مع اقتراب الشيخ أكثر فأكثر، بدأ أفراد الإمبراطورية يشعرون بالانزعاج، وكلما اقترب ازداد الثقل في الأجواء، حتى رأوا كيف أن الهواء من حوله قد تلوث بتوهجٍ بنيّ.
لم يكن الانزعاج الذي أصابهم مجرد استجابةٍ نفسية لهالته الشريرة والمرعبة، بل كان رد فعلٍ جسدي تولد من أجسادهم بسبب الكم الهائل من الطاقة التي كانوا يتعرضون لها.
بدأ الأمر كتهيّجٍ بسيط على الجلد، لكنه سرعان ما تصاعد حتى بدأ أولئك السحرة من المرتبة الأولى يشعرون بالاختناق، وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يُستنشَق، والكمية الضئيلة من الأوكسجين التي تدخل رئاتهم جعلتهم يحسون وكأن الغبار يغزوها.
حتى سحرة المرتبة الثانية والثلاثة الشياطين الجدد اضطروا لتفعيل دفاعاتهم السحرية.
السبب كان بسيطًا: الشيخ لم يكبح مجال قوته المغناطيسية، وكل ما في جسده من طاقة كان يتسرب إلى الخارج.
كانت كمية الطاقة الهائلة في جسده كافية لتغيير البيئة، ورؤية تأثيرها على سحرة المرتبة الأولى جعلت المرء يتخيل حجم الكارثة لو كان في مدينة مكتظة بمستويات الصفر.
ذلك هو رعب وجودٍ في مرتبة "تزوير الأرواح"، فمجرد حضوره قد يقتل عشرات الآلاف دون أن يفعل شيئًا.
وبالطبع لم يكن الشيخ ليتجرأ على فعل ذلك داخل مدينة تخضع لسيطرة منظمة قوية كالإمبراطورية أو السلالة، إلا إن كان يرغب أن تُستخرج روحه وتُعذَّب حتى تتلاشى.
مشاهدة الألم والمعاناة على وجوه أولئك السحرة من المرتبة الأولى جعل ابتسامة الشيخ تكبر وتزداد خبثًا.
وحين رأى أن زاتيل قادر على مقاومة طاقته بسهولة أكبر من سحرة المرتبة الثانية، تلألأت عيناه.
(ترجمة : krinker)
هذا هو إذًا، لم يكذب حين قال إن هناك شابًا موهوبًا للغاية هنا... ممتاز!
ورغم أن "لون" استطاع بلوغ المرتبة الرابعة، إلا أن ذلك كان فقط بفضل خلفيته القوية وما صُبَّ عليه من موارد هائلة، وإلا لكانت المرتبة الثالثة أقصى ما يبلغه في حياته.
لكن حتى مع ذلك، لم يكن من الأقوياء، ولو لم تكن آلاف السنين من التراكم وراءه لما استطاع التحدث على قدم المساواة مع من هم في مرتبته.
وحين اقترب من نهاية طريقه، بدأ يشعر بأن الحياة بلا طعم، والمتع الجسدية أصبحت تافهة في عينيه. لكن هناك شيء واحد ظل يمنحه لذة شريرة: سحق العباقرة والنجوم الصاعدة، زرع اليأس في قلوبهم، وتدمير آمالهم.
للأسف، معظم العباقرة أذكياء كفاية ليضعوا أنفسهم تحت حماية منظمة قوية أو يحصلوا على داعم ما. لذلك حين عُرِضت عليه مهمة قتل عبقريٍّ فذ، قَبِلها بفرح.
أما عن مكانة القوى العظمى في الإمبراطورية، فكل ما يحتاجه هو عذر مناسب، وكان واثقًا أنهم لن يضحوا بمكانتهم من أجل مجرد فردٍ من المرتبة الأولى.
وصل لون إلى السماء فوق المنصّة، ولم يتراجع عن هالته إلا حين رأى أولئك من المرتبة الأولى يختنقون ويصارعون لالتقاط أنفاسهم.
بالنسبة له، كانوا لا يختلفون عن النمل، وقتلهم لا يجلب له أي متعة، بل يجر عليه ديونًا لمَن يخدمونهم.
عندما رآه غريغوري يحوم فوق المنصة، لعن حظه بصمت لأنه اضطر للتعامل مع روحٍ مزورة مجنونة كهذه، لكنه لم يجرؤ أن يُظهر شيئًا، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة مجاملة واتخذ وقفة مهذبة قبل أن يطير نحوه وينحني.
قال باحترام: "غريغوري فيير، يحيّي بتواضع الوجود الجبار في مرتبة تزوير الأرواح، هل لي أن أعرف اسم السيّد؟"
كان أداء غريغوري impeccable، بحيث لم يترك له ذريعة للهجوم.
أما لون، الذي عاش آلاف السنين، فقد أدرك تمثيله مباشرة، وبرغم أنه انزعج منه، إلا أن قتل فرد من المرتبة الثالثة بلا سبب جريمة عظيمة في الإمبراطورية، فاكتفى بازدراء قبل أن يتكلم:
"أنا لون، روح الجبال المئة. سلّمني نواة المنصة والسجل الذي يحوي الإيداعات والأحداث المهمة التي جرت خلال هذه البعثة."
كانت كلماته قاسية وحادة، يعامل غريغوري كأنه خادم لا أكثر.
ومع ذلك، لم تتلاشى ابتسامة غريغوري، بل سلّمه النواة وكريستالة بانحناءة، ثم عاد إلى المنصة.
