الفصل المئة وسبعة وثلاثون : ابتسامة
________________________________________
مع الأسف، لم يفضِ المؤتمر إلى نتيجة مرضية، فعلى الرغم من أن الكثيرين أبدوا دعمًا لقدرات الطائرة القتالية، إلا أنهم أبدوا تحفظات شعورًا منهم بأن سفينة الأمل لم تحط بعد بجميع التقنيات اللازمة لإنشائها. صحيح أنه بالإمكان صناعة هذه الطائرات بالقوة، إلا أن ذلك سيتطلب موارد إضافية، وفي النهاية لن تكون نسبة التكلفة إلى النتائج مجدية.
إلا أن النقطة الوحيدة التي أجمع عليها الجميع كانت أن هذه الطائرة القتالية لا بد أن تُبنى عاجلًا أم آجلًا. فكان من الضروري سد الثغرة في محركات القتال عالية الحركة وبعيدة المدى، والتي أحدثها جسيم المنشئُ. وحين يتوفر للطرفين الوصول إلى تقنية جسيم المنشئُ، فإن مسار المعركة سيتحدد بالمناوشات بين الطائرات القتالية، إذ ستكون السفينة الرئيسية بعيدة المنال، ومحمية ضد أي هجوم بعيد المدى.
وفقًا لبيانات بو لي، سيستغرق بناء طائرة قتالية واحدة عامًا كاملًا على الأقل، ناهيك عن الاستنزاف الذي سيلحقه ذلك بمخزون موارد سفينة الأمل. وللتوضيح بمثال، فإذا كان المكوك الحالي أشبه بطائرة مروحية مبكرة ذات شفرتين، فإن نموذج الطائرة القتالية الفضائية 003 سيكون كقاذفة قنابل بي-2!
وبعد جدل طويل، تم الاتفاق على خطة لبناء نموذج أولي لمركبة خلال العام القادم، وباستخدامه كنسخة أساسية، سيتم التعديل وفقًا لذلك حتى تتمكن سفينة الأمل من إنتاج واحدة من هذه المركبات شهريًا. كانت هذه أسرع طريقة لتزويد سفينة الأمل بأسطول جوي.
“شخصيًا، أنا أؤيد اقتراحك.”
بعد المؤتمر، أومأ ياو يوان إلى بو لي بالاقتراب منه لتنضم إليه لاحتساء الشاي، فقد علم أن الشاي كان المشروب المفضل للفتاة، لذا أعد إبريق شاي بنفسه في ذلك المساء.
“غني عن القول أن طياري الطائرات النفاثة يجب أن يكونوا مؤهلين للغاية. ولهذا الغرض، كنت أنوي حصر مقعد الطيار على البشر المتسامين أو الناجين من الفيروس إكس. ولضمان سلامتهم التامة، ليس لدي أي تحفظ على تخصيص كمية باهظة من الموارد لهذا المشروع.”
تنهد ياو يوان قائلًا: “لكن للأسف، سفينة الأمل ليست مجرد فرقة استكشاف معزولة، بل هي وطن لجميع الناجين البشريين المتبقين. وعلينا أن نهتم ليس فقط بالشؤون العسكرية بل أيضًا بالمدنية. فالتحديثات والتجديدات والإصلاحات تجري في وقت واحد في جميع أنحاء سفينة الأمل. ونحن نعاني نقصًا هائلاً في الموظفين، لذا من المستحيل حاليًا تخصيص موارد مادية أو بشرية لبناء طائرات قتالية باهظة الثمن. لذا يا بو لي، آمل أن تعيدي تعديل مخططك بسرعة ليتناسب مع قدرتنا على الإنتاج الضخم بمستويات مواردنا الحالية.”
احتست بو لي شايها بهدوء، ويداها تديران الكوب برفق في كفها. ثم سألت بصوت خافت: “حسنًا... إذًا ما هي الميزات التي أنت مستعد للتخلي عنها أو تقليل مستواها؟”
“...ربما يمكننا التخلي عن مدافع غاوس المصغرة. ففي النهاية، الغرض من هذه الطائرات القتالية هو قتال الطائرات الأخرى، لذا لن نحتاج إلى مدفعية ثقيلة. وفيما يتعلق بالسرعة، فإن 340 كيلومترًا في الثانية سرعة مفرطة قليلاً، وقد لا يتمكن الطيار حتى من تحمل مثل هذا التسارع. علاوة على ذلك، فإن الحفاظ على مثل هذه السرعات العالية سيستنزف كمية كبيرة من الطاقة، وهذا سيضر بآفاقنا في المعارك الطويلة، لذا فإن رأيي الشخصي هو أن 100 كيلومتر في الثانية أكثر من كافية.”
استدرك ياو يوان نفسه وضحك. ثم مد يده ليعبث بشعر بو لي ووبخها برفق: “انتظري، أنت المصممة، لا داعي للقلق بشأن هذه الأمور. اتركيها للمهندسين، أم كان ذلك فخًا متعمدًا؟ على أي حال، أود الاعتذار مرة أخرى. فأنا من أراد طائرة قتالية عالية الأداء وطلبت منك البدء في تصميمها، لكن في النهاية، أنا من رفضها، أنا آسف.”
