إيرولد بصوتٍ مرتعش: " وما أدراك أنت عن ماضيَّ؟"
يرد كارل: " أنا أعرف الكثير… الكثير جدًّا. "
ثم ينحني، يضع قبضته على الأرض، ويخفض رأسه قائلاً بنبرة حادة: " أعرف عنك ما يكفي يا… جلالة الملك دانتي. "
يتجمد إيرولد في مكانه، وعيناه تتسعان بدهشة: " دانتي…؟ ما هذا الاسم؟ لحظة ملك!!!"
كارل: " هذا هو الاسم الذي منحك إياه والدك، الملك السابق أيرك يورشا، ملك مملكة يورشا. "
إيرولد يصرخ بعصبية: " توقف! لا تذكر هذا الاسم ثانية! اسمي هو إيرولد… إيرولد فقط! "
كارل يهز رأسه ببطء ويقول: " بل هو اسمك الحقيقي… دانتي. أما إيرولد فهو مجرد اسم لقّبت به نفسك. "
يسود صمت قصير، قبل أن يتابع كارل كاشفًا: " والدك كان ملك مملكة
يورشا
يتوقف كارل قليلًا ثم يضيف بصوت أكثر حزنًا: " لكن كل شيء تحطّم فجأة… مات الملك في حادث غامض، وأعقبه انفجار مدمّر اجتاح المملكة ودمار لم نرَ مثله من قبل. هربت أمك من عالم الجان، وهي تحملك في بطنها. كانت مريضة بمرض غريب، ولم نتمكن من الوصول إليها إلا في لحظاتها الأخيرة… وجدناها تحت شجرة، تحاول البقاء على قيد الحياة بالجرعات والعلاجات، لكن المرض تمكّن منها. لقد ماتت وهي تتبسّم، توصينا ألا نؤذي البشر. كنا نظن أنك متَّ معها في أحشائها… لكن المفاجأة أن ولادتك جاءت في لحظة موتها. "
إيرولد يضع يده على رأسه مصدومًا، وكارل يكمل ببرود: " حينها تُركت في إحدى القرى، وتكفلت بك عائلة بسيطة… لكنهم قُتلوا وأنت في عامك الثاني. بعدها أخذك أحد التجار متجهًا إلى مصر، وهناك هاجمه أحد قطاع الطرق، وكاد أن يقتلك لولا أنني… تدخلت. أنا من أوصلك إلى ملك اللصوص بنفسه. سلّمته إياك وهو يسألني: " من هذا؟" فأجبته: " اعتنِ به يا ملك اللصوص… سيكون ذا نفع لك عندما يكبر. "
إيرولد يهمس : " هذا… مستحيل…"
كارل يتقدم خطوة للأمام، صوته يزداد قوة: " حينها بدأت أرى أطراف
قوة التوازن
إيرولد يصرخ بغضب : " و انت جعلتني اقتلك لهذا "
كارل يرفع رأسه، ينظر مباشرة في عينيه، ويقول ببطء كأنه يلفظ حكماً أزليًا: " كما قالت النبوءة… يا دانتي. "
إيرولد يصرخ بغضبٍ عارم: " إيّاك أن تناديني بهذا الاسم! "
فيرد كارل بثبات: " سواء أنكرت أم لا… اسمك الحقيقي هو دانتي يورشا، ملك مملكة يورشا. أما بخصوص المملكة… لقد تدمرت. هناك عرشك، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. "
إيرولد بصوت خافت بعد صدمه : " لماذا؟!"
كارل يضيّق عينيه، صوته يخفت وكأن الذكرى تخنقه: " لأن هناك حضورًا مهيبًا يلفّ المكان… حضورًا يجعل الغرائزي تصرخ بالهروب. حتى أنا، كلما حاولت الاقتراب من هناك، كانت قواي تتلاشى. هناك شيء… شيء قوي للغاية…"
يتوقف كارل، يضع يده على رأسه كأنه يحاول استرجاع صورة غائبة، ثم يهمس: " أرى عينين حمراوين تتوهجان في الظلام… وجسدًا مهيبًا ذا ستة أذرع. لكن… الذكرى تتشوش في رأسي…"
يرتجف صوته قليلًا ثم يضيف بأسف: " آسف يا جلالتك… بعد موتي أصبحت ذاكرتي مبعثرة. حتى اني لا اذكر الماضي بوضوح حتى أنني لا أعرف كيف مت بالضبط… لكنني متأكد من شيء واحد… أنك أنت من قتلني. "
بدأ العالم من حولهم ينهار، الأرض تتشقق والسماء تتفتت إلى رماد، والرياح تعصف بكل شيء. كارل نظر إلى إيرولد بابتسامة حنونة وقال: " أظن أنك على وشك الاستيقاظ، يا جلالتك. "
اقترب قليلًا وأضاف: " اعتنِ بنفسك… سأراك قريبًا، أيها الملك دانتي . "
ظل إيرولد ساكنًا، يفتح عينيه على مصراعيهما، يحدق في كارل بدهشة وارتباك، بينما العالم من حوله يتهاوى.
