بينما كان الأربعة يحلّقون نحو السطح، كان عقل كيرا فوضى عارمة.

فعلى الرغم من أنها تُعد شابة، إذ أن السحرة من الرتبة الثانية يمكنهم العيش حتى ثمانمائة عام، إلا أنها عاشت الكثير، واكتسبت الحكمة التي ترافق طريق السحرة. لكن خلال هذين الشهرين القصيرين، وجدت نفسها تشكك في أشياء كثيرة.

لقد قابلت رجلاً، رغم أنه لا يتجاوز رتبة الساحر الأولى، استطاع أن يقاتل ويقتل مخلوقات مخضرمة من الرتبة الثانية، ويتحدث على قدم المساواة مع كائنات من الرتبة الثالثة عاشت آلاف السنين، ومعرفته شاسعة لدرجة قد تتجاوز حتى من هم في رتبة صهر الأرواح.

رجلٌ، على الرغم من صغر سنه المذهل، بلغ مستوى عالياً في واحد من أصعب التخصصات في العالم، وكان تحت إمرته شخصان آخران يُمكن اعتبارهما عباقرة متفوقين، لا يقلان عن الأعضاء الأساسيين للإمبراطورية.

وإن لم يكن هذا كافياً، فقد كان قادراً بكلمات قليلة أن يحوّل عبقرياً من العداء إلى الامتنان ثم الطاعة.

لكن ما صدم كيرا أكثر من أي شيء، كان حين أطلق ذلك الرجل نية القتل خاصته. في تلك اللحظة شعرت برعب مطلق، ولبرهة أحسّت أنها بحاجة لأن تسجد أرضاً، وكأن وحشاً هائلاً كان يربّت على رأسها.

ورغم أن الأمر لم يستمر لأقل من ثانية، واستطاعت أن تتغلب على الأثر النفسي للخوف، إلا أنها أيقنت أن صورة ذلك الكفّ الوحشي ستبقى في ذهنها إلى الأبد.

ولو كان عليها أن تلخّص الرجل في جملة واحدة، لقالت: "قدوة يتلألأ على من يتبعه، ومسخ يلتهم كل ما يقف في طريقه."

ترجمة : krinker

وبينما كانت كيرا تسبح في بحر أفكارها، أيقظها صوتٌ من شرودها:

"هناك أمر يجب أن نناقشه قبل أن نصل إلى السطح."

رفعت كيرا بصرها فوراً إلى مصدر الصوت، لترى زاتيل يحدق بها بابتسامة هادئة. ورغم أنها لم تشعر بأي نية سيئة منه، إلا أن العقل أحياناً يأخذك إلى أسوأ الصور، وفور أن تذكرت مشهد ميرا وهي تُلتهم حيّة، ارتعش قلبها رعباً.

قالت بسرعة، بصوتٍ يختبئ فيه القلق: "أقسم أنني لن أفشي سرك أو قدراتك أبداً!"

جاء رد زاتيل على كلماتها المرتبكة بضحكة عالية.

"هاهاهاها! اهدئي، لم أكن أنوي الحديث عن ذلك. ثم حتى لو لم تقولي شيئاً، فإن سيد العيون الذي هرب سيقول. لكنني لست قلقاً حيال ذلك."

تبدّد التوتر تدريجياً مع ضحكته، وزفرت كيرا الصعداء وهي تظن أن زاتيل ليس بارداً لدرجة أن يقتلها فقط لأنها رأت ما فعل.

لكن ما لم تفهمه كيرا هو أنه لو كانت قد شهدت شيئاً يُهدد عِرق الشياطين الجدد، لقتلها زاتيل دون كلمة واحدة، وتأكد من أنها لن تنجو.

أما بخصوص المعلومات التي سيفشيها جيمس، فقد كان زاتيل يعلم أن استعراض القوة الذي قدّمه خلال هذه المهمة سيجذب اهتمام الكثيرين، لكنه لم يكذب حين قال إنه غير منزعج، لأنه كان واثقاً من قدرته على التعامل مع كل من يسعى وراء أسراره.

أما أولئك الذين في رتبة صهر الأرواح وما فوقها، فبما أنه قد بلغ ذلك المستوى بنفسه، كان يعرف أن قدراته لن توقظ فيهم الطمع. وحتى لو حدث ذلك، فبإمكانه أن يعتزل حتى يقوى أكثر، ثم يعود ليقتل كل من أجبره على الاختباء.

قال زاتيل: "ما أردت الحديث معك حوله هو مكافأتك على مساعدتنا."

