الفصل الرابع والتسعون : التقدم والمحنة
________________________________________
"بعد عدة أيام من المراقبة الدقيقة والمناقشات المستفيضة، توصلنا إلى استنتاج مفاده أنه لا توجد مركبة فضائية سليمة في مقبرة المركبات الفضائية. تميل الحاملات التي تحتاج إلى دعم إلى إطلاق إشارات كهرومغناطيسية على فترات منتظمة، ولحسن الحظ، لم نلتقط أي إشارة كهذه من مقبرة المركبات الفضائية."
أوضح ياو يوان ذلك وهو يدفع تشانغ هنغ إلى الأمام قائلًا: "لذلك، وبعد العديد من النقاشات، تقرر أن تتجه سفينة الأمل نحو مقبرة المركبات الفضائية. وقد مضى على رحلتنا خمسة عشر يومًا حتى الآن. وفي سياق متصل، اكتشف عامة سفينة الأمل وجود مقبرة المركبات الفضائية قبل حوالي عشرة أيام."
"كان الكثيرون يشكّون بالفعل عندما لم تقم سفينة الأمل بالالتواء الفضائي بعد الأيام الثلاثة المعتادة. كما أن حقيقة أن مقبرة المركبات الفضائية تستمر في إطلاق شظايا من الضوء لا تساعد الموقف أيضًا. ففي السابق، كان المرء يحتاج إلى مرقاب لملاحظتها، لكنها الآن مرئية بالعين المجردة وحدها."
استطرد ياو يوان: "وغني عن القول، إن شرط السرية قد تم إلغاؤه بما أن الجميع تقريبًا على متن سفينة الأمل منشغلون حاليًا بمناقشة مقبرة المركبات الفضائية."
لم يكن تشانغ هنغ حاضر الذهن، وهذا ما بدا واضحًا من استمراره في الالتفات نحو النافذة ليحدق في الفضاء بعينين شاخصتين. لم يستفق إلا بعد أن صفعه ياو يوان بقوة على كتفيه، فانتفض وقال بحماس: "يا للهول! حضارة فضائية ومركبات فضائية غريبة! هل هذا حقيقي؟ هل نحن متأكدون أنه ليس نوعًا من السراب؟"
ضحك ياو يوان بخفة وقال: "لا يمكن أن يوجد سراب في الفضاء، لذا هذا حقيقي... أو بالأحرى، معظم ما نراه لا يبدو وهميًا تحت فحص استكشافاتنا السرية."
وأضاف: "وبالطبع، فإن قلقك هذا يشاركه بعض العلماء، الذين يقولون إن مقبرة المركبات الفضائية ليست أكثر من فخ بارع أعدته حضارة فضائية متقدمة لخداع المجتمعات المتأخرة تقنيًا مثل مجتمعنا، ولكن هذا التفكير يفتقر إلى الصحة."
استدار تشانغ هنغ وسأل: "ولمَ لا؟"
"لأنها تفتقر إلى الغاية المجدية." ابتسم ياو يوان وأردف: "أعتقد أن هناك نية للربح خلف كل فعل من أفعالنا، ويجب أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لجميع الكائنات الفضائية أيضًا. سواء كان ذلك من أجل البقاء، أو المطالبة بالأراضي، أو الهجوم، فلا بد أن يكون هناك هدف مربح وراء ذلك، أليس كذلك؟"
"نحن البشر لا نشكل تهديدًا لبقائهم أو لأراضيهم، لذا فإن الرهان الأكثر أمانًا هو الهجوم. ربما يروننا تهديدًا محتملًا في المستقبل ويرغبون في القضاء علينا قبل ذلك الحين."
تابع ياو يوان: "ومع ذلك، لا تزال هناك مشكلة. لماذا يضعون لنا فخًا في وسط العدم؟ هذه المنطقة هي حرفيًا فراغ، فلا يوجد حولها نجوم أو كواكب، فإذا كان هذا فخًا، فأين الطعم؟ وما هي احتمالات أن نمر من هنا طواعية؟"
"ومن هنا، يفتقر هذا الجدال إلى الصحة. إننا ننظر إلى مقبرة مركبات فضائية، لا أكثر ولا أقل!" اختتم ياو يوان حديثه، وما زالت الابتسامة ترتسم على وجهه.
تجادل تشانغ هنغ لبعض الوقت قبل أن يضحك بمرح: "إذن هذا رائع. يبدو أن مستقبلًا مشرقًا ينتظر البشر بعد كل شيء... ولكن مجددًا، كما قلت، هذه المركبات الفضائية متقدمة علينا بمئات السنين، فلماذا إذن تقع متناثرة كحطام محطم؟"
أدخل هذا السؤال كلاً من تشانغ هنغ وياو يوان في صمت مطبق، لأن الاحتمال كان مرعبًا لدرجة لا يمكن النطق بها جهارًا. في الواقع، كان العديد من العلماء يتجادلون حول هذه المسألة منذ اكتشاف مقبرة المركبات الفضائية لأول مرة.