همس إيرولد بصوت متقطع: " هل... سأجدك هنا... مرة أخرى؟"
رد كارل بهدوء وثقة: " بالطبع… سأكون هنا حتى تخرج روحك من هذا المكان. "
ليضيف كارل: " صحيح يا جلالتك، لكي تفصل العوالم يجب أن تتوجه إلى مملكة يورشا. وحظ موفق في تقبلك هذه الصدمة يا جلالتك؛ أتمنى أن تكون قويًا بما يكفي لتتخطاها. "
ثم سمع إيرولد صوتًا مألوفًا يخترق ضجيج الانهيار، صوت جاسمين يناديه: " إيرولد .... إيرولد استيقظ…!"
العالم من حوله ينهار… كل شيء يتفكك ويتلاشى في فوضى لا نهاية لها. فجأة، يلمح إيرولد نورًا صغيرًا بعيدًا، يبدأ بالتوسّع شيئًا فشيئًا، يملأ عينيه ويدفئ قلبه.
يأخذ نفسًا عميقًا، والضوء يزداد قوة، حتى يجد نفسه فجأة في غرفة. الجدران هادئة، والهواء يحمل رائحة مألوفة… رائحة الأمان.
يحدّق حوله، وعيناه تتأقلمان مع الضوء، فيرى جاسمين جالسة بجانبه على السرير، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالفرح والقلق معًا.
ابتسمت وقالت بصوت مملوء بالارتياح: " لقد استيقظت أخيرًا…"
فجأة، صرخت وهي تبكي: " يا رفاق! لقد استيقظ إيرولد! "
كانت دموع جاسمين تتساقط على وجهه ، والفرحة واضحة في عينيها، بينما إيرولد يحاول استيعاب الواقع بعد كل ما مر به. قلبه ينبض بقوة، مزيج من الصدمة والراحة والامتنان لوجود من يحبونه حوله.
ضحك إيرولد فجأة، ضحكًا هستيريًا، : " دانتي هاه ! "
دخل أرجوس ولوس، مندهشين من هذا الضحك المفاجئ. سأل لوس بدهشة: " ما بك، إيرولد؟"
أجاب إيرولد وهو يضحك بين الدموعه : " هذا العالم…!"
صمت الجميع للحظة، ثم سُمِع صوت مألوف يقول: " مرحبًا يا إيرولد… كنت أنتظرك. "
تلفّت إيرولد ليجد آسترا واقفة أمامه. جاسمين ركضت نحوها، وعيناها تملؤهما الدموع: " ماذا حصل لإيرولد يا آسترا ؟"
آسترا بهدوء: " دعيه لي. "
صفّر لوس طويلاً وهو ينظر إلى آسترا بدهشة، وقال: " هذه هي… سيدة النجوم؟ إنها جميلة بحق! "
التفت لوس نحو أرجوس ، ووجهه محمرّ من الدهشة .صرخ لوس: " تنفس، أيها الغبي! "
صرخ أرجوس بدهشة: " هل إيرولد يعرف هذا الملاك؟!"
تدخلت آسترا وقالت بصوت هادئ: " من فضلكم… اتركونا لوحدنا. "
رد لوس بابتسامة: " كما تريدين… هيا يا أرجوس. "
رد أرجوس: " إذا أردت الخروج، فاذهب وحدك… لن أترك الملاك بلا حارس. "
قال لوس بغضب: " هيا، لنخرج. "
لكن آسترا التفتت إليهم بصوت حاد: " اخرجوا الآن! "
شعر الجميع بحضورها… حضور لم يكن أقل من غير معقول، جعل القلوب ترتجف، والعقول تتوقف للحظة عن التفكير، فالهيبة والجمال والقوة اجتمعت في شخص واحد أمامهم.
قال أرجوس وهو يتنهد: " حسناً… آسف، سنخرج. ماذا تفعل يا لوس؟ هيا، لقد طلبت منا الخروج! "
سحبَتهم جاسمين بعصبية وهي تهمس: " كفى جدالاً! " ثم نظرت إلى آسترا بجوار إيرولد نظرة طويلة قبل أن تُغلق الباب خلفها.
