كان زاتيل يتحدث وينظر إلى الصبي، وهو يلاحظ كيف يستخدم الأخير كل ما تبقى من قوته لرفع رأسه والنظر إليه بعينه الوحيدة.
بينما كان زاتيل ينظر إلى عين الصبي، لم يستطع إلا أن ينبهر بما رآه.
"يا له من إرادة هائلة!"
في حالته الحالية، أي إنسان عادي كان سيكون قد استسلم بالفعل. حتى بعض السحرة الرسميين الذين يتباهون بعقلانيتهم كانوا سيقبلون بالمصير. لكن زاتيل رأى في عين الصبي إرادةً لا تسمح له بالاستسلام وتجبره على الاستمرار.
"بالتأكيد بذرة جيدة. بما أن لدي ما يكفي من المواد لنا الاثنين، يمكنني مساعدته، وبحسب ما رأيت، لن يكون لديه مشكلة في اجتياز الطقس. لكن مع ذلك، من الأفضل التأكد."
استمر زاتيل في التحديق بالصبي لمدة دقيقة، ولم يحرف الصبي عينه الوحيدة عنه.
"أنا لست قديساً، لكن بما أنك أثرت فيّ ولن يؤثر ذلك علي، يمكنني مساعدتك. أعطيك خياراً: إما أن أشفي جروحك، لكن جسدك متضرر جداً لدرجة أنك ستصبح معاقاً لبقية حياتك... أو أنهي معاناتك الآن."
تكلم زاتيل بلا تعاطف وهو يراقب الصبي، محاولاً رصد أي تغيير.
ففي النهاية، معظم الناس يفضلون الموت على أن يصبحوا عاجزين بالكاد يستطيعون الحركة، خاصة في عالم مثل هذا حيث حياة الإنسان غالباً ما تكون بلا قيمة.
رغم أن الصبي صُدم في البداية عندما علم أنه حتى إذا نجا سيبقى معاقاً للأبد، إلا أن إرادته الهائلة عادت على الفور، مما منعه من الاستسلام.
"مثير للإعجاب حقاً! حتى بعد معرفتك أن حياتك ستكون جحيماً، ما زلت تختار المضي قدماً. هل يمكنني أن أعرف لماذا تفعل ذلك؟"
سأل زاتيل بصبر، وهو يضع الصبي على الأرض بحذر.
نظر الصبي إلى زاتيل وهو يجمع قوته للكلام:
"أريد... أن أكون... حراً."
صُدم زاتيل بإجابة الصبي، وكيف أن هذه الكلمات جعلته يتذكر شيئاً.
...
كان هناك شخص وحيد يقف على قمة جبل.
الظلام يغطي جسده، مما جعل ملامحه الحقيقية مستحيلة الرؤية.
حوله، كانت الجثث متناثرة لأنواع لا حصر لها من الكائنات.
شياطين، عفاريت، تنانين، حتى العمالقة والأفاعي الأسطورية.
رغم أن هذا المشهد كان دليلاً على قوته المطلقة، إلا أنه يعرف أن هذا ليس ما يسعى إليه.
بعد أن استنفد كل طاقته، نظر حوله، ولم يستطع كبح نفسه عن الصراخ بأعلى صوته:
"سأكسر كل القيود الموجودة! سأصبح قوياً لدرجة أن لا شيء يمكن أن يقيدني! سأرى كيف يبدو الكون عندما أزيح ما يعميني! سأصل إلى القمة وأحقق الحرية الحقيقية!"
...
لم يستطع زاتيل إلا أن يبدأ في الضحك وهو يتذكر تلك الطموحات التي غذت مسيرته نحو القوة.
"هاهاها! جيد... جيد جداً! من هذه اللحظة، ستكون تابعي، وسنسعى معاً لتحقيق الحرية الحقيقية. ما رأيك؟"
سأل زاتيل الصبي بوجهٍ مشتعل بالحماس.
لم يفهم الصبي لماذا يريد شخص ما معاقاً مثله كتابع، لكن بعد لحظة، قبل.
قد يقول البعض أن كونك تابعاً لشخص ما ليس حرية، لكن اختيار من تتبعه هو الحرية.
