لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى وصل الأربعة إلى السطح، وبمجرد أن فعلوا ذلك، أصبحوا محور أنظار الجميع.
كان الساحر من الرتبة الثالثة "غريغوري" وملك العيون "مينز" يوجهان كامل انتباههما نحو الرجل الذي كان يتصدر المجموعة.
ورغم أن معنى نظراتهما كان مختلفًا، إلا أن السبب كان واحدًا.
فحين خرج جيمس من الكهف وهو في حالة يرثى لها، ووجهه مملوء بالرعب ويطير بكل ما يملك من قوة نحو منصة السلالة، أدرك كلا الفردين من الرتبة الثالثة أن شيئًا مهمًا قد وقع. ورغم أن غريغوري لم يكن قادرًا على استجواب سيد العيون، فإن غياب شريكه منحه بعض الدلائل.
وبما أن كيرا كانت الوحيدة من رتبة السحرة الثانية داخل الكهف إلى جانب نيمير، فقد كوّن فكرة عما حدث.
لكن حين وقعت أعينهما على البلورة التي يحملها زاتيل في يده، صُدما فورًا، وظهرت على وجهيهما رغبة جشعة لا حدود لها.
كان معدن "النجم الساقط" الذي جمعه أعضاء الإمبراطورية والسلالة خلال هذه الأشهر يُستخدم لبناء "بوابات الفراغ"، والتي تُمكّنك من الوصول إلى أي عالم أو بُعد داخل الفراغ، ومن هناك يمكن لجماعات من الأفراد الأقوياء أن يستخدموا قدراتهم لاختراق دفاعاته وغزوه.
لكن مع "قلب النجم" الذي يحمله زاتيل في يده، يمكن بناء "بوابات العوالم"، التي تنقلك مباشرة إلى عالم آخر، متجاوزة دفاعاته وجاعلة أي غزو أكثر سهولة.
ورغم أنه بالنسبة إلى الكائنات في رتبة صهر الأرواح لا يوجد فارق كبير من حيث وسائل التنقل، إلا أن الفرد من الرتبة الثالثة الذي يملك "قلب النجم" يستطيع بدء غزو العوالم الدنيا سرًا وجمع ثروات هائلة.
كانت الرغبة في عيني غريغوري ومينز عظيمة، لكنهما في النهاية لم يتمكنا إلا من التراجع.
فمينز كان قد وقّع عقد دم يمنعه من مهاجمة أي فرد من الإمبراطورية، أما غريغوري فكان يعتقد أن "قلب النجم" ليس ملكًا لزاتيل، بل للقوة العظمى التي تقف خلفه، وفي عقل الساحر: ما فائدة الثروة إن كنت ستموت من أجلها؟
لم يبدُ على زاتيل أي رد فعل تجاه نظراتهما، بل واصل الطيران نحو المنصة. لم يكن أنه لم يلاحظها، بل لأنه لم يكترث.
فحتى لو كان خصومك في غاية القوة، طالما أنهم لا يجرؤون على الفعل، فلماذا تهتم بهم؟
لم يستغرق الأمر سوى لحظة حتى وصل الأربعة إلى المنصة، وما إن فعلوا ذلك حتى وضع زاتيل "قلب النجم" عليها مباشرة، ثم ذهب إلى أحد الأركان برفقة إزيكيل وصوفيا.
أما كيرا، فانضمت إلى أولئك السحرة من الرتبة الأولى الذين كانوا تحت مظلة نفس القوة العظمى التي تنتمي إليها.
ولم تكن مغفلة لتظن أنها قد كوّنت نوعًا من العلاقة مع زاتيل، لكنها لم تكن حزينة لفراقه، بل ارتسمت على وجهها ابتسامة. فالحصول على دعم شخص سيصل بلا شك إلى الرتبة الرابعة كان أمرًا مثيرًا، وقد ينقذ حياتها يومًا ما.
قال زاتيل: "لن ندخل الكهف مرة أخرى، إذ إن ما تبقى من النجم الساقط تافه، فلنركّز على الاستشفاء، وننتظر وصول كائن صهر الأرواح الذي سيأتي من أجل المنصة."
وحين لم يظهر أي اعتراض من الاثنين، جعل زاتيل قبة من اللهب الأسود تغطيهم.
وبينما كانوا ينتظرون، كان كل من زاتيل وإزيكيل يلتهمان كميات كبيرة من لحوم مخلوقات سحرية، مركزين على ترميم أجسادهما.
وبفضل مساعدة اللهب الذهبي، استطاع زاتيل إعادة نمو ذراعه وشفاء جراح إزيكيل في أقل من يوم واحد.