اقتربت آسترا وجلست بجوار إيرولد، صمت لحظة ثم قالت بهدوء: " إذن… ماذا عرفت. "
أجاب إيرولد بصوت مبحوح: " هل كنتِ تعرفين كل هذا؟ عن قوتي… عن كوني مجرد دمية في يد التوازن؟"
خفضت آسترا عينيها إلى الأرض وقالت بصوت شاحب: " كنت أعلم… كل شيء. لكن ، أنت لست دمية. التوازن سلّم قوته إليك عن إرادة… بعد أن اطّلع على مصيرك. لكن… مصيرك تغير الآن. "
رفع إيرولد رأسه بصوت متردد: " وما كان ذلك المصير الذي كنتِ تتحدثين عنه سابقاً؟"
تنهّدت آسترا بصوت حزين يثقل القلب: " قدرك كان أن ترى كل من حولك يموتون واحدًا تلو الآخر… بعد موت
علي
آرثر
جوهر العقل
وضعت يدها بلطف على كتفه، ونظرت إلى عينيه مباشرة، قبل أن تهمس بصدق: " سواء كنتَ إيرولد، أو آرثر، أو حتى دانتي… ستظل الرجل الصالح،الرجل الحنون، الذي يهتم بغيره دون انتظار مقابل على عكس النبوئه. ستظل الرجل الذي… أعجبتُ به، يا إيرولد. "
اتسعت عينا إيرولد ، ثم أطلق ضحكة قصيرة يائسة، أقرب إلى الانكسار منها إلى الفرح، وقال: " لماذا… لماذا تفعلين هذا يا آسترا؟ بحق السماء، لا تقولي إنك معجبة بي… فهذا العالم لا يكفّ عن الجنون! للتو اكتشفت أنني نصف جان ونصف بشري… وأنني ملك لمملكة مدمّرة، وُلدت من رحم أمراة ميّتة! وكل من يسير في طريقي… ينتهي به المطاف إلى الموت. والأسوأ من ذلك… أنني أمتلك قوى لا أعلم إن كنتُ أنا من يتحكم بها… أم أنها هي من تتحكم بي! "
ردّت آسترا بعينين دافئتين يملؤهما الحنان، وابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها وهي تنظر إلى إيرولد: " هذا طبيعي يا إيرولد… ليس من الطبيعي أن تحبس مشاعرك في داخلك. كل ما تشعر به الآن طبيعي. نعم… لقد أعجبتُ بك، بل إن كلمة
إعجاب
كنتُ أراك منذ صغرك… بدافع الفضول في البداية مثل قصة، وأُعجبتُ باختيار التوازن لك. قبل عأمين، كنت أراقبك في مزرعة راع. أتذكر حين انهار من التعب؟ كيف أصريتَ أن تجعله يرتاح، وتوليتَ كل عمله وحدك حتى لا يرهق نفسه أكثر، مع أن قدمك اليسرى قد كُسرت، وأنت تحاول ألا تجعله يلاحظ هذا لكي لا يعمل اكثر. ثم تلك المرأة التي اختطفها قطاع الطرق في الصحراء… كيف تسللتَ من خلف ظهر راع وهو غارق في نومه، لتساعدها سراً وتعيد لها حريتها. كنت اتسائل لما شخص مثلك يجب ان يمر بمثل هذا القدر الموحش
حينها… نظرتُ إلى داخلك. لم أرَ فقط أفعالك، بل رأيتُ روحك: روحًا نقية، مشوشة بعض الشيء… لكنها صافية كالماء. ومنذ ذلك الوقت لم أفهم مشاعري نحوك؛ ظللتُ أراقبك كل يوم، كل ساعة، وكل دقيقة، لم تغب عني لحظة. أما الآن… فقد فهمت؛ كنتُ أرى شخصاً حياته كانت وأصبحت مثلي.. لم يختَر هذا الطريق، وهكذا فهمت. "
اقتربتْ أكثر، وصوتها يزداد دفئاً وقوة: " إيرولد… لقد عشتُ لأحبك، وأحببتُ أن أحبك. وكأنني لم أعش لملايين السنين، شعرتُ أنني قد ولدتُ للتو. "
نظرت إليه آسترا بوجهٍ حزين، واصفةً مشاعرها: " بعد أن رأيتك، كنتُ أشك في شعوري، وفي كل مرة ألقاك فيها أجد سعادةً لم يسبق لأحد أن رآها على وجهي. "
ثم خفضت عينيها وأضافت بحزن: " لقد عُرِفتُ منذ صغري بأنني مختلفةٌ بين النجوم… لم أستطع تكوين صداقات كما يفعل الأطفال النجوم الآخرون بسبب مكانتي بينهم. وفي كل مرةٍ حاولت فيها أن أكون طبيعية، كان إخوتي يوبخونني.
