الفصل الخامس والخمسون : الثانية الأخيرة
________________________________________
كان الخمسة المختارون أخيرًا خبير الموصلات الفائقة الفرنسي، أليسون؛ والفيزيائي الألماني، سيليوي؛ وعالم الأحياء الصيني، يوان بين؛ والكيميائية الإيطالية، هانا؛ ومساعدة المختبر، بو لي. وقد اختيرت بو لي لكون قدرتها بصفتها هامسة قد تثبت نفعها بطرق غير متوقعة.
لقد كانوا هؤلاء الخمسة، كما توقع أليسون تمامًا: أفضل ما يمكن لسفينة الأمل أن تقدمه في مجالاتهم المتخصصة. كان ذلك رهانًا على كل شيء حقًا. وإذا ما أخفقوا، فقد صرح ياو يوان بعبوس أن الانتحار سيكون أيسر من انتظار الموت يستقبلهم بسلبية.
بينما صعد الفريق المؤلف من الخمسة إلى المكوك حاملين محلولًا كيميائيًا جديد التركيب، وقفت وحدة النجم الأسود برفقة جاي بصمت إلى جانب جدار حظيرة المركبات الفضائية منتظرين إقلاعه.
“هيا بنا. فبدلًا من الوقوف هنا والقلق، من الأفضل أن نُمضي وقتنا في التخطيط لخطوتنا التالية.”
كان ياو يوان أول من عاد إلى سفينة الأمل. تبادلت بقية المجموعة النظرات ثم تبعوه، وقد خيّمت على قلوبهم كلمات ياو يوان الأخيرة... ‘خطوتنا التالية’.
لكن، إن فشلت التجربة، فلن يكون هناك أية خطوة تالية.
جلس فريق الخمسة في مقاعدهم بطاعة، وكانت الأجواء أشد وقارًا من أن تسمح بتبادل الكلمات. وفجأة، لدهشة الجميع، خلع أليسون خوذته وتجرد من بدلة الفضاء. متجاهلًا نظرات الاستفهام الموجهة إليه من الجميع، أخرج من حقيبته مشغل إم بي فايف وبدأ بتشغيله. سرعان ما حل محل الصمت في المكوك اللحن المتناسق لأوركسترا كلاسيكية.
“بروفيسور أليسون، ما الذي تفعله... بدلة الفضاء...” شهقت هانا.
ابتسم أليسون قائلًا: “أي فارق ستصنع؟ إن فشلت التجربة، فالنتيجة تظل الموت. وإذا أنقذتنا حماية البدلة، فإن ذلك سيطيل أمد الألم فقط نحو الموت. وبدلًا من التشبث العنيد بالحياة، أفضل أن يُنهى عذابي على الفور.”
أسكت ذلك أي جدال مستقبلي. وبعدها، كانت بو لي التالية في خلع بدلة الفضاء خاصتها، تبعها يوان بين وسيويلي. ترددت هانا قبل أن تتنهد طويلًا وتخلع بدلتها أخيرًا.
استمر الفريق في الجلوس بهدوء، يستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية، كل منهم غارق في أفكاره. بعد بضع دقائق، بدأ بث المكوك بالعد التنازلي. شدّ الفريق أحزمة مقاعدهم، استعدادًا للإقلاع. ومع وصول العد التنازلي إلى الصفر، انطلق المكوك إلى الفضاء. وفي لحظة واحدة تقريبًا، كانوا على بعد آلاف الأمتار من سفينة الأمل.
انقطعت الاتصالات بين المكوك وسفينة الأمل بسبب تداخل الشحنات الكهربائية في السديم المحيط. لم تكن تقنية المسح الخاصة بسفينة الأمل متقدمة بما يكفي لاختراق السحابة الساكنة الكثيفة للسديم. وباستثناء توهج مزرق كان مرئيًا بالعين المجردة، لم تتمكن سفينة الأمل من رؤية أي شيء خارجها.
بينما كانت بو لي تعبث بجهاز الاتصال، هزت رأسها وقالت: “لقد حدث ما توقعه الجميع: قُطعت جميع أشكال الاتصالات. جهاز الاتصال متعدد الترددات لا يزال قابلًا للاستخدام، لكن بدون مخترق بيننا، فإنه عديم الفائدة عمليًا.”
ضحك أليسون ردًا عليها: “هذا جيد أيضًا. نحن نجري تجربة لا حفلًا موسيقيًا، لذا لا تحتاج سفينة الأمل إلى بث مباشر. إنهم يحتاجون النتائج فحسب، ومسؤوليتنا أن نقدمها لهم...” ثم جلس واضعًا مشغل إم بي فايف الخاص به على داولة قريبة وبدأ بتجميع المعدات اللازمة.
حينها سألت هانا: “بروفيسور أليسون، إن سمحت لي بالسؤال، هل هذه المقطوعة... هي الثانية الأخيرة الشهيرة؟”
مندهشًا، التفت أليسون ليلاقي نظرة هانا الفضولية. ذاب دهشته في ابتسامة وهو يقول: “بالفعل، أنتِ محقة.