وبعد أن استراح، بدأ يصلح المجموعات الرونية التي تضررت حين فُقدت الأجزاء التي نُقشت عليها من أجسادهما.
واصل الثلاثي الراحة وتعزيز مخزونهم من الطاقة بينما ينتظرون، وفي اليوم الثالث عشر شعر أفراد الإمبراطورية بشيء ما.
"لقد وصل." قالها زاتيل وهو يبدد ألسنة اللهب وينظر إلى البعيد، إلى الاتجاه الذي كان الجميع يحدقون فيه.
لم يأتِ من جهة مخرج الغابة التي لا نهاية لها، بل من قلبها. ويبدو أن الفرد الذي أرسلته الإمبراطورية قد وصل منذ وقت طويل، لكنه ظلّ في أعماق الغابة.
وكان هذا التصرف وحده كافياً ليكشف عن قوته، إذ إن دخول قلب الغابة دون قوة صهر الأرواح يُعَد انتحارًا، وحتى لو بلغت الرتبة الرابعة يظل مكانًا بالغ الخطورة.
كان يطير بسرعة مذهلة، ولم يستغرق وقتًا طويلاً حتى أصبح الآخرون قادرين على رؤية ملامحه.
كان رجلاً طاعنًا في السن للغاية، إلى حد بدا فيه واهن الجسد، يرتدي رداءً بنيًا.
وجهه شاحب، شعره رمادي، وأنفه وأذناه كبيرتان.
ورغم أن المظهر العجوز لا يعكس بالضرورة ما تبقى للمرء من حياة، إذ إن الكثير يفضلون هيئة متقدمة في العمر، إلا أن هالة الموت التي تحيط بالرجل كانت دليلاً واضحًا على أنه يعيش سنواته الأخيرة.
ومع ذلك، حين رآه أفراد الإمبراطورية، لم يجرؤ أحد على الاستخفاف به، بل ارتسم القلق على وجوههم.
فمن بلغ رتبة صهر الأرواح يمكنه أن يعيش عادةً حتى عشرة آلاف عام، وعندما تبدأ حياتهم بالانطفاء، يكتسبون شخصيات غريبة ويصبحون لا يمكن التنبؤ بأفعالهم، إذ لم يعد هناك شيء يمكن أن يثير خوفهم.
ورغم أنهم أخفوا ذلك فورًا، إلا أن الرجل العجوز لمح في وجوههم تعابير الخوف، فارتسمت على وجهه ابتسامة. لكنها لم تُظهره أكثر ودًّا، بل أضافت عليه شعورًا خبيثًا وقاسيًا.
كانت عيناه تبدوان وكأنهما لا تركزان على أحد بعينه، لكن كان هناك من شعر بالخطر مقبلاً عليه.
فبصفته شيطانًا جديدًا، كانت غرائز زاتيل حادة للغاية، فشعر بالنية الشريرة للرجل، مما جعله يضيّق عينيه.
"أن تجعل شخصًا في الرتبة الرابعة يتحرك، يبدو أنني لم أُخطئ في تقديرهم." قالها زاتيل ببرود وهو يلتفت نحو نيمير، الذي كان ينظر إليه بابتسامة.
منذ لحظة تعرضه لهجوم فاينر، كان يعرف أن هناك شخصًا بالغ القوة يستهدفه.
قد تكون دوافع الرجل الذئب متعددة، وربما كان مجرد طمع في امتلاك صوفيا، لكن حقيقة أن نيمير خالف أوامر هاينز أشارت إلى أن الأمور أعقد من ذلك.
فرغم أن هاينز بدا ودودًا حين تفاعل مع زاتيل، فإن أي شخص بلغ تلك الدرجة من السيطرة على "قانون القتل" لا يمكن أن يكون متسامحًا. لذا، فإن ساحرًا من الرتبة الثانية يتجرأ على عصيانه، لا بد أنه يملك من يعتمد عليه.
"في البداية، ربما أرادوا فقط إذلالي وزعزعة حالتي الذهنية، لكن بعدما أدركوا ما أنا قادر عليه، يبدو أنهم قرروا قتلي." تجاهل زاتيل ابتسامة نيمير، وركز نظره على الرجل العجوز الذي كان يقترب.
ورغم أنه سيواجه فردًا من الرتبة الرابعة، كائنًا في مستوى صهر الأرواح، قادرًا على قتل مخلوق من الرتبة الثانية دون أن يحرك إصبعًا، إلا أن عيني زاتيل بقيتا هادئتين. لكن خلف هذا الهدوء، كان هناك برود ووحشية لا يمكن أن يولدا إلا من أعتى وأشرس السلالات في الكون.
ترجمة : krinker