش بعيد عاد تكون مَفصّلة على كيف ولاد شاكر!
رفع حاجبيه بانفعال وأضاف:
- يعني فجأة أكده...
طارق يتجوّز بِتّ عاصم؟! صدفة دي؟! ها؟!
قاطعه سيف بنبرة حانقة:
- أنا كمان شاكك يا حاج...
يعني إيه؟ وصية توصّي بالأرض وكمان جواز من طارق؟!
ومش بعيد كمان الدكتورة اللي طالعة في العالي دي، يكون عامر ولا خالد بيزبطوا معاها في السر!
ضرب ماهر كفه على الطاولة بعصبية، فارتجفت فناجين الشاي، وقال جهوريًا:
- يبجى لازم تتجوز البت دي.. مش كل حاجة تروح لولد شاكر وإحنا جاعدين نتفرجوا
حاولت رجاء أن تلطف الجو:
- اهدى يا حاج...
إخواتك العمدة شاكر ودكتور عاصم، ربنا يرحمهم، خدوا نصيبهم زيّك. بس عيالهم شقّوا وتعبوا وكبّروا نفسهم بعرقهم...
ليه نبص للّي في إيد غيرنا؟"
رمقها ماهر بنظرةٍ مشتعلةٍ بالغضب:
اخرسي إنتي.. لو واحدة غيرك كانت سَنَدت ولدها وجوزها، مش واجفة تعاير فيهم! ومش كفاية طارق اللي كنا رايدينه لِبتّك؟ وأهو طار وراح لغيرها. والله جدعة بِت عاصم، عرفت كيف توجّعه وهي في آخر الدنيا!
في الركن البعيد جلست ميرهان، ساكنة الجسد، مضطربة الروح.
تدفقت الذكريات في صدرها؛ تلك الليلة التي سمعت فيها والدها يتحدث عن زواجها من طارق، وكيف تسلل إلى قلبها إعجابٌ خافتٌ به، إعجابٌ نما بصمتٍ كزهرةٍ في الظل.
لم يكن حبًا، لكنه كان حلمًا بالهرب، بالخلاص من قسوة أبيها، بحياةٍ تحمل اسم رجلٍ مختلف.
واليوم...
تلاشى الحلم قبل أن يولد.
تنهدت رجاء وقالت بهدوءٍ مشوبٍ بالألم:
— كل واحد ورزقه يا حاج...
وميرهان نصيبها لسه.
وبلاش تدخل سيف في الحكايات دي.
نهض سيف غاضبًا:
— ليه يا حاجة؟ هو الكلام غلط؟
ولاد عمي شاكر واخدين كل حاجة...
ناقص الأرض كمان بتاعت بنات عمي عاصم
قال ماهر بلهجةٍ حاسمة:
— كفاية عاد..
يا سيف، تِروح تشُوف البِت الدكتورة دي وتِقنعها بالجواز..
إنت خابر زين نصيبهم واصِل لِإيه؟.. أراضي ومزارع وِنابة كبيرة في الشركة!
ثم غادر بخطواتٍ غاضبة، وتبعه سيف.
وساد الصمت.
رفعت ميرهان عينيها إلى أمها وقالت بصوتٍ مكسور:
— «بابا بيكرههم كده ليه يا ماما؟ إحنا عندنا كل حاجة.»
تنهدت رجاء، وقد بدا الحزن في صوتها:
— «أبوكِ قلبه مليان يا بنتي...
عمره ما شاف غير اللي ف إيد غيره.
وبينه وبين عاصم جرح قديم عمره ما اتلم.»
ظل الصمت يهبط ببطءٍ على المكان، ثقيلًا كوجعٍ لا يُرى...
لكنه يُسمع في دقات القلوب.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
قَرعت طرقاتٌ خفيفة على باب الغرفة، فتردّد صوت " فاطمة" هادئًا، مغمورًا بالسكينة:
"ادخل."
فتح عامر الباب بهدوء، ودخل بخطواتٍ واثقة، وعيناه تتفقدان والدته. كانت قد فرغت لتوّها من صلاتها، جالسةً على سجادة الصلاة، تمسك مسبحتها بين أناملٍ هادئة، تنقل الحبات بصبر المتعبّدين.
