الفصل مئتان وثمانية وأربعون : يينغ
________________________________________
“اركضوا، إنه ابن وحش…”
مسح يينغ الطين عن وجهه، ثم واصل سيره نحو منزله صامتًا، قابضًا على جيوبه المنتفخة. كانت جيوبه تحوي حبوب القمح، ومؤنًا، وعشباً يابساً متسخاً، وعبوة صغيرة من الملح، وبعض العملات التي تكفيه شهراً كاملاً.
في ذلك العام، كان يينغ في التاسعة من عمره، وقد فارق والداه الحياة قبل عامين.
كان والدا يينغ مزارعين من أفقر مقاطعات الصين. ورثا قطعة أرض صغيرة لزراعتها عن أجدادهما، وكانا يعتبران نفسيهما محظوظين إذا استطاعا توفير طعامهما ليوم واحد. ففي قريتهم الصغيرة المعزولة عن العالم الخارجي، كان الفقر ينتقل عبر الأجيال إن لم يكن هناك دعم مالي خارجي.
لذلك، بعد ولادة يينغ، تشاور والداه وقررا المغامرة بالبحث عن عمل خارج القرية. كانت قريتهم صغيرة لدرجة أنها تفتقر لأبسط المرافق الأساسية كالطرق، وكان عليهما السير لنصف يوم على الأقل للوصول إلى أي وسيلة مواصلات. حتى بيع منتجاتهم الزراعية كان مستحيلاً بسبب انعدام وسائل النقل، وفي النهاية، قرر الزوجان أن البحث عن عمل خارج القرية أكثر جدوى.
غير أن… وراء أضواء المدينة المتلألئة، يكمن أشدّ غابات العالم وحشية، غابة فولاذية بقوانينها القاسية.
ابتلعت المدينة الزوجين اللذين لا يملكان أي تعليم، فرفضتهما جميع الوظائف تقريباً باستثناء الأعمال اليدوية الشاقة. حتى الفنادق الفاخرة لم تكن لتوظفهما كغاسلي أطباق أو عمال نظافة، حيث كانت شهادة التعليم عائقاً كبيراً أمام فرصهما.
وهكذا، كافح الزوجان لكسب عيشهما في المدينة لعدة سنوات. وبعد دراسة جميع الإيجابيات والسلبيات، وجدا أن العائد كان لا يزال أكبر من الزراعة في القرية. لكن تكلفة المعيشة في المدينة كانت أعلى أيضاً، فلم يكن أمامهما خيار سوى تجويع نفسيهما يوماً بعد يوم لتوفير المال لابنهما الوحيد. كان أملهما الأكبر في الحياة هو أن يتمكنا من إرسال ابنهما إلى المدرسة لكي يحظى بفرصة أفضل، فبالتعليم، كما آمنا، تتحقق المساواة.
إلا أنه وبعد فترة طويلة من العمل الشاق والنظام الغذائي الشحيح، تدهورت صحة الزوجين تدريجياً. وفي نهاية المطاف، بعد يوم طويل من العمل تحت الأمطار الغزيرة، أصيبت الزوجة بمرض السل.
دفع المرض الزوجين إلى حافة اليأس. فمع كل المال الذي ادخراه، لم يتمكنا من طلب المساعدة الطبية، إذ كانت الرسوم الطبية في المدينة باهظة للغاية.
أخيراً، وبفضل وساطة أحدهم، تمكن الزوج من كسب مبلغ كبير من المال ببيعه دمه لمستشفى خاص. كانت هذه هي المرة الأولى منذ وصولهما المدينة التي يستطيع فيها الزوج شراء اللحم لزوجته. لكن ملامسة الإبر غير النظيفة في المستشفى حوّلت هذه النعمة إلى نقمة. فقد أصيبا بمرض ادعى الكثيرون أنه عقاب من الحاكم المطلق للخاطئين المحتالين، ولكن هذه المرة، أصاب زوجين صالحين.
كان اسمه… الإيدز، مرض ينتقل عبر الدم وسوائل الجسم.
واصل الزوجان العمل في المدينة، محاولين ادخار أكبر قدر ممكن. حاولا بيع دمهما مرة أخرى، ولكن بعد أن أظهرت النتائج إصابتهما بمرض الإيدز، رفضهما المستشفى. وبسبب افتقارهما للتعليم، لم يكن الزوجان يدركان ماهية الإيدز؛ كانا يعلمان فقط أنهما لم يعد بمقدورهما كسب المال ببيع الدم، ولم يدريا أن المرض كان ينهش جسديهما حياً.