“أتذكر أن العام كان 2012، وبلغت فيه نبوءة المايا عن نهاية العالم ذروتها المحمومة. بدأت الكثير من طوائف نهاية العالم بالظهور، وارتكبت إحداها فعلًا أكسبها سمعة سيئة عالميًا. ففي إحدى المدن الريفية بالولايات المتحدة، بدأت طائفة ممارسة طقوسًا منحرفة. فبدلًا من الاستعانة بقوة عليا، قرروا بمنطقهم الملتوي أن يبيعوا أنفسهم للشرور على أمل أن يحميهم ذلك من الهلاك. لذلك بدأوا يقتلون الأطفال الرضع والصغار قربانًا لأهوائهم الشيطانية.
“وذات يوم، استولوا على مدرسة، وحُبس فيها أكثر من ألف طالب. وبعد أن غمروا محيط المدرسة وأنفسهم بالبنزين، أضرموا النار فيها.
“عندما وصلت الشرطة ورجال الإطفاء إلى الموقع، كانت المدرسة قد تحولت بالفعل إلى بحر من النيران. أحبطت ألسنة اللهب جميع محاولات الإنقاذ. ولكن مع صرخات الأطفال التي كانت تنبعث من المبنى المشتعل، خاطر العديد من رجال الإطفاء بحياتهم باندفاعهم إلى الداخل. كانت العملية بطيئة، لكن الأطفال كانوا يُنقذون واحدًا تلو الآخر. [ ترجمة زيوس]
“ولم يبقَ سوى عدد قليل من الأطفال داخل المدرسة، بدأ المبنى بالانهيار. ولو استمر رجال الإطفاء في جهودهم الإنقاذية، لكانت فرص نجاتهم ضئيلة للغاية.
“في تلك اللحظة المحورية، التفت قائد فرقة الإطفاء إلى مراسل الأخبار بجانبه، وتفوه أمام الكاميرا بتصريح ما زلت أتذكره حتى يومنا هذا.
“ابتسم أليسون بلطف وتابع: “'سبب وجودنا هنا هو أنه واجبنا... لكن عتبة هذا الواجب تتوقف قبل الإقدام على موت محقق، وكثيرون سيوافقون على ذلك قائلين إننا بذلنا قصارى جهدنا... لكنني أقول، أليس من واجبنا كبشر أن ننقذ حياة بعضنا البعض؟ لذا من فضلكم، دعونا نبذل قصارى جهدنا حتى الثانية الأخيرة!'”
“وبقيادة هذا القائد الشجاع، عاد ثمانية وعشرون رجل إطفاء آخر إلى المدرسة التي كانت بالكاد صامدة. وتمكنوا من إخراج الأحد عشر طفلًا المتبقين إلى بر الأمان. ولكن في اللحظة الأخيرة... انهارت المدرسة للأسف، آخذة معها الأرواح الشجاعة التسعة والعشرين.”
ثم رفع أليسون رأسه عن داولة عمله، وعيناه تملؤهما الدموع، وقال: “أحد الأطفال الأحد عشر الذين أُنقذوا أخيرًا كان حفيدي. لقد أصيب بحروق من الدرجة الثانية، لكنه نجا بفضل الله. وهو الآن خريج جامعي في العشرين من عمره.
“لهذا السبب تحتل هذه المقطوعة الموسيقية مكانة خاصة في قلبي. لقد ألفها وأدتها أوركسترا عالمية مشهورة تخليدًا لذكرى الأرواح التي فقدت في ذلك الحريق. وهي، كما قالت هانا، تُدعى: الثانية الأخيرة.”
وضع أليسون أجهزة اختبار الجهد وأدوات مهنته الأخرى، ثم أعلن: “من واجبنا كعلماء أن نقف هنا ونبحث عن مصدر جديد للطاقة لإنقاذ سفينة الأمل، لكن الكثيرين يقولون إنه طالما وضعنا مجموعة واضحة من التوجيهات، فلا داعي لأن نخاطر بحياتنا. فهناك العديد من المتدربين الأقل أهمية الذين يمكنهم أن يحلوا محلنا هنا.
“وعلى هذا أقول إنه لا ينبغي لنا أن نضع قيمًا فردية على الأرواح البشرية، لأن كل روح لا تقل أهمية عن الأخرى. صحيح أن سفينة الأمل ما زالت بحاجة إلى خبرتنا وتجربتنا، ونحن بالفعل أكثر أهمية من هذه الناحية... لكن أليس صحيحًا أيضًا أننا أفضل حماة للأمل بالنسبة للمئة وعشرين ألف شخص المتبقين؟ فكل من على متن السفينة، وعائلتي بمن فيهم، يعتمدون على الأمل لإبقاء أحلامهم وسعادتهم حية. أليس من واجبنا كبشر أن نبقي ذلك الأمل مشتعلًا بوضوح؟
“لذا...”
ابتسم أليسون، الذي كان لطيفًا وودودًا على غير عادته منذ صعوده إلى المكوك، بابتسامة رقيقة ثم قال:
“أود أن أدعو كل الحاضرين لبذل قصارى جهدنا حتى الثانية الأخيرة تمامًا!”
_________________________________
ما تقرأه هنا حكايةٌ من خيال المؤلف، للمتعة لا للاعتقاد.
وفي رمضان، اجعل قلبك للقرآن أولًا، وصلاتك في وقتها، واذكر الله كثيرًا… ثم اقرأ ما شئت في فراغك. بارك الله أيامكم ولياليكم — زيوس
------
قناتي في التليجرام لنشر اخر اخبار رواياتي واعمالي الجديدة تفوتكم!
ومن خلالها تستطيع طلب رواية مني لترجمتها! معرف القناة: @mn38k