بمجرد أن غادر تشانغ سان المركبة الفضائية، تراءى له حشدٌ هائلٌ متجمّعٌ في ميناء الفضاء. ضمّ هذا الحشد مواطنين لم يكن يعرفهم، من مختلف الأصول كآسيويين، وذوي البشرة البيضاء، وحتى المنحدرين من أصول إفريقية. كانت الأعلام واللافتات تتمايل في أيديهم، بعضها يُرحّب بعودتهم، وبعضها يهنئ ويُثني، فيما كشفت أخرى صراحةً عن حسدهم لفصيل البشر المتسامين الجدد. لقد كان هذا المشهد يذكّر باستقبال نجم سينمائي كبير في مطارات كوكب الأرض الأصلي، أو بعودة ياو يوان الظافرة من ميادين الحرب.
ارتبك تشانغ سان، ووقف مذهولًا كطفل صغير، حتى اقترب منه جنديان من النجم الأسود، وقال أحدهما بابتسامة: “عليك أن تعتاد على هذا، فأنت الآن من فصيل البشر المتسامين الجدد وجنديٌ مستقبليٌ في النجم الأسود. هذا النوع من المواقف سيتكرر معك حتمًا في المستقبل.”
ابتسم تشانغ سان بحرج، ثم سأل بتردد: “سادتي، هل أنا حقًا من فصيل البشر المتسامين الجدد؟ وهل سأكون جنديًا مستقبليًا في النجم الأسود؟ ولكن مجال دراستي هو الكهرومغناطيسية، هل هذا مقبول حتى؟”
تبادل جنديا النجم الأسود النظرات وضحكا. أجاب أحدهما: “أنا أحمل درجة الماجستير في الدوائر الكهرومغناطيسية، فلا بأس. الجنود يمكن تدريبهم دائمًا، لذا طالما أنك ترغب في أن تصبح جنديًا في النجم الأسود، فستتمكن من ذلك حتمًا.”
بدأ الحماس يزهر على وجه تشانغ سان. استدار لينظر إلى الحشد المتجمع، وازداد ظهره استقامةً.
أجل، لقد أصبح بالفعل من فصيل البشر المتسامين الجدد، وجنديًا مستقبليًا في النجم الأسود. بالنسبة لتشانغ سان والجيل الجديد الذي نشأ على متن سفينة الأمل، ورغم تعرضهم للعديد من أنواع الأنمي منذ طفولتهم، من الخيال العلمي إلى الفنتازيا والأبطال الخارقين، إلا أن جنود النجم الأسود كانوا في حياتهم أبطالًا حقيقيين يفوقون هؤلاء الافتراضيين. بل إنهم كانوا أعظم من أبطال الأفلام، ولأن هذه الفكرة غُرست فيهم منذ صغرهم، نشأوا على تقدير كبير لجنود النجم الأسود.
كان تشانغ سان واحدًا منهم، طفلًا نشأ في هذه البيئة. لم يكن يتيمًا يكره العالم، ولا عبقريًا فاق أقرانه منذ صغره. بل مرّ هو أيضًا بفترة الإعجاب الأعمى تلك، حيث تمنى لو يمتلك قوة خارقة، وجمع المال لشراء تلك الدروع الورقية التي كانت تُصنع على شكل دروع جنود النجم الأسود. لم يتوقع أبدًا أن يصبح حلم طفولته حقيقة يومًا ما!
بعد أن رافق جنديا النجم الأسود تشانغ سان عبر الحشد، استقل الثلاثة حوامة كانت تنتظرهم. وما أن دخلوها، حتى انبعثت صيحات متحمسة.
“سان ار...” “تشانغ سان!”
في الحوامة، كان والداه وصديقته. لم يستطيعوا تمالك أنفسهم لحظة رؤيتهم لتشانغ سان شخصيًا. ورغم أن والده وصديقته تمكنا من كبح جماح مشاعرهما، إلا أن والدته لم تستطع إلا أن تسرع إلى جانبه. بعينين دامعتين، راحت تتفحصه من رأسه حتى أخمص قدميه، وكأن تشانغ سان قد عاد من الموت.
شعر تشانغ سان بالحرج قليلًا، لكن ذلك لم يمنع إحساسًا بالدفء من أن يتغلغل في أعماقه. خفض رأسه وقال: “أمي، أنا بخير، لا داعي للقلق.”
واصلت والدته تفحص وجهه قبل أن تضيف: “سمعت أنهم يقولون إن هناك فقدانًا للوعي ناجماً عن الحمى أثناء الاستيقاظ. حتى إن هناك تقارير عن وفيات. بعدما سمعت الخبر، بدأت أرى كوابيس...”
احمر وجه تشانغ سان. خفض رأسه وتمتم: “أنا بخير يا أمي، يمكننا التحدث عن ذلك عندما نصل إلى المنزل... سادتي، هل سنتوجه إلى منزلي؟”
ابتسم أحدهما وأجاب: “ليس بعد. لقد استيقظت للتو لتصبح من فصيل البشر المتسامين الجدد، وقد حدث ذلك في خط الدفاع الأول. المرافق هناك غير مكتملة ولم يكن لديهم طبيب مؤهل. قد يكون لديك مرض غير مكتشف بعد، لذا يجب أن تخضع لفحص طبي شامل أولاً. بالإضافة إلى ذلك، لا نعرف بعد أي نوع من فصيل البشر المتسامين الجدد أنت، لذا يجب علينا التحقق من كل ذلك أولاً.”