اقترب منها وجلس إلى جوارها، ثم قال بنبرةٍ حانية دافئة:
"تقبّل الله يا حاجة."
أجابته بابتسامة راضية:
"منا ومنك يا ولدي."
أطرق لحظة، ثم نظر إليها بنظرة مشاكسة وهو يقول:
"دعيتِي ليا ؟ ولا نسيتيني؟"
ضحكت فاطمة ضحكة خفيفة، وقالت بمودة:
"أنساك يا ضنايا؟! ده انت روحي.ربّنا يِرْزُقَك الخير كله، ويِرَيَّح بالك،ويِكْتِب لك اللي تفَرِّح جَلْبَك وتعَوِّض صَبْرك."
ضحك عامر ضحكة ساخرة، وقال:
تِلفّي وتِدوّري يا حَجّه، وفي الآخر تِدعِيلي بالدَّعوه دي برضُه؟
ردّت وهي ترفع حاجبًا وتشدّ على كلماتها:
"وهو في أَهَمّ من الدَّعوه دي يا وَلْدي؟! كِفاك خَمِس سِنين لوحدك، لا وِنس ولا مَرَه في حياتك...
وعيالك مِحتاجين حَنية الأُم."
تنهد عامر وقال:
"ربك كريم يا حاجة...
إن شاء الله خير."
رفعت فاطمة رأسها ونظرت إليه نظرة مفعمة بالأمل، وسألته:
"يعني ناوي يا ولدي؟"
ردّ عامر مبتسمًا:
"إيه يا حاجة؟ ما صدّقتي؟! بجلك إن شاء الله...
لما نلاجي بنت الحلال المناسبة."
قالت وهي تتقد حماسة ولهفة:
"بِتّ الحَلال جدّام عينيك يا وَلَدي...
زينة، ومتربّية، وعِيالك طايرين بيها جُوّي"
نظر لها عامر باستغراب وقال:
"ده مين دي يا حاجة؟ فزورة؟!"
ضحكت فاطمة وهي تحرّك رأسها بحنان، وقالت:
"لا فزورة ولا حاجة يا ولدي...
أنا بتكلم عن بدور."
تجمّدت ملامح عامر للحظة، ثم ردّ بدهشة وصوت جهوري خرج منه دون قصد:
"إيه؟ بتجولي إيه يا حاجة؟ بدور؟!"
وحدّق في أمه بدهشة مشوبة بالاستنكار:
"بدور إيه يا حاجّه؟!
دي لِسَّه عِيلَه!"
ابتسمت فاطمة، وردّت بثقة :
"عِيلَه إيه يا وَلَدي؟!
دي خَلَّصِت جامعتها من سنتين...
يعني جدّ الجواز وزيادة."
زفر عامر،ثم قال بنبرة أقل حدّة:
"ولو يا حاجة...
فرق العمر كبير بينّا. دي كانت بتلعب في البيت هنا وأنا لسه متجوز أختها"
ردّت فاطمة بثقة:
"يا وَلَدي، جوازك من ضحي مَرّ عليه عشَر سِنين.
والعشَر سِنين دول يِخَلّوا العِيلَه تِصير صَبِيّه وزينه
وبعدين، جوم شوف عِيالك...
مش شايف قدّ إيه مُتْعَلّجين بيها؟!"
هز عامر رأسه، وقال بتنهيدة:
"أيوه يا حاجة، منكرش. ولادي بيحبوها، ومفيش حد جريب منهم زيها...
بس ده مش معناه إني أتجوزها. بدور بالنسبة ليا...
أختي الصغيرة."
ارتفعت حاجبا " فاطمة" وحدّقت في ولدها بنظرة تجمع بين العتب والفهم، ثم قالت بنبرة صريحة لا تعرف المواربة:
"أُختك؟!
يعني وإنت كنت متجوز ضحي...
كانت أُختك؟
ولا أُختك منِّي، لما اتجوزِت بَلال، واد عَمّتك غالية؟ كان أخوها يعني؟
ولا أنا وأبوك طِلِعنا إخوات واحنا مش داريين؟!"
سكتت لحظة، ثم تابعت بهدوء فيه كثير من الحزم:
"البِتّ مش مُحَرَّمه عليك يا عامر...
