كان زاتيل في معمله منهمكًا في صنع رونيات "الوعي الثانوي" و "المشي الهوائي" . أما رونية "التحويل" ، فقد بدأ يفك شفرتها جزئيًا، مما قلل الجهد المطلوب لصنعها، لكنه لم يكن على دراية كافية بها لبدء التنفيذ. وحتى لو كان جاهزًا، فإن الطاقة اللازمة لصنع رونية من الرتبة الأولى تفوق ما يمتلكه حاليًا.
رغم أن طاقة نيو-ديمون تفوق طاقة الساحر في نفس الرتبة، إلا أن صنع رونية من الرتبة الأولى يظل تحديًا حتى لأفضل السحرة، خاصةً أن "التحويل" رونية عالية المستوى، وزاتيل لم يقترب بعد من ذروة الرتبة الصفرية.
في اللحظة التي استعد فيها زاتيل للراحة وإنهاء يومه، سمع صوتًا باردًا يتردد في المنزل:
"المتدرب زاتيل، أنت مستدعى إلى الطابق الرابع من البرج بواسطة الساحر جون. يجب أن تحضر فورًا."
اختفى الصوت كما ظهر فجأة، دون انتظار رد، وكأنه أمرٌ لا يقبل النقاش.
"أخيرًا يتواصلون معي... كان ذلك أسرع مما توقعت. يبدو أنني قللت من أهمية الرونيات. لا يهم، لنرى ما يريدون."
لم يقلق زاتيل من الاستدعاء. بينما يرتعب معظم المتدربين عند استدعاء ساحر، فإن خوفهم نابع من المجهول الذي يحيط بهم. أما زاتيل، فالساحر من الرتبة الأولى ليس أكثر من شيء عادي بالنسبة له.
لكن هناك شخصًا في المنزل لم يكن هادئًا البتة!
"زاتيل! ماذا حدث؟ ماذا فعلت؟ لماذا يستدعيك ساحر؟ هل أغضبت أحدًا؟"
كانت صوفيا كالمدفع الرشاش تطلق الأسئلة بسرعة، والرعب بادٍ على وجهها، دليلٌ واضح على خوفها من السحرة.
"اهدئي، على الأرجح يريدون معلومات عن رونياتي، أو ربما عرض صفقة. لا شيء يدعو للخوف."
عادةً ما كان زاتيل يتجاهل هذا النوع من ردود الفعل، لكن رؤية القلق على وجه صوفيا جعله يشرح الموقف لتهدئتها.
استرخت صوفيا قليلًا عندما فهمت أن الاستدعاء ليس للعقاب، بل للحديث عن صنع الرونيات.
"ربما يريدون معرفة طريقة صنعك للرونيات."
ترجمة : krinker
قد لا تعرف صوفيا الكثير عن الرونيات، لكن موهبة زاتيل واضحة حتى لها. لذا اعتقدت أن الساحر يريد معرفة أساليبه.
"هم يعرفون بالفعل كل شيء عن عمليتي وقدراتي في الصنع."
لم يكن زاتيل قلقًا من كشف طريقته في صنع الرونيات، فهي مجرد رونيات من الرتبة الصفرية. بل إن ذلك سيساعد في تبديد الشكوك حول أي مساعدة خارجية.
"كيف؟! أقسم أنني لم أخبر أحدًا بما رأيته في معملك!"
تعرف صوفيا أنه لم يدخل أحدٌ إلى ورشة زاتيل غيرها، وخافت أن يظن أنها جاسوسة.
"أنتِ لستِ شديدة الذكاء، أليس كذلك؟"
رأى زاتيل حالتها فقرر مضايقتها.
"ماذا تعني بذلك؟!"
قل قلق صوفيا بينما اشتعل غضبها.
اكتفى زاتيل بإيماءة وهو يراها تهدأ قليلًا، ثم سألها:
"أخبريني، ما هي الأبراج السحرية؟"
رغم حيرتها، أجابت بعد لحظة:
"الأبراج السحرية هي مقرات السحرة. تحتوي على مرافق لتعزيز التأمل، ومعدات لإجراء التجارب. كما يمكن أن تكون حصونًا دفاعيةً تعزز قوة الساحر المسيطر عليها."
كانت إجابتها بسيطةً لكنها شاملة.
"صحيح. إذن أخبريني، هل تسمح لمئات الأشخاص بالتواجد في شيء بهذه الأهمية دون احتياطات؟"
أدركت صوفيا ما يعنيه.
"تقول إن هناك مراقبة في كل أنحاء البرج؟!"