عندما كان يينغ في السابعة، عاد الزوجان إلى القرية. ورغم أنهما لم يصلا بعد إلى مرحلة حرجة، إلا أن الإيدز كان قد أرهق جسديهما لدرجة لم يعد معها العمل البدني ممكناً. وفي وقت لاحق من ذلك العام، توفيا كلاهما، تاركين وراءهما ابناً في السابعة من عمره تحت نظرات التحيز من أهل القرية بأكملها.
منذ ذلك العام فصاعداً، قاطع أطفال القرية يينغ، منادين إياه “ابن الوحوش”. تحمل إهاناتهم بصمت، يحدق فيهم بلا كلمة. ورغم أن طبيب القرية أكد خلوه من الإيدز، إلا أن التسمية بقيت. وسرعان ما صار حتى الكبار في القرية يتجنبونه. أحياناً، كان بعض الأطفال المشاغبين يرمونه بالحجارة، فشعر بالوحدة المطلقة في هذا العالم. [ ترجمة زيوس] تعثر يينغ عرضًا في جثة كائن فضائي تحت قدميه، فسحبه إيبون الذي كان بجانبه بيد مساعدة. عاتبه إيبون قائلاً: “مهلاً يا يينغ، لا تقل لي إنك جائع. هذه أول مرة أراك ترتكب مثل هذا الخطأ في ساحة المعركة. لن يصدقني بقية الفريق عندما أخبرهم بذلك.”
رمقه يينغ بنظرة جانبية باردة قبل أن يضيف: “اصمت! ركز على مهمتك!”
ضحك إيبون بخبث، لكنه لم يجرؤ على الرد. عاد إلى عمله في قطع محرك حصار فضائي كان يسد طريقهم. في وحدة النجم الأسود، كان ياو يوان هو القائد بلا منازع. وحتى بعد تخليه عن منصبه، ظل أعضاء الوحدة يعتبرونه قائدهم. كانت العلاقات داخل وحدة النجم الأسود أوثق وأمتن مما يتصوره الكثيرون.
أما من يليه، فكان جوانغ تشن، وهذا لا جدال فيه. وبصفته أكبر داعم لياو يوان وذراعه الأيمن، كان دور جوانغ تشن أكثر أهمية مما أدركه الكثيرون، وكان الشخص الذي يثق به ياو يوان أكثر من أي أحد آخر. لقد سمى ياو يوان جوانغ تشن وريثاً لسفينة الأمل، مما يدل على مدى تقدير ياو يوان له.
أما الشخص الثالث الأكثر أهمية، حتى وإن لم يدونه الأعضاء خطياً، فكان يينغ!
كان يتمتع بالإصرار والثبات والهدوء، وبصفات قيادية عظيمة، ورغم أنه كان الأقل عاطفة بين الأعضاء، إلا أنه لم يرفع سيفه قط في وجه شخص بريء. ولولا خلفيته العائلية العادية نسبياً، لكان يينغ قد عُين قائداً للفريق قبل ياو يوان. وقد أقر ياو يوان نفسه بمكانة يينغ ضمن الفريق، فهو من أمره بقيادة المجموعة المتوجهة إلى سفينة التجار السماويين الرئيسية لإجراء المفاوضات.
في تلك اللحظة، كانوا قد اكتشفوا موقع الدائرة الرئيسية للطاقة في سفينة التجار السماويين الرئيسية، واندفعوا نحوها مسرعين.
اكتشف التجار السماويون هدفهم، وسدوا طريقهم بسلسلة من الوحدات الآلية. في البداية، كانت روح القتال لدى الوحدات القليلة الأولى منخفضة، ولكن مع اقتراب مجموعة يينغ من الدائرة الرئيسية، ازداد عزم القتال بشكل ملحوظ. بدأوا يلقون بأنفسهم على مجموعة يينغ بكل جدية، فعلى سبيل المثال، الوحدة الفضائية السابقة التي قاتلوها لم يكن فيها أي هاربين.
حدّق يينغ بهدوء في الممر الذي أمامهم. كان الممر واسعاً وعميقاً، ولم يكن لديهم أي فكرة عن طوله، لكنهم كانوا يعلمون يقيناً أن نهاية هذا الممر هي حيث تحتفظ سفينة التجار السماويين الرئيسية بمفاعلات الطاقة الخاصة بها. كانت تلك وجهة مهمتهم؛ ومع ذلك، لا يعلم إلا الحاكم المطلق كم عدد الكمائن التي تنتظرهم.