صفعت بو لي يده مبتعدة وأنهت احتساء شايها. ثم وضعت الكوب بغطرسة وقالت: “هذا كل شيء، أليس كذلك؟ عليّ العودة إلى المختبر. يمكنك التواصل معي هناك إذا احتجت إلى أي شيء.” ثم وقفت لتغادر.
تذكر ياو يوان فجأة فأضاف: “انتظري، كيف يسير مشروع تسليح قوات النجم الأسود؟”
بعد معركة مقبرة المركبات الفضائية ودخول الثورة الصناعية الرابعة، كان ياو يوان ينوي تحديث أسلحة الجنود. فقد كانوا بحاجة إلى بدلات قتالية أفضل، وأسلحة غاوسية أكثر تطورًا، وتنوع أكبر في الأسلحة التي يمكن استخدامها في القتال القريب أو لأغراض خاصة، مثل إسقاط الدروع الكهرومغناطيسية.
استدارت بو لي وأجابت: “بدلة الفضاء القتالية التي طلبتها أثبتت أنها مشروع صعب. ففي النهاية، الغرض الرئيسي من بدلة الفضاء هو البقاء على قيد الحياة في الفضاء، ولا علاقة لها بالقتال. لذا أحتاج إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى تصميم يحقق الغرضين معًا. كنت آمل في تقنية درع الجسم الشبيهة بالهيكل الخارجي من الكتب الفضائية، لكننا لم نصادف مثل هذه التقنية حتى الآن. ما لدينا هو تقنية ألواح معدنية ملحومة كهرومغناطيسيًا، ولكن حتى مع هذه، نحتاج إلى مزيد من الوقت للتحليل والتجارب.”
“أما فيما يخص التسليح، فقد اكتمل اختبار الأسلحة بعيدة المدى. وسأرسل التقارير الخاصة بها مع تلك المتعلقة بالبنادق الغاوسية. وبالنسبة للأسلحة قريبة المدى، فقد أنتجنا شفرة منشار ممغنطة بقدرة 34 ألف قطع من الرقائق النانوية في الثانية. ويمكنها بسهولة اختراق جميع المواد المعروفة حاليًا، بما في ذلك الألماس. كما أنها تأتي بهيكل مضاد للمغناطيسية، لذا يمكنها نظريًا اختراق الدرع الكهرومغناطيسي. ستجد التفاصيل في التقارير التي سأرسلها لك. هل هذا كل شيء؟ ليس لدي وقت لهذه الألاعيب اللفظية.”
كانت علامات النفاد الصبر واضحة على وجه بو لي.
ابتسم ياو يوان بتوتر وهو يسأل: “هل أنت متفرغة خلال احتفال رأس السنة؟ أود دعوتك إلى حفل راقص...”
حدقت فيه بو لي قائلة: “هل تظنني متفرغة مثلك؟” وبذلك، غادرت غرفة القائد ببطء وثقة.
ابتسم ياو يوان رغماً عنه وهو يشاهد بو لي تمضي مبتعدة. ومرّ الوقت مسرعًا إلى اليوم الثالث من عطلة رأس السنة، فوجد ياو يوان نفسه في الحفل الراقص. وكما ذكرت باربي، فإن الحفل الذي أقيم في ساحة مفتوحة بالطابق الخامس حضرته حشود غفيرة، وقُدم الطعام على طريقة البوفيه المفتوح، حيث كانت أطباق اللحوم والكعك والفواكه تُقدم باستمرار.
كان معظم الحاضرين من الغربيين، ومن أبرزهم قادة اللجان مثل آلان وسيليوي، الذين كانوا برفقة زوجاتهم. كما حضر أعضاء من المجلس، ورؤساء العديد من أقسام سفينة الأمل، وكبار المحررين من أسبوعية الأمل. وبالأساس، كان كل غربي ذي مكانة معينة على سفينة الأمل حاضرًا.
في البداية، لم يكن الكثيرون مخططين للحضور، ولكن بعد أن أسقطت باربي تلميحات متعمدة بأن ياو يوان سيكون هناك، غيّر الكثيرون موافقتهم. حتى أن بعض الذين لم يُدعوا، وشعروا أنهم يستحقون الحضور، جاءوا إلى باربي يطلبون دعوة. فلم تستطع باربي رفضهم، ولم يكن أمامها خيار سوى زيادة القدرة الاستيعابية القصوى. لذلك، عندما وصل ياو يوان ورأى عدة مئات من الأشخاص يزدحمون في الساحة، ومعظمهم من الشخصيات المؤثرة، صدم صدمة مناسبة.
