في وعيه الضبابي كان متأكدا من انه قد استيقض عدة مرات لكنه لم يستطع الكلام او الشعور بوضوح بما حوله ، كل ما سمعه كان تمتمات غريبة قدّر انها كانت تأتي من جانبه ،
انزلق لحلقه فجأة شيء مر . اعادت برودته بعضا وعيه الغائم اليه ليفتح عينيه بصعوبة
-ماء ..!
كان هذا اول ما خرج من حلق ثيودور الجاف وهو يحاول بجهد كبت تقززه من آخر شيء دخل فمه .
احس بطرف الكوب وهو يدفع في ثغره ليحاول امساكه بيده المرتجفة وهو يجترعه مرة واحدة .
-ابطئ ستختنق ! ليس بعد كل الجهد الذي بذلته لانقاذك !"
جرف ثيودور انتباهه عن الكوب بيده وحدق نحو الوجه الصغير الذي يكاد يتخلص من دهون الاطفال وهو ينظر نحوه باستياء
-اين انا ..؟"
عاد ببصره ليتجول حوله محاولا استشعار مكانه بمطابقته بأماكن من ذاكرته المتعبة.
-اين هذا ؟"
تساءل في داخله وهو ينظر نحو السقف البالي والمتشقق فوقه.
بالكاد تعرف على المكان على انه كوخ بعد ان داعبت أنفه رائحة الخشب المتعفن .
-كوخ مهجور على اطراف غابة "دريوتا" ،
ما الذي يظن حتى طفل مثلك انه فاعله بالذهاب هناك ،هل تبحث عن موتك ؟"
قابل ثيودور نظرات الاخير بارتباك وحيرة ، لم يفهم ما يقصده بنعته طفلا وهو لم يبدو اكبر منه بكثير .
ايضا ماهي غابة " دريوتا" هذه ، لم يسبق له ان سمع بها من قبل ناهيك عن الذهاب اليها !
تساءل وهو يسمع صدى زقزقات الطيور من الباب امامه
-هل حل الصباح بالفعل ؟"
شد الطفل الذي بدا في الثانية عشر من عمره قبعته البنية باحكام حول راسه في حين نظر نحوه ساخرا
-لا شك انك تمزح ! لقد نمت بالفعل لثلاثة ايام كاملة !
-ماذا ؟"
صدم عند سماعه هذا وحاول النهوض مسرعا الا انه جفل من الألم ليعود للاتكاء على حصير القش الذي يفترش الارضية الباردة
كان ذلك عندما انتبه أخيرا للضمادات البيضاء او ما تبقى من لونها وهي ملفوفة باحكام حول عدة أجزاء من جسمه .
دغدغت انفه رائحة الاعشاب الطبية ليتذكر فجأة الشيء المر الذي شربه سابقا
-انت عالجتني ..؟"
-همف ..لا تذكر ذلك حتى ! كلفت تلك الضمادات فقط الكثير من المال ناهيك عن الاعشاب ..من الجيد اني لست الشخص الذي دفع ثمنها "
تمتم بهذا بين اسنانه باستياء وهو يتذكر صاحب محل الاعشاب الذي حاول استغلاله
-كانت إصاباتك سيئة ومن حسن حظك اني عثرت عليك او كنت لتموت بسبب الحمى او النزيف في الغابة هناك.
شحب ثيودور وقد تجاهل كلماته الاخيرة عائدا بذهنه لما حدث معه قبل ان يفقد وعيه .
-رغم اني لا افهم كيف، لكن لحسن الحظ نجوت !"
تساءل عما اذا كان معلمه قد نجح في صرف انتباه سيرينا عنه بما انه لم يُقبض عليه حتى الآن
حدق ثيودور في الفتى فجأة متسائلا
-ما هو هذا المكان ؟"
-هاه ! اخبرتك انه بجانب غابة "دريوتا"
-اعني المدينة..هل هناك مدينة قريبة ؟"
-نعم ...عشر دقائق سيرا على الاقدام شرقا توجد مدينة "لويس" انها ثاني اكبر مدينة معروفة هنا !
-لويس ..تمتم بهذا الاسم ليصفر وجهه ، سأل بتلعثم ممسكا يد الصبي في حركة مفاجأة كادت تفتح جروحه
-بأي فرصة، هل نحن في محطة النقل ؟"
-محطة النقل ! هل تهذي بسبب الحمى ؟ هل فقدت الذاكرة او ما شابه ؟ نحن في مستعمرة "سيڨ" في القطاع الثاني عشر !