لأكون أكثر جدية. عشت لملايين السنين من غير اي هدف فقط اقوم بفعل ما يطلب مني و ان احكم بين النجوم حتى بعد مجزرة النجوم و اتحاد اخوتي معي لم يكن هنالك شيء يملاء حياتي . حتى رئيتك
أشار إيرولد لها أن تقترب، وهو يشعر بالأسى تجاه ما مرت به. اقتربت آسترا، فجلس بجانبه، وسحبها برفق لتستلقي بجانبه. اندهشت للحظة، لكنه نظر إليها بعينين مليئتين بالدفء، وقال: " أكملي …"
بدأت الدموع تهطل من عينيها، وهمست: " لا… لا داعي… " قاطعها إيرولد: " إذن… هذا ما كنتِ تشعرين به يا آسترا؟ لقد كان عليكِ ضغطٌ كبير منذ صغركِ، ولم تتمكني من العيش كبقية الأطفال، لكونكِ نجمةً أعلى. "
إيرولد بصوتٍ خافت: " آسترا، إنني لا أكنُّ الكُره لكِ، فلا تقلقي، ولكن ما حدث لي كان شيئاً من الصعب تقبُّله.. لديَّ تساؤلاتٌ، حتى إنني أملك قوى لا أفهمها، قوىً تجمع الأرواح. "
في الخارج، كان أرجوس غاضباً، وصوته يرتفع: " كيف من الممكن لشخصٍ مثل إيرولد أن يعرف ذلك الملاك؟!"
رد لوس بهدوء، وهو يراقب الموقف: " هذه ليست بشرًا، يا أرجوس. "
يصرخ أرجوس: " بالطبع إنها ملاك! "
لوس بهدوء : " لا… ليست كذلك. إنها أحد النجوم. "
ابتلع أرجوس ريقه بصعوبة، صوته منخفضًا: " نجوم…؟"
أجابت جاسمين وهي تدخل في الحوار: " ليست مجرد نجم عادي… إنها سيدة النجوم. "
صُدم أرجوس، وقد طاش صوابه من الدهشة: " سيدة النجوم بنفسها؟! وماذا تريد منه؟ وما علاقتهم بالضبط؟"
ابتسمت جاسمين بهدوء: " هي هنا لتساعد. ومن الواضح أنها تكن مشاعر لإيرولد. سأذهب لأطمئن عليهم. "
توجهت إلى الداخل، وقالت للوس: " ابقَ هذا المخبول هنا. "
فتحت الباب ، وعيونها مغلقه لم ترَهم بعد: " كيف حال إيرولد؟ "
فوجئت عند دخولها، لترى آسترا مستلقية بجانب إيرولد، يضحكان معًا .صرخت جاسمين: " ماذا تفعلون بحق الجحيم؟"
ابتسم إيرولد ودعا جاسمين: " تعالي يا جاسمين. "
ركضت جاسمين بسرعة، مذهولة: " ماذا تفعلين يا آسترااا؟! هل جننتِ؟!"
وقفت بينهما وجلست في المنتصف، آسترا تمسك رأسها بابتسامة هادئة: " لا تقلقي، إيرولد بخير، يا جاسمين. "
فقال إيرولد لها بابتسامة: " أنا بخير يا صغيرة. "
بدأت الدموع تهطل من عيني جاسمين وتقول: " أيها الغبي، لقد أخفتني… ما الذي حصل لك؟" تنهد إيرولد وبدأ في إخبارها بكل شيء.
لتُصدم جاسمين: " أنت ملك؟ ما الذي تتحدث عنه بحق الجحيم؟ هل أصابك شيء في عقلك؟"
ليصمتوا جميعًا، وتنظر إلى آستارا وتسألها: " هل ما يقوله صحيح؟"
أومأت آسترا برأسها: " نعم. "
لتُصدم جاسمين: "كيف تكون هجينًا بين الجان والبشر، وتمتلك قوى تمتص أرواح المخلوقات؟"
ليقول إيرولد بحدة: " لا تُخبري أحداً بهذا يا جاسمين؛ فقد يكون من الصعب إخبار الجميع بذلك. "
تتبسم جاسمين: " حسنًا يا إيرولد… أم أناديك بدانتي؟ هاهاهاهاها! "
لتضحك آسترا، ويقول إيرولد بتنهد: " يا لكِ من مزعجة. "
يصرخ آرثر في داخل : " تهانينا… لقد أصبحنا ملوكًا يا دانتي. " ليقول إيرولد : " إنه اسمي… واسمك يا هذا. "
ليرد آرثر: " مستحيل! اسمي آرثر… تبا، لن أستطيع مناداتك بعديم الاسم الآن. "