بدأ زاتيل على الفور في تحضير جرعة من الأعشاب التي كان يحملها، تلك التي جمعها أثناء استعداده لهجوم معسكر اللصوص.
رغم أن هذه الأعشاب لا تستطيع فعل شيء سحري مثل إعادة نمو يد أو عين، إلا أنها كانت أكثر من كافية لشفاء جروح الصبي.
ساعد زاتيل الصبي على شرب الجرعة وأسنده إلى صخرة كبيرة.
"استرح هنا. لدي الكثير من الأشياء لأفعلها قبل أن أبدأ الطقس. ولا تقلق بشأن جسدك، فبعد ما سأفعله، إعادة نمو يد وعين سيكون أمراً بسيطاً."
أومأ الصبي فقط وهو يشاهد زاتيل يتحرك حول المعسكر، يجمع اللصوص فاقدي الوعي ويضعهم معاً.
...
منذ أن يتذكر إيزيكييل نفسه، كان دائماً عبداً.
حسب ما أخبره أسياده، بيع وهو رضيع.
نشأ ليصبح مقاتلاً عبداً، أداة قابلة للتلف لمهام انتحارية.
لذا، عندما أصبح قوياً بما يكفي للوقوف، أُلقي في تدريبات جهنمية.
كان التدريب في معسكر العبيد وحشياً دائماً.
معظم الأطفال ماتوا في السنة الأولى.
لكن الناجين أصبحوا جنوداً خارقين قادرين على تحقيق أعمال لا تصدق.
بسبب صغر حجمه وسرعته، دُرب إيزيكييل على أسلوب الاغتيال.
رغم أنه كان كل يوم على حافة الموت، إلا أنه تخطى كل الاختبارات ببراعة تظهر موهبته الهائلة.
ترجمة : krinker
على مر السنين، أصبح أكثر مهارة في القتل.
غالباً ما كان يُكلّف بالمهام الأصعب رغم صغر سنه.
رغم أنه بقي عبداً، إلا أنه كان يُكافأ بكل أنواع الملذات التي يستطيع أسياده توفيرها.
لكن لا شيء من ذلك جعله سعيداً حقاً.
إن كان هناك شيء استمتع به حقاً، فهو مشاهدة الطيور تحلق.
رؤيتها تتحرك في السماء بحرية مطلقة كانت واحدة من متعه القليلة في الحياة.
آخر مهمة له كانت قتل قبطان عصابة قتلت ابن تاجر مهم.
كان من المفترض أن ينضم إلى مجموعة مرتزقة هاجموا العصابة ليشتتوا انتباه القبطان، مما يمنح إيزيكييل فرصة لقتله.
لكن لسوء الحظ، المعلومات لم تذكر أن القبطان كان محارباً قوياً، فتم إبادة المجموعة بالكامل.
بما أنه جرح القبطان، تعرض إيزيكييل لغضبه، فُعذب لأيام، ثم أُلقي حياً في حفرة الموت.
عندما ظن أن حياته انتهت، لم يشعر بالخوف، بل بالإحباط.
لطالما عاش يفعل ما يُقال له، ما يريده الآخرون.
والآن سيموت بسبب قرارات الآخرين.
كل ما أراده ولن يحصل عليه أبداً، هو الحرية.
الحرية في أن يعيش كما يريد، ويموت بسبب خياراته.
لكن ثم ظهر ذلك الرجل، الذي لم يكن أكبر منه بكثير، لكنه قوي بشكل لا يصدق.
لم يهزم القبطان الذي اعتقد أنه لا يقهر فحسب، بل دمر كل اللصوص في المعسكر وحده.
عندما أعطاه الخيار بين الشفاء ليصبح معاقاً، أو الموت لينهي معاناته، لم يفكر إيزيكييل كثيراً واختار أن يعيش، ليواصل السعي وراء رغبته.
من كان ليظن أن الرجل سيضحك عندما أخبره برغبته، ويعرض عليه أن يكون تابعه؟
في تلك اللحظة، شعر إيزيكييل بشيء يخبره أن هذه أهم قرار في حياته.
أن هذه هي النقطة التي سيبدأ فيها طريقه الحقيقي.
"سأتبع هذا الشخص. سيكون هذا أول اختيار حقيقي في حياتي!"
...............................................
ترجمة : krinker