بَدور زينه، ومُتْرَبِّيَه، وأصلها معروف،وكَبِرِت ف حُضنّا وتَحْت عنينا. ..وعِيالك بيِحِبّوها حُبّ ما يِتْخَبَّاش."
ثم نظرت إليه نظرة مباشرة، وأضافت:
"يعني ياولدي ادي نفسك فرصة ممكن جلبك يميل لها ، إيه اللي يمنع؟"
أدار عامر وجهه قليلاً، وتنحنح محاولًا تغيير مسار الحديث:
"خلاص يا حاجة، جلت نجفل على الموضوع ده. المهم دلوجتي...
ما تعرفيش طارق عمل إيه مع بت عمه سلمي؟ ناويين على إيه؟"
نظرت إليه فاطمة ماكرة:
"بتغيّر الموضوع؟ماشي يا وَلَدي...
طارق أخوك رايِد البِتّ من زمن ...
وسَلمي لِسّه عقلها مِتلَخْبِط، بس جَلْبي بيجول...
إنها هِتوافِج."
ضحك عامر ضحكة قصيرة، وقال مازحًا:
"يعني كنتي عارفة من زمان، وساكتة؟ بجيتي بتخبي عليا أسرار ياحاجة؟"
ضحكت فاطمة، وردّت بحنان:
"مش أسرار ولا حاجه...
هو حَكَى لي آخر مَرّه رِجِع فيها من دُبي،بعد ما زار عَمَّك عاصم.
بسّ تَعب عَمَّك وجتها خَلّى الحِكايه تِتأجَّل،ولِسَّه ما نيعِرِفْش رَدّ بت عمك "
أمسك عامر بيد أمه وقبّلها بحنو، وقال هامسًا:
"ماشي يا حاجة...
هنعدّي الأسرار المرادي."
ضحكت فاطمة، ومسحت على رأسه كما كانت تفعل وهو صغير.
ثم استأذن عامر بالانصراف، واتجه نحو الدرج المؤدي إلى جناحه في الطابق العلوي
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في الغرفة المجاورة لغرفة " فاطمة"، كانت ليلى وسلمى تجلسان في الشرفة، تتأملان الحديقة الغارقة في صمت المساء. النسيم يمرّ خفيفًا، يداعب أطراف الأشجار، ويُزيد من شرودهما.
سألت سلمى، بنبرة هادئة تقطع شرود اللحظة:
"ارتحتي؟ لما زورتي بابا النهاردة، يا ليلى؟"
أجابت ليلى بعد تنهيدة طويلة:
"آه يا سلمى...
كان في حجر تقيل على صدري، مش قادرة أبكي، ولا حتى أصرخ. النهاردة حسّيت إني فضّيت الوجع شوية...
زي ما كنت بكتم نفسي طول الأيام اللي فاتت."
أومأت سلمى برأسها، وقالت بحنان:
"كويس...
البُكا بيريح شوية. ويخفف، حتى لو ما شالش الوجع كله."
أومأت ليلى، ثم قالت بنبرة يعلوها شيء من الذكرى
"جملتك دي فكرتني ببابا.. قال لي قبل ما يتعب: لو حزنتي يا ليلى، ابكي...
البُكا بيريح."
نظرت إليها سلمى بعطف:
" الله يرحمه ,, تعرفي...
إنتي شبهه قوي. نفس الكبرياء، ونفس العِند، بتكتمي كل حاجة جواكي. لا بتحبي تبيني ضعفك، ولا حزنك."
هزت ليلى رأسها ببطء:
"أنا فعلاً كده...
بحب أعيش حزني لوحدي، ما بحبش حد يشوفني ضعيفة."
ربتت سلمى على يدها برفق:
"وعشان كده، سبتك براحتك النهاردة...
عارفة إنك كنتي محتاجه ده."
ردت ليلى بسخرية خفيفة:
"آه، كنت مرتاحة لحد ما جه اللي قطع عليّا خلوتي."
نظرت إليها سلمى بفضول:
"بتتكلمي عن مين؟"
أجابت ليلى بعد لحظة:
"ابن عمك...
خالد."
فجأة لقيته واقف قدامي، ساكت، ما نطقش
ضحكت سلمى بخفة:
"مرات عمي هي اللي طلبت منه يروحلك. كانت خايفة ترجعي من المقابر بالليل لوحدك."