وفقًا للصور الملتقطة، كانت جميع الأنقاض في مقبرة المركبات الفضائية مشابهة لتلك التي شكّلت سفينة القيادة الحربية المهيبة. وبعبارة أخرى، لم تكن هناك أجزاء من أصول مختلفة.
مع أخذ ذلك في الاعتبار، توصلت الأكاديمية إلى فرضيتين. الأولى هي حدوث تمرد داخلي. لم يكن هذا صعب التصور، إذ أن سفينة الأمل نفسها كادت أن تؤول إلى هذه النهاية عندما كانت على وشك نفاد الإمدادات بشكل خطير. وبالطبع، يمكن أن تكون الصراعات الداخلية ناجمة أيضًا عن اختلاف في الأفكار الدينية أو السياسية، وليس مستحيلًا تمامًا أن يتصاعد التمرد إلى هذا الحد من الدمار.
ومن ناحية أخرى، فإن سفينة القيادة الحربية المهيبة وحدها كان يبلغ طولها ألف كيلومتر على الأقل، لذا كان بإمكانها البقاء بسهولة لعدة آلاف من السنين في الفضاء. وطالما لم يكن المجتمع مكتظًا بالسكان، كان من الصعب رؤية الناس يضرون بفرصتهم في البقاء طواعية، لذا كانت احتمالية الفرضية الأولى منخفضة للغاية.
وهذا تركهم أمام الفرضية الثانية الأكثر رعبًا، تلك التي سرت قشعريرة باردة في عمود ياو يوان الفقري.
لقد دخل أسطول السفن الحربية في صراع مع حضارة فضائية متفوقة جدًا، وفي خضم القتال – بل في خضم المذبحة – دُمرت سفينة القيادة الحربية المهيبة دون أن يتكبد خصمها خسارة سفينة حربية واحدة. وبالطبع، كان من الممكن أن تكون هذه الحضارة المتقدمة لا تحتاج حتى إلى الاعتماد على السفن الحربية لأغراض القتال.
على أي حال، فإن فكرة أن أسطول السفن الحربية هذا، والذي كان متفوقًا بالفعل على التقنيات البشرية بمئتين إلى ثلاثمائة عام، يمكن أن يُباد دون أي فرصة للرد كانت... مرعبة إلى حد النخاع. إذ يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة مصير البشر عندما يواجهون هذا الخصم الجبار.
كان براعة الإنسان في القسوة لا مثيل لها، كما يتضح من التجارب اللاإنسانية التي أجريت على حيوانات المختبر، لذا كانوا يعلمون جيدًا كيف ستكون نهايتهم إذا انعكست الأدوار وتم أسرهم من قبل هؤلاء الأسياد السماويين الفضائيين. هذه الأفكار جعلت ياو يوان يرتجف، لذا وعد: "سنجعل التكنولوجيا في مقبرة المركبات الفضائية هذه ملكًا لنا!"
كانت هذه هي الرؤية التي قدمها ياو يوان لعامة سفينة الأمل، وهي رؤية لم يتقبلها الأطراف الأكثر حذرًا على متن السفينة. ومع ذلك، وقفت الأغلبية خلف ياو يوان. على أي حال، فقد أثار هذا موجة جديدة من الحوار على متن سفينة الأمل.
ومع ذلك، سواء للأفضل أو للأسوأ، سيتضح كل شيء خلال شهرين، عندما يصلون إلى مقبرة المركبات الفضائية.
بعد عشر دقائق، وصل تشانغ هنغ أخيرًا إلى منزله، بمعاونة ياو يوان، حيث كان حشد من الناس يجلسون في انتظاره. كان هناك أعضاء من وحدة النجم الأسود، وملازمون ثانٍيون تمت ترقيتهم حديثًا، والذين كانوا برفقته في القاعدة السرية تحت الأرض خلال مهمة الإنقاذ.
بالإضافة إلى نينغ شيويه، وماو مياو، ورن تاو المتردد الذي جرّته تش ويويه من أذنه. نظر تشانغ هنغ حوله، وبعينين تملؤهما الدموع الخفية ابتسم قائلًا: "لا أعتقد أن منزلي يتسع لكل هؤلاء، فماذا عن تناول وجبة في المطعم؟ على حسابي..."