هل يعقل أن تكون نوعا من ..ٱوه ماذا يسمون ..نعم !مهاجرين غير شرعيين من مستعمرات ٱخرى !"
مستعمرة "سيڨ " "القطاع الثاني عشر " ومدينة "لويس " لا يمكن لثيودور أن يكون أقل وضوحا بما تعنيه هذه الكلمات ! ذلك انها كانت المستعمرة التي يقيم فيها !!
كانت " لويس "مدينة كبيرة تقع على الطرف الشرقي من المستعمرة !
هذا يعني انه لم يخرج بعد من هنا ! لا تزال هناك فرصة لعثور سيرينا عليه.
-لابد أن الإضطراب في الممر المكاني ادى الى قطع طريق سفري ونقلي بطريقة ما الى الحدود."
تمتم بهذا ليشعر فجأة بثقل جفنيه وعودة الدوار لرأسه ، استند على يده الصغيرة داعما نفسه لكي لا يسقط
-ما ؟؟"
نظر بشك نحو اقدام الصبي التي تبتعد عنه نحو الباب .
عاد الاخير ببصره لتقابل عيناه الخضراوتان خاصته الزرقاء وهو يبتسم نحوه مودعا
-الاعشاب التي تناولتها الآن ستكون مفيدة جدا لجروحك وستشفى بمجرد استيقاضك ، لقد كلفني الحصول عليها الكثير يا رجل !"
رفع يده من جيب سترته الجلدية ممسكا الكيس ملوحا به امامه
-يمكنك اعتبار هذه ٱجرتي لمساعدتك للأيام الثلاثة السابقة . لا تشكرني ! انا أعلم أني سخي جدا بأخذ هذا فقط !"
دفع باب الكوخ ليتسلل اخر خيط من صوته وهو يغلقه
-لا تقلق ، الكوخ آمن بالفعل من هجوم الوحوش ويمكنك الاحتماء فيه لبعض الوقت ..وداعا آمل ان لا نرى بعضنا ثانية!"
حاول ثيودور أن يقف بصعوبة على قدميه إلا انه لم يستطع وقد اشتدت دوخته ،
صر على أسنانه لانه كان يعلم ما بداخل الكيس جيدا ! كيف لا وقد انتزعه الاخير من حقيبته التي من حسن حظه قد نجت باعجوبة معه ،
احجار القمر منخفضة المستوى ، كانت شيئا قد سرقه بصعوبة من بعض الخدم !
أخبرته بيلما انها العملة الشائعة في هذا العالم ،
لذلك كان هذا ما عناه بأنه لم يدفع ثمن الضمادات والاعشاب ، لكنه لم يكتفي بذلك بل اخذ كيسه كاملا!
حاول ان يتشبث بقوة في الجدار المتهالك إلا انه ما لبث ان سقط وقد غرق في أحلامه مجددا
°°°°°°°
مرت نصف ساعة على تركه الكوخ وقد وصل منذ وقت طويل الى حدود جدران المدينة الصاخبة امامه الا انه لم يدخلها،
ظل يعيد في ذهنه الحوار القادم وتَبِعاته وكيف أنه أخيرا سيحقق أول خطوة في خطته الطويلة ،
لم يستطع إلا أن يشعر ببعض الذنب على ما فعله بالطفل الصغير الذي تركه في الكوخ المتهالك،
لكنه ثبت عزمه على أن اعتناءه به وترك بعض الأحجار له كان كافيا بالفعل لتسديد هذا الدين ! حتى وان لم يكن ، فسيسدد له بالتأكيد في المستقبل.
شد يده الصغيرة على قبعته وعادت نظرة الهدوء والسخرية الباردة لترتسم على ملامح وجهه الرقيقة
-لأجل شرف عائلتي ! علي مغادرة هذا المكان باي ثمن !"
تمتم بهذا وهو يدفع بساقيه نحو بوابة المدينة
حيا الحارسين بهدوء الذين تجاهلاه كعادتهم وتابع المشيء في الطريق المزدحم امامه وهو يحاول تجنب المارة المسرعين والباعة الذين يقاطعون طرق الآخرين احيانا
كانت "لويس " ثاني افضل مدينة بالمستعمرة، مليئة بالحيوية كعادتها.