قالت ليلى بخفوت:
"عارفة...
"
وغابت لحظة في شرود، تسلّلت خلاله إلى ذاكرتها صورة المقابر، حين باغتها خالد وهي تبكي، فانتفضت بحدة، كأنها ترفض أن يراها أحد ضعيفة وتبكي..
شدّت نفسًا عميقًا، ثم أفاقت من شرودها، ونظرت إلى سلمي وقالت بجدية هادئة:
"المهم دلوقتي...
أنا عايزة أتكلم معاكي. ،،في موضوعك انتي وطارق"
رفعت سلمى حاجبيها بقلق:
"أنا وطارق؟"
ضحكت ليلى:
"أيوه، انتي وطارق و ما تنكريش إن آخر فترة ماكان بيزرونا في دبي ، كان في ميل من ناحيتك له."
حاولت سلمى التهرب:
"يا بنتي، أنا كنت فرحانة إن في حد من قرايبنا بيزورنا. كنا دايمًا لوحدنا هناك."
ضحكت ليلى:
"آه طبعًا...
مع إن خالد كان بييجي برضه، بس الفرحة كانت لما طارق يزورنا."
رفعت سلمى حاجبيها وقالت:
"خالد؟ ده صنم! بيطلع الكلام بالعافية، وكله رسمي."
ضحكت ليلى، ضحكة خفيفة، خرجت منها رغماً عنها...
رنّ صداها في الشرفة وامتد إلى الأعلى.
في الطابق العلوي، كان خالد واقفًا في شرفته، لا يسمع الكلمات، لكن الضحكة شدّته. نظر إلى الأسفل ، فرآها تبتسم لأول مرة منذ أيام. تلك التي عرفها جامدة الملامح، متماسكة كأنها لا تنكسر، كانت تضحك.
تأمّل وجهها ...
ما زالت آثار الدموع تسكن ملامحها، ومع ذلك، كان في عينيها بريق خافت، كأنه بصيص ضوء خرج لتوه من غيمة طويلة. كانت تحمل ملامح متعبة، لكن في عمقها سكينة تشبه الهدوء بعد العاصفة.
همس كمن يحاور نفسه:
"عجبًا لهذا اليوم...
كيف جمعت بين بكائها وابتسامتها، كأن قلبها كشف كل ما أخفاه دفعة واحدة."
وفي الأسفل، كانت الأختان لا تزالان في الشرفة، تكملان حديثًا اختلط فيه الحنين بالضحك.
ضحكت سلمي بخفة، وقالت:
"يااه يا ليلى...
أخيرًا ضحكنا شوية، حسيت إننا رجعنا نتنفس."
ابتسمت ليلى، وفي عينيها بريق حنين:
"نفسي نرجع زي زمان، نضحك ونفرح من قلبنا...
بس هنعمل إيه؟ ربنا كريم. المهم يا بنت انتي ، ما تتهربيش من كلامي، طالما أخينا ده طلع صنم ، يبقى طارق لا صنم ولا حاجة، فأانتي شايفاه مختلف."
ضحكت سلمي بخجل، وقالت وهي تتجنب نظرة أختها:
"بصي...
مش هأنكر، فعلاً كان في بوادر إعجاب، بس ماكنتش متوقعة إن الموضوع هيتطوّر بالسرعة دي، ولاكنت متوقعه ان لوفي ارتباط يجي بالطريقة دي...
حاسة كإني اتكتّفت، مش قادرة أفكر."
ربّتت ليلى على يدها وقالت بهدوء:
" خدي وقتك يا حبيبتي، مفيش حاجة مستعجلة محدش هيجبرك على حاجة، وكل حاجة هتبان مع الأيام. إحنا لسه في وسط الحزن، والوجع مغطي على كل حاجة...
بس لما الأمور تهدى، هتعرفي تسمعي صوت قلبك."
تنهدت سلمي وقالت:
"إن شاء الله...
ربنا يسهّل. طيب، ده عني. لكن إنتي؟ هتعملي إيه في حكاية الارتباط اللي فجأة قولتيه؟! أكيد مش هتعدّي، وهتُتسألي عنها."
