ظلام… ثم نور يتردّد. يفتح إيرولد عيناه ببطء ليرى نفسه في منزل صغير من طين .لكنّه يعرف هذا المنزل… إنّه منزل السيد راع. يكاد لا يستطيع الحراك، وفي لحظة سريعة يقول: " هل كنتُ أحلم؟!" هل ما مررتُ به كان حلمًا؟ لم يكن هناك علي ولا جاسمين ولا الباقون…يمسك رأسه ويقول بصوت مرتجف:
" مستحيل! لقد شعرتُ بكل شيء… كان حقيقيًا… لم يكن حلمًا! "
يصرخ: " آرثر! أخرج يا آرثر! "
فيدخل رجل عجوز قصير القامة، ذو شارب أبيض، أصلع الرأس، عيناه سوداوان داكنتان، يحمل عكازًا خشبيًا .يقول بصوت قلق: " ما بك تصرخ يا إيرولد؟"
فيصدم إيرولد ويقول: " السيد راع! كيف وصلتَ إلى هنا؟! لقد كنتُ في أقصى الشمال… كم من الوقت بقيتُ نائمًا؟"
يرد السيد راع وعصاه ترتعش بين يديه: " أقصى الشمال؟! هل أنتَ مريض يا إيرولد؟"
يقترب منه ويضع يده على جبينه: " لا تبدو مريضًا… ما هذا الكلام الجنوني؟! كنا نحصد بالأمس… لم تذهب إلى أي مكان. حتى إنّي أنا من وقعتُ، لا أنتَ يا إيرولد! "
فيقول إيرولد بارتباك: " ما الذي يحصل بحقّ الجحيم؟! من المستحيل أن يكون حلمًا…"
يصرخ مرة أخرى: " آرثر! هل من أحد هنا! "
لكن لا يجيبه سوى الصمت.
فيسأل إيرولد وهو يلهث: " ما الذي حصل لي؟ لماذا لا أستطيع التحرك؟"
فيرد السيد راع: " لقد تغلّب عليك كبرياؤك مرة أخرى… كان الحصاد أكبر من أن نُنجزه كاملًا اليوم. كنتُ سأطلب المساعدة، لكنك قلتَ: " أنا أكفي وحدي. وبعد أن أنهيته، وقعتَ على الأرض متعبًا بشكل جنوني. "
ثم يشير إلى الحمار ويقول: " لذلك سحبتُك مع لونا ووضعتك على السرير لترتاح… ولا تعيد هذا العمل الجنوني مرة أخرى يا إيرولد. "
يتحرّك إيرولد متألمًا: " أووه… شكرًا لك يا سيد راع. هل يمكنك مساعدتي على الخروج؟"
يرد بابتسامة: " طبعًا. لونا، تعالي يا صغيرة! "
فتدخل لونا ليتمسك بها إيرولد وتخرجه للخارج. يقول السيد راع: " لنَجلس في الخارج… سأُحضِر بعض الشاي. هل تريد؟"
إيرولد: " بالطبع… إنّ الشاي الخاص بك هو الأفضل. "
السيد راع: " حسنًا يا إيرولد. "
يفكر إيرولد في نفسه: " أنا متأكد… هذا ليس حلمًا…"
ثم يربّت على لونا قائلًا: " توقفي هنا…"
فتقف أمام كرسي يطلّ على المزرعة. ينظر إيرولد بدهشة ويقول: " لم أتخيّل هذا من قبل… مزرعة وسط الصحراء! أشجار تفاح، وحقول قمح… كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟ لم أسأل السيد راع من قبل عن هذا… لكنّي متأكد أنّه من عمل أحد السحرة الكبار…"
ثم ينظر إلى لونا قائلًا: " كنتُ أريد أن أعرّفك على عتمة يا لونا… لكن للأسف لا أستطيع…"
يسمع صوت السيد راع يسأله: " ومن هو عتمة يا إيرولد؟"
فيرد إيرولد: " قصة طويلة يا سيد راع…"
فيقول العجوز: " بفضلك لا نملك شيئًا نفعله اليوم… لذا، أخبرنا بها. حتى لونا تستحق أن ترتاح اليوم…"
قال إيرولد: " إنها قصة مجنونة… لكن لا أملك إثباتات… ومع ذلك، هي حقيقية… أنا متأكد من هذا. "
السيد راع: " أنا أعرف أنك لا تكذب يا إيرولد، لذا… تفضل. "
بدأ إيرولد يسرد القصة، فتعجّب السيد راع وقال: " هل تركتني حقًا وتوجّهت إلى بابل؟... لكن لماذا؟"
أكمل إيرولد سرد القصة حتى وصل إلى موت علي، فتأثّر السيد راع وقال بصوت حزين: " النبلاء الملاعين... "
ثم تمالك نفسه قال: "لكن، لا أنكر أن بعضهم من خيرة الناس... إلا أن الكثير منهم لا يستحقون العيش. يتصرّفون كما لو كانوا من الصالحين في الأرض، وما هم إلا حُثالة لا يملكون أي إنجاز سوى ذِكر ما فعله أجدادهم في الماضي. "