أثبتت كيرا استحقاقها لقب ساحرة، فبمجرد أن سمعت كلمة "مكافأة"، تلألأت عيناها بالترقب.

ورغم أنها كانت واثقة أن الخواتم المكانية التي خلّفها أسياد العيون تحتوي موارد عظيمة، لم تتوقع أن تنال شيئاً منها، فهي تعلم جيداً أن مساعدتها لم تُحدث فرقاً حقيقياً في المعركة ضد أفراد السلالة.

لقد كانت ما تزال مبهورة بالعملاق الذي صمد أمام تعويذة من الرتبة الثالثة عن قرب ولم يُصب بجروح مميتة، وبالمرأة التي أطلقت تعاويذها السائلة المميتة بسرعة لم تستطع عيناها اللحاق بها.

وإذ أنها كانت هدفاً لانتقام أعدائهم أيضاً، فقد رأت أن قتلهم كان في مصلحتها الخاصة. وبالنظر إلى أسلوب زاتيل في التعامل، ظنت أنها لن تحصل على أي مكافأة.

قال زاتيل: "رغم أن الثلاثة منا كانوا قادرين على معالجة الموقف بمفردهم، إلا أن مساعدتك جعلت كل شيء أسهل بكثير، ومنعت ظهور مواقف خطيرة حقاً. لذا سأمنحك خياراً: الأول، هذان الخاتمان المكانيان اللذان يخصان أسياد العيون."

وبينما أنهى كلامه، جعل خاتمين يظهران في راحة يده، وعرضهما أمام الساحرة.

كانت إغراءات هذين الخاتمين عظيمة بالنسبة إلى كيرا، فقد أيقنت أنهما يحتويان على موارد قد تساعدها على التقدم بسلاسة إلى الرتبة الثالثة.

فغالباً ما يحتفظ المرء بأثمن ممتلكاته معه، وبما أن الطرف الآخر كان في مستوى "الماستر" من الرتبة الثانية مثلها، فلا بد أن عنده كنوزاً تساعد على الترقّي.

وبالطبع، بما أن طرقهم مختلفة، فلن يفيدها معظم ما فيهما، لكنها تستطيع دائماً مبادلتها بما تحتاجه.

حينها ستتمكن من الصعود إلى الرتبة الثالثة، وتقترب أكثر من إيقاظ روحها الحقيقية، لتصبح كائناً في رتبة صهر الأرواح، ويُحسب لها نفوذ حقيقي في العالم.

لكن رغم رغبتها العميقة، حافظت على هدوئها وأشارت لزاتيل أن يُكمل.

قال: "الخيار الثاني هو دَين شخصي مني. ورغم أنه ليس له وقت محدد للاستعمال، إلا أنني لن أنفّذه إلا إن كنت متأكداً مئة بالمئة من قدرتي على ذلك، ولن أتدخل إن كانت العواقب وخيمة جداً."

بين الثروة التي تتيح لك التقدم إلى رتبة أعلى، ودَين مليء بالقيود، سيختار معظم الناس الثروة، فالعالم السحري تحكمه القوة المطلقة، ولا يوجد ما هو أضمن من قوتك أنت.

وهذا ما كان كيرا ستختاره أيضاً، حتى لو كان من يعرض الأمر ساحراً عظيماً من الرتبة الثالثة خارج الكهف. لكن عندما خرج العرض من فم زاتيل، جاء قرارها فورياً:

"أختار الدَين!" قالتها بحزم ووجهها يفيض بالفرح.

"ذكية."

"خيار جيد."

كان هذان الصوتان من إزيكيل وصوفيا، وقد ارتسمت الابتسامة على وجهيهما وهما يومئان لها بالموافقة.

فالاثنان يعلمان أن لا ثروة مهما بلغت يمكن أن تضاهي دَيناً من زاتيل، خصوصاً إن لم يضع له حداً زمنياً.

أما الشرط الذي وضعه بأن يكون واثقاً من قدرته دون عواقب، فإلى كائن يسير في درب القوانين، جعل إنسان يعيش مليون سنة بعد عمره الطبيعي يُعد أمراً هيّناً. وطالما لم يمت زاتيل في طريقه إلى القمة، فإنه بلا شك سيبلغ ذلك المستوى.

قال زاتيل مختتماً: "إذن هو دَين." ثم أومأ، وطرح الأمر خلف ظهره.

ترجمة : krinker

2025/09/16 · 12 مشاهدة · 933 كلمة
krinker
نادي الروايات - 2026