بدأت تتلفت حولها بحثًا عن أي جهاز مراقبة.
"لن تجدي شيئًا. ورغم أنهم يراقبوننا، إلا أن ذلك ليس طوال الوقت. غالبًا ما يحدث عند اقتراب أحد من منطقة مهمة، أو عندما يريد المسؤولون جمع معلومات عن شخص ما. على أي حال، يجب أن أذهب. سأعود قريبًا."
غادر زاتيل المنزل بهدوء، غير قلقٍ من المقابلة.
---
لم يستغرق زاتيل وقتًا طويلًا للوصول إلى الطابق الرابع. هناك، استقبله جولم صغير وقاده إلى منزل الساحر جون.
كان المنزل مشابهًا لمنازل المتدربين لكنه أكبر ومصنوع من مواد أفضل.
أدخل الجولم زاتيل إلى غرفة كبيرة، حيث وجد رجلًا في منتصف العمر ينتظره.
بينما اقترب زاتيل، بدأ يُقيِّم الرجل:
"ساحر من الرتبة الأولى، متخصص في العناصر. قوة مجاله المغناطيسي تشير إلى أنه تقدم مؤخرًا. أوه، إنه يستخدم رونياتي!"
"المتدرب زاتيل يحيي الساحر جون."
انحنى زاتيل تحيةً له. رغم أن كائنًا من الرتبة الأولى كان مجردَ فردٍ عادي في حياته السابقة، إلا أنه الآن ليس زاتيل الأرشديمون ، بل مجرد متدرب.
علاوةً على ذلك، لم يكن غروره صغيرًا ليشعر بالدونية لمجرد الانحناء لأحد.
"إذن هذا هو صانع الرونيات. عادةً ما يكونون بطيئين في تعزيز قوتهم، لكنه صغير السن وطاقته تضاهي شبه-ساحر!"
بينما كان جون يُقيِّم زاتيل، بدا شيء من الحسد في عينيه.
أن يحسد ساحرٌ متدربًا أمرٌ لا يصدقه أحد، لكن مشاعر جون كانت مفهومة. فمقارنة البشر بـ النيو-ديمونز ، تلك الكائنات التي تجعل حتى التنانين تشعر بالنقص، أمرٌ عبثي.
"سأكون مباشرًا. أستاذ آرثر كان قادمًا لقتلك، لكني تدخلت وأجبرته على المغادرة."
كان وجه جون مفعمًا بالكبرياء، إذ شعر بتفوقه لكونه -حسب رأيه- أنقذ حياة زاتيل.
"إذن هو مجرد وسيط."
لم يهتم زاتيل بتعبير جون، لكن المعلومات التي كشفها لفتت انتباهه. فهو يعرف أن لا ساحرَ سيعادي آخر من أجل متدرب، إلا إذا كان هناك طرف أقوى وراء الأمر.
بالطبع، أدى زاتيل دوره وأظهر الخوف عند ذكر أستاذ آرثر، ثم الارتياح عندما عرف أنه تم طرده.
"أشكرك، سيدي الساحر."
ظهرت عليه امتنانٌ صادقٌ وهو يشكره.
أومأ جون راضيًا، وتحسنت معنوياته فورًا عندما رأى امتنان زاتيل، مما عزز شعوره بالتفوق.
"بالطبع لم أفعل هذا من دون مقابل. سأستمر في حمايتك لمدة خمس سنوات. خلال هذه الفترة، يجب أن تصل إلى مستوى صانع رونيات من الرتبة الأولى . وعندما تنجح، ستصنع ثماني رونيات من اختياري."
ألقى جون رقيمًا إلى زاتيل. التقطه وقرأ العقد المكتوب عليه، والذي يتطابق مع كلام جون، لكن المستفيد كان شخصًا آخر يدعى كلايف .
"يجب أن أوافق. إذا رفضت، قد يتخذ كلايف إجراءً صارمًا. ورغم أن ساحرًا من الرتبة الأولى ليس تهديدًا كبيرًا، إلا أن التخلص منه الآن سيكون مزعجًا وسيجذب انتباهًا غير مرغوب."
"أقبل عرض سيدي الساحر."
بعد التأكد من عدم وجود شروط خفية، وقع زاتيل العقد.
حلق العقد عائدًا إلى يد جون.
"حسنًا، انتهينا. يمكنك المغادرة."
بمجرد استلام العقد، طرده جون فورًا.
انحنى زاتيل قليلًا وترك الغرفة، متجهًا إلى منزله.
.....................................................
ترجمة : krinker