نظر إليه إيرولد باستغراب وقال: "أظنّك تملك قصة يا سيد راع، لتخبرني بها. "
فأجاب: "أكمل قصتك أولًا، بعدها سأخبرك قصتي. نحن لم نتحدّث كثيرًا من قبل، لقد كنتَ كتومًا بعض الشيء. "
ابتسم إيرولد بخفوت وقال: " معك حق. "
ثم تابع سرده، وقال باسمه الحقيقي: " أنا آرثر... لقد اتخذت اسم إيرولد بعد موت إيرولد لايون هارت. "
فتح السيد راع عينيه بدهشة: " إذًا كان اسمك آرثر؟"
قال إيرولد: " لم أكن أحمل اسمًا في البداية. "
رد راع بهدوء : " إذًا أنت من قتل حور ذلك اليوم؟"
خفض إيرولد رأسه وقال بهدوء: " نعم و لا بنفس الوقت. "
استمرّ في السرد بينما كانت مشاعر السيد راع تتخبّط بين الحزن والفرح. ثم قال: " إذن، لقد وجدت شخصًا أحببته يا إيرولد؟"
فأجاب إيرولد: " لم أكن أفهم ما كان ذلك... هل هو احتياج لمشاعر لم أعرفها في حياتي؟ أم ما تسمّونه أنتم بالحب حقًا؟"
ابتسم راع وقال: " وما الذي حدثك به قلبك عنها؟"
قال إيرولد: " حدثني بالكثير... عن تفاصيلها، شكلها، شخصيتها. "
ثم أضاف: " لكن عقلي قال إنها غير مناسبة، هناك الكثير من الاختلافات بيننا... لذلك حاول إبعادي عنها. "
هزّ راع رأسه وقال: " وقلبك... لم يرد ذلك، أليس كذلك؟"
تنهد إيرولد: " نعم، لكن الزمان يُنسي... ستكون صفحة في كتابي فقط. "
ثم تابع قصته حتى وصل إلى لقائه مع آسترا، فوصف المكان قائلًا: " مكان جميل، كما لو كان سديمًا مملوءًا بالنجوم... وهناك قابلت سيدة. "
ثم وصف ملامحها وقال: " هذه هي... آسترا. "
اختفت الملامح من وجه السيد راع، وتغيّرت ملامحه إلى صدمة حقيقية: " من أين تعرف هذا الاسم يا إيرولد؟!"
أجابه: " لقد عرّفتني باسمها. "
نظر إيرولد إلى السيد راع فوجده شاحبًا، فسأله: " ما بك، يا سيد راع؟"
أجاب بصوت متردد: " كنت أظنّك تهذي بأحلام... لكن بما أنك وصفت سيدة النجوم كما ذُكر في الكتب الملكية... إذًا أنت صادق بحق! كيف يكون هذا ممكنًا؟!"
ثم تمالك نفسه وقال بجدية: " أكمل... لن أقاطعك بعد الآن. "
أنهى إيرولد قصته، فقال السيد راع وهو يتنفس بعمق: " إذن... آرثر هو الروح التي تعيش في جسدك، قاتلتَ أحد نُخبة الجان، ثم قابلت سيدة النجوم، وبعدها حاربت ملك اللصوص. ثم حصلت على عين الغموض... التي تُعَد مفتاحًا لعالم الجان. بعد ذلك التقيت رفاقًا، كلٌّ منهم رغبة مختلفًا، لكنهم يجتمعون في طريق واحد. وفي النهاية، تتوجّه لمقابلة جلجامش، الذي يُوصَف منذ صغره بأنه أقوى البشر؛ رجلٌ قادر على هزيمة جيشٍ بأكمله بمفرده. هناك تكتشف أنك تحمل قوّة التوازن... وأن آرثر يستطيع إيقاف الزمن.
أما ذلك الجان... فقد مات، و شياء ما منه دخل جسدك. "
أمسك رأسه بألم وقال: " يا إلهي... لقد وصفت قصة بالجنون، لكنها تتعدّى الجنون ذاته. رأسي يؤلمني... نكمل في الداخل يا إيرولد. "
دخلو إلى المنزل، وجاءت لونا لتأخذ إيرولد إلى الداخل .قال السيد راع : "سنكمل الحديث في غرفتي يا إيرولد. "
دخل الغرفة، ووقف أمام صندوق مغلق. سأله إيرولد: " ما هذا يا سيد راع؟"
راع: " اجلس أولًا. "
جلس إيرولد، فأخرج راع سيفًا مرصّعًا بالذهب. تعجب إيرولد وقال: " هذا غالٍ للغاية... من أين حصلت عليه يا سيد راع؟"
ابتسم راع وأجاب: " إنه ملكي. "
قال إيرولد بصدمة: " ملكك؟! من تكون بالضبط؟"
أخرج راع تاجًا ذهبيًا مرصعًا بالزمرد وقال: " كانوا يلقبونني في الماضي جالب السلام... الملك راع. كنت ملكًا لمملكة مصر. "
صُدم إيرولد: " مستحيل... أنت؟!"