ردت ليلى بارتباك وهي تعبث بأطراف بشعرها:
مش عارفة والله...
هو اللي جه في دماغي وقتها. لما شفت عمك ماهر بيضغط، وسيف بيستفزني، حسيت إن أفضل رد هو إنهي الحوار كله بجملة تقفل السكة. قلت أقول أي حاجة...
ولما تهدى الأمور، أقول إن مفيش ارتباط ولا حاجة."
كانت الكلمات تنساب بينهما بصوت منخفض، لكن من يقف في الشرفة لم يكن غافلًا عن حديثهن.
خالد، الذي لم يغادر مكانه بعد، التقط أطراف الحديث، وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة ساخرة،كأنما يحدّث نفسه هامسًا،وقد تسلّل التهكّم إلى نبرته:
"آه طبعًا...
على أساس إن في حد فينا صدّق أصلًا قصة العيال دي.
قال مرتبطة...
قال!"
قطع شروده صوت طرقات خفيفة على باب غرفته، فتنفّس بعمق، واتجه ليفتح الباب...
كان عامر يهمّ بالدخول إلى غرفته بعد يوم مرهق، حين لمح من طرف الممر ضوء غرفة خالد لا يزال مشتعلاً. لم تكن هذه عادته، فخالد لا يميل إلى السهر إلا في أحوال استثنائية.
اقترب عامر، وطرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم أطلّ برأسه وقال بنبرة وادعة:
"كنت رايح أنام...
شفت نور أوضتك لسه مولّع، قلت يمكن لسه صاحي.
رفع خالد نظره إليه بابتسامة هادئة وقال:
"أه، لسه صاحي شوية."
اقترب عامر وجلس أمامه قائلاً:
"كوَيِّس...
خَلّيني أجول كِلْمِتَين معاك كِدَه ع السِريع."
ضحك خالد مازحًا:
"يا مرحب بالعمدة في أوضتنا المتواضعة، ده شرف لينا."
ابتسم عامر وقال بنبرة خفيفة:
"مش هطول عليك...
بس الغزالة شكلها رايجة النهارده، يا هندسة!"
رد خالد بغمزة:
"لا رايقة ولا حاجة، بس بناخد نفس وسط الضغط والشغل اللي مابيخلصش."
أخذ عامر نفسًا وقال:
"بما إننا جِبنا سيرة الشُّغل...
كنت عايزَك تِعمِل حَصْر دقيق لنِسبة بَنات عَمَّك ف شركة الاستيراد."
هز خالد رأسه:
"تمام، اعتبره جاهز."
ثم أضاف وهو يعدّل جلسته:
"طيب، والأرض والمزارع؟ إيه النظام؟"
تنهد عامر بعمق، وقال بصوت فيه شيء من التحفظ:
"أنت عارف عوايدنا ...
الأرض مش من نصيب الحريم. بس عمك عاصم، الله يرحمه، حبكها شوية...
وحط العجدة في المنشار."
هز خالد رأسه نافيًا بلطف:
"مش شايف إنه حبكها ولا حاجة، ولا حتى عقدة في المنشار زي ما بتقول."
نظر عامر إليه مستفسرًا:
"تجصد إيه؟"
رد خالد بهدوء:
"قصدي إن عمي كان شايف إن الأرض دي الرابط الوحيد اللي يربط البنات بالبلد، لو سابوها، هيرجعوا دبي، أو أي مكان بعيد. بس لما يكون لهم أرض هنا، ومزرعة، وشركة، يبقى في سبب يفضلوا، ويرتبطوا بينا وبالمكان...
يمكن ده كان هدفه الحقيقي."
صمت عامر لحظة، ثم قال:
"بس عمك بقاله فوج عشر سنين ما نزلش بيهم. حتى مراته لما ماتت، جابهم بالعافية لدفن امهم، وبعدها نزل مرتين لوحده."
رد خالد متفهمًا:
"صح، بس متنساش طبع عمي...
كان عنده كبرياء، واتوجع من حاجات كتير...
خصوصًا الإهانات اللي شافها هو ومراته قبل ما يسافر. وطبيعة شغله كدكتور ساعده يبعد، ولقى فرصة يعيش بعيد عن صراعات العيلة. حتى في الإجازات، ماكان بيجي لوحده، التوتر كان موجود."