نظرا لأن أراضي قارة أمانيسيا كانت تتسم عادة بأثيرها المضطرب ، اقتصرت حركة النقل فيها على العربات القديمة التي تجرها الوحوش بدل أحجار القمر العائمة.
كانت مناجم احجار القمر هي الدخل الرئيسي لامبراطورية لونا لذا عادة ما شكل وضع النقل في المستعمرات صداعا كبيرا لنشاطهم التجاري.
تجاهل البائع الذي اندفع نحوه وشد يده حوه جيب سترته في حين اندفع نحو احد الازقة راكضا بعد ان ما عاد يحتمل تأخيره اكثر .
لهث وهو ينظر إلى المبنى الكبير ذو الطوابق الثلاث أمامه في حين عبس وجهه مشمئزا وهو يحدق في أحرف اللغة القديمة التي حفرت على جدار السور الخارجي ،
"دار رعاية لويس "
كان يتمنى في جوفه أن تكون هذه آخر مرة يرى فيها هذه الكلمات في حياته.
نفض عنه افكاره في حين دفع الباب المتهالك ليدخل المبنى .
جال ببصره حول المكان شبه الفارغ
كان يعلم أنه عدى الاطفال الأصغر سنا ،كان الآخرون قد غادروا للعمل منذ فترة طويلة .
لم تجمعه بهم علاقة ٱخوية شديدة ،في النهاية لم يلتقوا إلا في فترات الصباح والعشاء ، وقد كانوا منهكين جدا ليجروا أي مناقشة او ألعاب سويا،
توقفت خطواته عند بابين في أقصى رواق الطابق الثالث
طرق على احدهم وهو يناقض نفسه في رغبته في فتح الباب وعدم سماعه لصوت الشخص الذي وراءه .
لكن لم يسمح الشخص بالداخل بأي تأخير لانهاء افكاره بل رد بصوت مقتضب
-ادخل !
فتح الباب ليقابل عينان كرههما بشدة ، كان للرجل قبالته جسم نحيف طويل بشعر اسود ونظرات ماكرة.
لو عاد الأمر لنفسه لكان من دواعي سروره أن يضرب هذا الوجه حتى يفسد تلك الملامح الشريرة ،
لكن للأسف كان هذا الخيال مستحيلا مذ ان الشخص امامه قد وصل منذ وقت طويل لنجمه الثالث وقد اقترب بالفعل من مرحلة الذروة .
-كورال ؟ "
-لا تنادني بهذا الاسم ! "صر الصبي على اسنانه بغضب
نظر الرجل نحوه مسليا باجابته
-حسنا "شاتِس" ! ما الذي قد احضر نفسك الكريمة هنا لتزورني ؟ "
تجاهل سخريته ليتقدم الفتى المدعو "شاتس " ويضع كيس أحجار القمر على مكتبه
- اريد رقم هوية ! هذا ثمن امتناني ! "
رفع الرجل حاجبه في عبوس طفيف
كان "ثمن الإمتنان " للناس في دار الرعاية يعني شيئا مختلفا تماما !
كان طريقا ملطفا للتعبير عن طلب للحرية !
منعت الدول العشر تجارة العبيد على أراضيها او هذا ما بدا على السطح ،
كانت دور الرعاية التي تكفلها المستعمرات توفر الأطفال الايتام مكانا آمنا للإقامة ، لكن في الوقت ذاته يُطلب منهم العمل بحرية فيما يجيدونه لجمع مبلغ لتسديد هذا الدين قبل بلوغهم سن الرشد.
في المقابل إذا لم يستطيعوا ذلك ينتهي بهم العيش بقية حياتهم في المستعمرات كعمال لمناجم أحجار القمر ! او كحمالين لمستكشفي الاتحاد !
رقم الهوية الذي طلبه كان يعادل رمزا تعريفيا كمواطن لامبراطورية لونا .
على عكس رقم تعريف العامل الذي سيحصل عليه من دار الرعاية عند بلوغه سن الرشد ، فإن الأول يسمح له بالسفر اينما يشاء وفعل ما يشاء دون قيود .
كان هذا ما يعنيه "ثمن الامتنان"!