لم يضِع لون وقتًا، فأرسل وعيه مباشرة إلى النواة ليستولي على السيطرة، ثم إلى الكريستالة ليحصل على المعلومات عن أهم الأحداث.
وخلال اطلاعه على المعلومات، أدرك أكثر فأكثر مدى موهبة زاتيل الوحشية، فامتلأت ابتسامته بالحماسة حتى كاد جسده يرتجف.
كلما كان زاتيل مميزًا، كانت المتعة أعظم حين يسحقه ويمحو إرادته. وتوقف للحظة عند ذكر "قلب النجم".
عذر مثالي... ممتاز!
رأى زاتيل ابتسامته، وفي اللحظة التالية اندفع عليه ضغطٌ قاسٍ أجبره على الركوع وهو يشعر بعظامه تتشقق.
صُدم الجميع من فعل لون، إذ هاجم زاتيل دون كلمة، ومن الواضح أنه لم تكن هناك أي صلة سابقة بينهما.
تنوعت ردود أفعال أفراد الإمبراطورية، لكن بين المرتبة الأولى ظهرت ابتسامات. فكلهم كانوا أضعف من أن يتحدّوه، ورؤية هذا العبقري يُذلّ أمام المرتبة الرابعة منحتهم لذة.
أما المرتبة الثانية فكانوا أفضل في إخفاء مشاعرهم، باستثناء كيرا التي بدت عيناها وكأنها تعكس استسلامًا وندمًا، ربما لأنها الآن تعتقد أنه كان يجدر بها أخذ الخواتم.
أما الشيطانان الجديدان بجوار زاتيل، فامتلأت أعينهما ببرودة وعزم قاتل. ولو لم يكن زاتيل قد أخبرهما مسبقًا أن هذا قد يحدث، لاندفعا لمهاجمته ولو كان ثمن ذلك حياتهما.
بالطبع كان ذلك مجرد رد فعل عاطفي، فهما يعلمان أنهما قادران على الهرب في أي وقت، لكن حتى مع ذلك لم يخمد القتال في أعين صوفيا وإيزيكيل.
شعر زاتيل بمشاعرهما، فامتلأ قلبه بالدفء، وبكل ما في جسده من قوة وقف لينظر إلى لون بعيونٍ هادئة وباردة.
"نعم، قاوم... كلما قاومت، كلما ازدادت متعتي حين أسحقك!"
قال لون بصوت قاسٍ: "زاتيل دايبريك، لقد حصلت على قلب نجم خلال وجودك في الكهف، وبسبب قيمته الهائلة سأفتش عقلك لأتأكد أنك لا تخفي قطعة أخرى."
كانت عينيه تتلألآن ترقّبًا ليأس زاتيل.
لكن ما كان سيفعله لم يكن مجرد قراءة أفكاره، بل إدخال وعيه إلى روح زاتيل وانتزاع ذكرياته بالقوة، ما سيعرّضه لتعذيب مروّع ويدمر روحه في النهاية.
غير أن أمنيات لون لم تتحقق، إذ ظل زاتيل ينظر إليه بهدوء تام، رغم أن ضغط تزوير الأرواح جعله ينزف من كل مسام رأسه.
قال ببرود: "لا يمكن أن يوجد سوى قلب نجم واحد في أي جرم سماوي، لأنه هو لبّه. أنت فقط تستخدم القوة التي نلتها من طول عمرك لتتسلط علي."
لم يكن في كلماته أي سخط، كأنه يشرح أمرًا لا يهمه.
أثار هدوء زاتيل غضب لون.
"نعم، أنا أتسلط عليك، أستخدم سنواتي لأقهرك. قد تكون موهوبًا، لكنك ضعيف، لذا يمكنني فعل ما أشاء بك، تلك هي لا عدالة الكون."
أراد أن يؤثر في زاتيل بكلامه، لكن الرد الذي حصل عليه لم يكن ما توقعه:
"هاهاها! أنت محق، العدالة لا وجود لها. كما تستخدم قوتك التي جنيتها عبر آلاف السنين لتقهرني، أنا أستخدم موهبتي ومعرفتي لأسود على أولئك الحثالة." — وأشار إلى سحرة المرتبة الأولى الذين يراقبونه.
"الكون غير عادل، ولا وجود للخير والشر. إن كنت تجسيدًا للموت والدمار وقتلت تريليونات الأرواح، فلا بأس، أنت على حق وهم على باطل... لأنك الأقوى!"
صُعق الجميع من كلماته، حتى لون لم يكن استثناءً.
ما نطق به زاتيل كان الحقيقة العليا للكون: القوة تعلو فوق كل شيء.
لكن ما شعر به لون لم يكن امتنانًا، بل كراهية.
"كيف يجرؤ نملة تافهة مثلك أن تلقنني درسًا! سأمزق روحك وأحطمها بقانوني!" — قالها بغضب، والضغط الذي أطلقه ازداد أكثر.
ومع ذلك، لم يبدُ على زاتيل أي خوف، بل ظلّت ابتسامته قائمة.
"لم تدعني أنهي كلامي، لدي ميزة أخرى... أخي!"
وبمجرد انتهاء كلماته، اجتاح لون شعور كأن محيطًا من الدم يغمره ويشل جسده، وقبل أن يفعل شيئًا، اخترق سيف أسود ظهره، ليشاهد طرفه يخرج من صدره.
ترجمة : krinker