قبل أن يتمكن تشانغ سان من قول أي شيء، تدخلت والدته قائلة: “سادتي، أيها السادة الكرام، يجب عليكم إكمال جميع الفحوصات اللازمة. إذا كان هناك أي مرض خفي...” قبل أن تتمكن من إكمال جملتها، ابتلعت الدموع كلماتها.
بدأ جنود النجم الأسود يواسون والدة تشانغ سان. بصراحة، كانت فرصة وجود مرض خفي ضئيلة للغاية، والفحص كان مجرد إجراء وقائي. في تلك الأثناء، كانت الحوامة قد انطلقت، محلقة نحو أطراف مدينة القمر المنير. وعندما توقفت، وجدوا أنفسهم أمام مركز أبحاث فصيل البشر المتسامين الجدد.
دخل تشانغ سان مركز الأبحاث وهو يشعر بمزيج من التوتر والقلق. في الواقع، كان هذا المبنى موجودًا بالفعل على متن سفينة الأمل، لكن المكان كان يُحرس غالبًا من قبل جنود وحدة الدفاع. ولم يكن يُسمح لغير المصرح لهم بالاقتراب منه حتى. ومع ذلك، كانت الشائعات المحيطة بمركز أبحاث فصيل البشر المتسامين الجدد كثيرة على متن سفينة الأمل. فقد ترددت شائعات بأنه مليء بعينات من أجسام الكائنات الفضائية، مثل عينات عرق الزرغ والشياطين. وأشارت شائعات أخرى إلى كونه مقرًا لتجارب مخيفة، تضمنت تجارب حية على الكائنات الفضائية وحتى البشر. وبغض النظر عن صحة تلك الشائعات، كانت جميع التجارب غير إنسانية، وكان يتم التعامل مع الكائنات الخاضعة لها بما لا يختلف عن فئران التجارب.
بالطبع، كانت هناك أيضًا شائعات إيجابية، إن جاز التعبير. اعتقد البعض أن هذا المكان كان يضم أرقى التقنيات البشرية، تقنيات تفوق ما يستخدمه العامة بعدة مئات من السنين على الأقل. وربما وصلت التقنيات داخل مركز أبحاث فصيل البشر المتسامين الجدد إلى مستوى حضارة فضائية من المستوى الرابع. بعبارة أخرى، بلغت الشائعات مبلغًا من الجنون لا يُصدق.
شجع تشانغ سان نفسه بصمت ليحفز شجاعته. وبتوجيه من جنديين من النجم الأسود، أُدخل إلى ما بدا كحجرة تطهير. ثم دخلت مجموعة من الأشخاص يرتدون معاطف بيضاء لإجراء سلسلة من التحليلات والفحوصات، تلتها أسئلة مفصلة. وعندما اكتمل كل ذلك، أُرسل إلى كرة معدنية. كان هناك كرسيٌّ موضوعٌ بداخلها، وقُيّد إليه. بعد خروج الجميع، انطفأت جميع الأضواء في الكرة، وغرق في الظلام.
كان قلب تشانغ سان يرتجف، فقد ظن أنهم سيجرون عليه بعض التجارب. فجأة، ظهر ضوء. التفت تشانغ سان نحوه بدافع العادة، ورأى ضوء نجم يومض بعيدًا عنه. شيئًا فشيئًا، أضاءت المزيد من النجوم الظلام. وجد نفسه موجودًا في الفضاء، وقد اختفى العالم من حوله. كان هذا فضاءً افتراضيًا، وكان محاطًا بالنجوم.
على الرغم من علمه بأنه لا يزال داخل مدينة القمر المنير ومركز أبحاث فصيل البشر المتسامين الجدد، إلا أنه شعر بإحساس عميق بالوحدة. كبح تشانغ سان رغبته في الصراخ، وبدا مضطربًا بوضوح. راح يلتفت يمينًا ويسارًا وكأنه يبحث عن شيء ما في الظلام.
في الوقت ذاته، خارج الكرة المعدنية، كان عدد كبير من الباحثين منهمكين في تدوين التحليلات. وبناءً على البيانات، صرخ بعض الباحثين بحماس: “أجل، إنه من فصيل البشر المتسامين الجدد، وكثافة روحه لا تزال تتزايد بسرعة. يا للحاكم المطلق، لقد تجاوزت الكثافة البشر المتسامين الجدد من الرتبة A، إنه يقترب من الرتبة S بالفعل!”
اندفع أحد جنديين من النجم الأسود إلى الأمام ليسأل: “هل هو من فصيل البشر المتسامين الجدد من الرتبة S؟”
تم تقسيم البشر المتسامين الجدد إلى رتب. فالخالد مثل ياو يوان كان من البشر المتسامين الجدد من الرتبة S الفائقة، بينما كان معظم البشر المتسامين الجدد أقل من الرتبة S، مما يعني أنهم لم يمتلكوا قوة خاصة. ولهذا السبب، كان كل من البشر المتسامين الجدد من الرتبة S مهمًا للغاية، ويمكنه على الأقل أن يصبح نائب قائد وحدة من جنود النجم الأسود.
بينما كان الباحثون يستعدون للإجابة، اجتاح الغرفة فجأة هديرٌ مدوٍ. لم يكن هديرًا ينتقل عبر طبلة الأذن، بل كان شيئًا استقبلته الروح مباشرةً؛ كان من الصعب تفسيره. [ ترجمة زيوس] وبدلًا من ذلك، اجتاح إحساس بالوحدة القصوى كل من كان هناك. كان كافيًا لبث الخوف الشديد في قلوب الناس، بل وتسبب في إغماء الكثيرين على الفور...
“هذه... قوة روحانية؟!”