أومأ عامر موافقًا:
عندَك حَق...
بس تِفتِكِر ليه دلوجتي حَبّ يِرَجِّع بَناته وسطنا؟"
غامت نظرة خالد فجأة، كأن شريطًا قديمًا يعيد نفسه داخله، ثم قال
"فاكر لما بدأ يمرض؟ وكنت وقتها في زيارة لدبي قالي: 'نفسي نرجع نعيش في بلدنا، نفسي البنات يشمّوا ريحة الأرض، ويعرفوا ناسهم ويتعلّقوا بالمكان.'
سألته ساعتها: 'ليه دلوقتي؟'
قالي: 'أنا ما كنتش مقاطع العيلة...
كنت مقاطع قلة الكرامة. لكن دلوقتي، بعد ما ماتت أمهم، والمرض بدأ ياكل فيّ، بقيت بخاف عليهم أكتر. بخاف أسيبهم لوحدهم في الغربة من غير سند ولا ونس.تنهد عامر وقال:
"ربنا يرحمه...
كان بيفكر صح."
ثم استقام في جلسته وأردف:
"وعلشان كده...
كتب في وصيته جواز طارق من بته سلمي."
هزّ خالد رأسه موافقًا:
"أيوه، فعلاً. طارق كان فاتحه في الموضوع، وحسيت إن عمي كان مرتاح للفكرة."
ضحك عامر بخفة وهو يومئ له:
"ما شاء الله...
العيلة كلها كانت عارفة موضوع طارق وبنت عمكم، وأنا آخر واحد يعرف...
وبالوصية كمان!"
ضحك خالد بدوره، وقال بمزاح هادئ:
"العفو يا عمدة...
ده إنت الكل في الكل. بس الحكاية كانت مجرد إعجاب من طارق، لحد ما عمي قرر يرسمها رسمي...
فبقت أمر واقع."
قهقه عامر:
"على جولك...
الوصية نزلت زي الجنبلة.. خصوصًا لما دخل علينا عمك ماهر، وجال عايز ليلى بت عمك لسيف"
تغيرت ملامح خالد، وارتسمت على وجهه ابتسامة مقتضبة لم تُخفِ امتعاضه:
"بلاش تفتّحلي سيرة عمي ماهر...
هو وسيف، اللي ماشي وراه زي الطبال في الزفة."
ضحك عامر بحرارة، ثم أضاف وهو يغمز له:
" هتجولي...
ده إنت كنت فاضلك لحظة وتجوم تاكلهم الاتنين
ولولا الجنبلة اللي رمتها الدكتورة ليلى وجفتك"
رفع خالد حاجبه بسخرية:
"تقصد حكاية انها مرتبطة ؟"
قال عامر، وهو يلوّح بيده:
"أيوه، هو في غيرها؟"
سأله خالد متعجبًا:
"وأنت صدقتها يا عمدة؟"
رد عامر بابتسامة خبيثة:
"هي دي تِدخُل عَقلي بردك؟!
دي جُمله قالتها تِهرُب بيها من الورطه اللي عَمَّك ماهر كان هَيِلْبِسها فيها.
وبيني وبينك...
رَدّها عَجبني ، جُلت في نَفسي: أحسن مِن خِناقَه كانت هَتْوَلَّع،..واهو فرصة نِاخُد هُدنه مِن صُداع عَمَّك."
ضحك خالد وقال:
"عندك حق. بس برضو، ماظنش إن عمي ماهر ناوي يبطّل وجع دماغ."
أجاب عامر بنبرة فيها رضا واستسلام:
"ربك كريم...
ويدبرها."
ثم نهض وهو يتمطى:
"يلا بينا...
أروح أنام."
توقف لحظة وهو يفتح الباب، ثم التفت وسأل:
"صحيح...
إنت وطارق ناويين إمتى تتفقوا على شحنات المكن والمعدات من دبي؟"
رد خالد وهو يطوي بعض الأوراق على المكتب:
"يعني على أول الشهر كده. نسافر تقريبًا بعد أسبوعين."
هز عامر رأسه وقال:
"ماشي، على خير. تصبح على خير يا هندسة."
ابتسم خالد :
"وإنت من أهله يا عمدة."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━