فجأة، سأل يينغ ليو باي: “كم الساعة الآن؟ كم من الوقت تبقى لنا؟”
أخرج ليو باي ساعة ذرية عالية الدقة وأجاب: “مرت اثنتا عشرة دقيقة منذ بدء المهمة، وتبقى لدينا ثماني عشرة دقيقة. لحسن الحظ، نحن قريبون بالفعل من وجهتنا. بعد أن نقضي على مجموعتين أو ثلاث من وحدات المقاومة الفضائية، سنصل إلى هناك.”
عبس يينغ قائلاً: “لا، لقد فات الأوان بالفعل. يجب أن نحتفظ بثماني دقائق على الأقل من الوقت الإضافي عندما نصل إلى هدفنا في حال حدوث شيء غير متوقع. بعبارة أخرى، لدينا عشر دقائق على الأكثر لهذه المهمة… إذا استمررنا بهذه السرعة، ستفشل المهمة، وعلينا التفكير في شيء آخر…”
فُوجِئ ليو باي قائلاً: “نفكر في شيء آخر؟ لكننا لسنا على دراية بالظروف الجيولوجية لمحيطنا. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للخريطة، لا يوجد سوى هذا الطريق الوحيد للوصول إلى المفاعلات. لا أرى كيف يمكننا تسريع هذا الأمر…”
صمت يينغ. ثم استدعى تشي شياو نياو ورن تاو وشرح لهما الوضع، آملاً أن يتوصلا إلى حل.
لم تكن هذه المهمة سهلة عليهما أيضاً. حدّقا في بعضهما بوجوه متعبة لوقت طويل، لكن في النهاية لم يجدوا حلاً.
أدرك يينغ ردود أفعالهما وتوجه إليهما لمخاطبة المجموعة: “ما يبطئنا الآن هو محركات الحصار هذه التي تسد طريقنا. إذا استطعنا التخلص من وحدات الحصار الفضائية، فستزداد سرعتنا بشكل طبيعي…”
فوجئ رن تاو وتشي شياو نياو عندما أدركا الحقيقة. ارتسمت على وجهيهما خيبة الأمل وتقدمت تشي شياو نياو لتسأل: “هل ستتخلى عن مجموعة أخرى من الناس؟”
ارتدى يينغ وجهه الخالي من التعابير. أجاب بهدوء قاطع: “هذا ليس تخلياً؛ هؤلاء جنود، وعليهم كجنود أن يدركوا أن أفضل نهاية هي موت الأبطال في ساحة المعركة، أم هل يرغب كلٌّ منا في رؤية المهمة تفشل؟ بما أنكما لا تستطيعان التوصل إلى فكرة أفضل، فسوف نسير على طريقتي…”
وهكذا، واصلت الوحدة تقدمها. ولم يمض وقت طويل حتى وقعوا في كمين نصبه محرك حصار فضائي آخر. ووفقاً لقوة تشانغ هنغ، كانت وحدة كبيرة تطاردهم من الخلف أيضاً. لو تباطأوا، لكانوا سيحاصرون هناك، حيث إن أعداد العدو ستكون أكبر بمئات المرات من عددهم.
في تلك اللحظة، اتخذ يينغ قراراً حاسماً. أمر اثنين من جنود النجم الأسود بالبقاء في الخلف، للاشتباك مع وحدة الكمين وإعاقة الوحدات الفضائية القادمة من الخلف. سيقود يينغ البقية لاقتحام الجدار والعبور من خلاله.
نعم، قد يبدو هذا مستحيلاً، لكن الجدران الداخلية لسفينة التجار السماويين الرئيسية كانت أضعف بكثير من جدرانها الخارجية. يمكن لشفرة المنشار أن تقطعها إذا أُعطيت بعض الوقت. ورغم أنه كان من المستحيل معرفة ما يوجد على الجانب الآخر من الجدار، قرر يينغ المضي قدماً في الخطة.
كان سيضحي بالجنديين ليكسب الوحدة المزيد من الوقت!
ارتدى الجميع، بمن فيهم إيبون وليو باي، تعابير جادة طوال الوقت. كانت ردود أفعالهم تجاه خطة يينغ معقدة. لقد علموا أن هذه قد تكون الخطة الوحيدة المتاحة لنجاح المهمة، لكن شعور الاستياء علق بقلوبهم كالغراء العنيد!