أومأ راع بهدوء: " نعم... أنا والد أمون، وجدّ حور. وبالمناسبة، لا أملك أي ذرة كره لك يا إيرولد. لقد فعلتَ ما كان صوابًا بحق حور. حتى لو لم تكن أنت، بل كان آرثر، لم يكن تصرّفًا خاطئًا. "
قال إيرولد متوترًا: " توقف... كيف وصلتَ إلى هنا؟ ولماذا تركتَ حكم المملكة؟"
تنفس راع بعمق وقال: "سأبسط الأمر... في الأربعين من عمري، كان نبلاء المملكة يعاملون عامة الشعب كما لو كانوا قمامة. عبيد وُلدوا لطاعتهم، بل أقل من العبيد... كحشرات بلا قيمة. كان ذلك يغضبني.
في يوم ما، رأيتُ أحد العوائل النبيلة تتشاجر مع تاجر... أشعلوا منزله وكان أهله بداخله! حتى أن زوجته كانت قد أنجبت طفلًا لتوّها... وقتلوهم بدمٍ بارد.
عندها أطلقت حملة لتطهير النبلاء... جعلت المملكة ساحة شنق لكل حثالة. وفي لحظة صمت من ابني أمون من أعلى القصر، أخبرته أن يعلن أن تم اغتيالي ، ليوقف الأمر ويتولى الحكم. بينما ابتعدتُ أنا عن المملكة. "
إيرولد : "وهل وافق أمون على هذا بسهولة؟"
ابتسم راع وقال: " نعم، أمون ذكي. كان يعرف أنه إذا لم أرحل فسوف أموت هناك بسبب النبلاء، وحتى لو وُجد الجنود لحراستي، لكانت أرواحهم مُهدرة. لم أكن أطمع بالسلطة، كل ما أردته هو أن تكون المملكة بخير.
كنت مطمئنًا لأن المملكة كانت بين يديه. وحتى بعد أن أخبرتني بما حدث مع إيرولد لايون هارت، تأكدت أن المملكة عاشت مرحلة ثبات رائعة… أما الآن، فلا أعلم ماذا حلّ بها. "
هذه قصتي يا إيرولد... حتى أنني وجدتُ أحد كبار السحرة في طريقي إلى هنا، وطلبت منها أن تجعل هذا المكان صالحًا للزراعة. "
أطرق إيرولد رأسه وقال: " يا إلهي... "
لكن فجأة رفع رأسه، ليدرك أن المكان أصبح هادئًا على نحوٍ غريب... الزمن توقف تمامًا. لا وجود للسيد راع، ولا لونا.
وفجأة، ظهر أمامه كارل وقال: " مرحبًا... أيها السيد إيرولد. "
قال إيرولد بدهشة: " مستحيل… لقد مت! "
رد كارل بهدوء: " نعم… لقد مت. أنا الآن داخل عالمك، يا سيد إيرولد. "
ارتجف إيرولد وقال: " عالم؟"
أومأ كارل: " نعم، هذا هو عالمك. "
سأل إيرولد متشككًا: " هل كلامك صحيح؟ لم يكن حلمًا؟"
أجاب كارل: " نعم… هذا هو التجسيد للسلام بداخلك. لا أعلم لماذا، لكن عقلك حفر في روحك، وهذه هي فترة السلام الخاصة بك، وهي هنا مع السيد راع. "
استفسر إيرولد بدهشة: " لماذا تساعدني الآن؟"
كارل بثقة: " لقد كنت أساعدك منذ البداية. لم يكن الهدف إلا أن أجعلك أقوى. "
صرخ إيرولد غاضبًا: " لجعلني أقتلك، أيها الغبي! "
إيرولد بسرعة: " نعم، أنت ميت… كيف؟"
قال كارل: " هذا بفضل قوتك، يا سيد إيرولد. أنت تجمع أرواح الجان أو المتعاقدين الذين يموتون بجانبك، ويمكنك سحبها إلى عالمك . "
صدم إيرولد وقال: " وماذا عن السيد راع؟"
أجاب كارل بصوت هادئ: " لقد مات من حزنه عليك... لتركك له بعد أن اعتاد وجودك. بعد موته، بدأت روحه بالبحث عنك. وعندما وجدك، سكن داخل عالمك. أما الآن، فلم يبقَ منه سوى ذكرى في هذا العالم، لقد ذهب لعالم الموتى. "
نظر إيرولد الى الارض و بصوت هادئ قال : "آسف… يا سيد راع، كان العلم قاسياً عليك… أظنك ستجد سلامك الخاص الآن. لم أكن أعلم أن غيابي سيسبب هذا، لم أفكر في شعورك لو استطعت العودة، لأصلحت كل خطأ… لأخبرك أنني ممتن لكل شيء فعلته من أجلي. "
ثم قال كارل بجدية: " سيد إيرولد… أنا هنا لأخبرك بالحقيقة. "
إيرولد بفضول: " ماذا تقصد؟"
رد كارل بصوت حاد: " عن ماضيك… "