ربّت ياو يوان بقوة على كتفه، مقاطعًا: "هذه حفلة استقبالك في بيتك، فاحتفظ بعرضك للمرة القادمة! هيا، لقد حجزت داولة في مطعم الثكنات. سنرفع نخبًا... نخبًا لإنجاز مهمتنا بنجاح."
"في صحة النجاح!"
"أجل! لن أغادر وأنا متيقظ!"
"تشانغ هنغ، سأملأك طعامًا ونبيذًا لأعوضك عن الوقت الضائع..."
تملك تشانغ هنغ شعور دافئ انتشر في جسده، محاطًا بصخب الأصوات المألوفة. ومع ذلك، ظل يلتفت يمينًا ويسارًا وكأنه يبحث عن أحدهم، مما دفع ياو يوان لسؤاله: "ما الخطب؟ هل فاتنا أحد؟"
فأجاب تشانغ هنغ: "لا، الجميع هنا، دعونا لا نضيّع المزيد من الوقت." ثم أسرع ليلحق بإيبون.
'إذن هي ليست هنا... لكن ألم تعدني... هل تخيلت كل شيء؟'
في الوقت ذاته، في غرفة كبيرة نوعًا ما تحولت إلى قاعة محكمة، احتشد حشد كبير. كانت هذه القاعة إحدى القاعات الثلاث المتاحة حاليًا على متن سفينة الأمل. تجول حوالي عشرة آلاف مواطن في محيطها، بعضهم ينتظر دوره للمثول أمام المحكمة، وآخرون يتحدثون فيما بينهم. وتخلل الحشد كذلك العديد من المراسلين الذين كانوا يجرون مقابلات مع العامة حول المحاكمة الجارية.
نعم، كانت المحكمة منعقدة. لقد استقطبت هذا الحشد الغفير لأنها كانت المرة الأولى التي تُعقد فيها على متن سفينة الأمل محاكمة بـ "جرائم ضد الإنسانية"!
بدأ كل هذا عندما تم الكشف عن الصندوق الأسود للقاعدة السرية تحت الأرض. كان يحوي تسجيلًا للحشود التي قادها مجموعة من العمال، وهم يضايقون المهندس مارك، ثم يهددون بتحطيم جهاز الاتصال الخاص به.
خلال عملية الإخلاء الأخيرة، استولى الجنود المتمركزون في الطابق الثالث على الصندوق الأسود بنية الحفاظ على المعلومات السرية وسجل البيانات. لم يتوقعوا أن يؤدي فعلهم إلى قضية قضائية بهذه الأهمية.
لنكون منصفين، لم تنتهك مجموعة العمال الكثير من القوانين، ولم يصب أحد بأذى، وظل جهاز الاتصال سليمًا في النهاية. لو كانت هذه قضية على كوكب الأرض، لكانت المحكمة قد رفضتها على الفور تقريبًا. [ ترجمة زيوس]
لكن الظروف كانت مختلفة الآن. طالب العديد من المواطنين وحتى الجنود بعواقب حقيقية. كان هذا لأن معظم سكان سفينة الأمل كانوا قد نبذوا من قبل حشود فقدت صوابها أمام الضغط واليأس. لقد أخبرتهم تجربتهم خلال الأيام الأخيرة على كوكب الأرض أن أخطر المخلوقات على الإطلاق هو الإنسان المجنون.
وكان ذلك هو التهديد الأكبر لسلامة سفينة الأمل. فبدون حس بالنظام، يمكن بسهولة تفكيك أمن السفينة من الداخل. لم يكن أحد على متن سفينة الأمل مستعدًا ليعيش مرة أخرى الشهور المظلمة التي مرت بها الأرض، ولهذا السبب تم وضع بروتوكولات من قبل الجيش ودعمها من قبل العامة لضمان عدم تكرار مثل هذه المأساة.
لذلك، تم اتهام مجموعة العمال على الفور من قبل الجنود، أملًا في أن يقوم ياو يوان بمحاكمتهم بموجب الأحكام العرفية.
ومع ذلك، عندما وصل الخبر إلى مجلس النواب، جمعوا مواردهم لمناشدة ياو يوان تسليم العمال إلى المحكمة المدنية. كانت مبرراتهم أولًا أن المتهمين لم يكونوا أعضاء في الثكنات، وثانيًا أنهم أملوا أن تحدد إجراءات محكمة علنية في المحكمة المدنية سابقة ليعرف أفراد العامة وجوب الحفاظ على النظام في جميع الأوقات.
بعد أن شاهد ياو يوان التسجيلات عدة مرات، قرر إحالة القضية إلى المحكمة المدنية.
واليوم كانت المحاكمة لـ مارشيان نيكوبوف، الشخص الذي بادر بقيادة الحشود.
المتهم في أول محاكمة بـ "جرائم ضد الإنسانية" على متن سفينة الأمل!