وما إن دخل ياو يوان الساحة وتلقى كأس نبيذ أحمر من نادل، حتى اقترب منه رجل في منتصف العمر برفقة زوجته، وسأل: “أيها القائد، أين مرافقتك؟”
كما ذُكر سابقًا، كان ياو يوان قد انخرط في عمل مع شركة دولية في مجال توظيف الكفاءات لعدة سنوات، لذا كان يعلم أن آداب حضور مثل هذا الحدث تقتضي وجود مرافق. لهذا السبب، كان قد دعا بو لي، لكنه الآن لم يستطع إلا أن يضحك بتوتر وهو يجيب: “أيها الممثل أنفير، يؤسفني أن أقول إن مرافقتي رفضت دعوتي.”
صُدم أنفير من الرد، وضحك بخفة قائلًا: “لا بد أنك تمزح أيها الرائد. إذا سمحت لي ببعض الصراحة، فمع رجل مسؤول وكفء مثلك، لو كانت لدي ابنة، سأطلب يدها لخطوبتك الآن مباشرة. أجد صعوبة في تصديق أن امرأة ترفض مرافقتك.”
“أنت تبالغ في المجاملة أيها الممثل.”
'حقيقة أنني دعوتها من الأساس أجدها صعبة التصديق حتى بالنسبة لي'، فكر ياو يوان لكنه لم يقلها.
ثم اعتذر وانصرف من الممثل في منتصف العمر، محاولًا العثور على مكان هادئ على هامش الحفل.
ما فشل ياو يوان في فهمه هو أنه كان محور اهتمام الحفل، فقد تبعه الحشد أينما ذهب. وتلامس كأسه كأس مسؤول تلو الآخر حتى أعادته الجملة: “أيها الرائد، أكره أن أثير هذا الآن، لكنني أشعر أن الميزانية القادمة لإدارة الصناعة قد تكون صغيرة جدًا. كما ترى...” التي تلفظت بها الوجوه المتشابهة، إلى حياته على كوكب الأرض، حيث كانت الفخاخ والإغراءات والوعود الكاذبة تُوضع بين التبادلات اللفظية، وحيث كان الجميع يرتدي ابتسامة باهتة كقناع.
بصراحة، شعر ياو يوان أن المناورة في التجمعات الاجتماعية كانت أكثر إرهاقًا من القتال الفعلي. [ ترجمة زيوس]
بعد انتهاء الحفل، لم يتبق لدى ياو يوان حتى الطاقة للشكوى. وفي طريقه للخروج، صادف باربي نصف ثملة، فسحبته في عناق ودسّت جسمًا صلبًا في يده. ثم أفلتت نفسها وغادرت. فتح ياو يوان كفه ليجد مفتاح غرفة... ولم يغب معنى الإشارة عن ياو يوان.
ابتسم ياو يوان بعدم تصديق قبل أن يضع المفتاح في جيبه ويعود أدراجه إلى منطقته السكنية الخاصة.
في طريق عودته، دخل شعور إلى ذهنه، فغيّر اتجاهه نحو الطابق الرابع بدلاً من ذلك. لم ير أحدًا سوى الدوريات في ليلة العطلة الهادئة هذه، فكان فضوليًا بشأن هذه الروح الوحيدة التي تتسكع حول سفينة الأمل بدلاً من الاحتفال برأس السنة مع العائلة والأصدقاء في راحة منزلهم.
قاده شعور ياو يوان إلى باب مختبر مألوف. رأى أضواء تتسرب من تحت الباب المغلق، فدخل وتنهد. كانت بو لي نائمة مستندة إلى داولتها، حيث تتراكم كومة من التقارير وتنسكب بعضها على الأرض. وتمكن ياو يوان من تمييز تقارير الأسلحة التي ذكرتها بو لي سابقًا من بينها.
مد ياو يوان يده، راغبًا في مداعبة شعرها، لكنه استدرك نفسه. وتنهد، ثم خلع معطفه ووضعه على بو لي، هامسًا: “أنا آسف لأنني قتلته... لم يكن لدي خيار؛ فحياة زميلي كانت على المحك. وقبل ذلك، في المحطة الفضائية، لو لم أتخلص منه، لكانت عائلته هي التي ستضطر إلى المعاناة من استخدامها كأوراق مساومة. لم يكن بالإمكان إنقاذ عائلتك إلا بموته...”
“بو لي، أنا آسف جدًا...”
بعد أن غادر ياو يوان المختبر، فتحت بو لي عينيها ببطء ولمست المعطف على ظهرها وتمتمت لنفسها: “...لقد كان ينتظر الموت منذ زمن طويل. فعلى الرغم من أنه نجا من المحطة الفضائية، إلا أن الإشعاع جلب له ألمًا هائلاً يومًا بعد يوم. لقد كان قدرًا أسوأ من الموت...”
“لذلك... أنا لا ألومك ولا أكرهك.”
تساقطت الدموع من عينيها، والتُقطت بانحناءة ابتسامتها، تلك الابتسامة الدافئة واللطيفة التي كانت تحميها بشدة من العامة وربما حتى من نفسها.