تفتحت عيني اورليش من خلف قناعه دهشة من الشاب الذي يقف أمامه مُعطياً إياه ظهره. فيما انبعثت من جسده هالةٌ هائلة.
لوهلة رأى معلمه جين لم يصدق ما تراه عيناه لكنه سرعان ما أدرك أن الشاب اليافع لم يكن في الحقيقة إلا تلميذه جورا.
" جورا ! متى وصلت الى هذه القوة ؟ فحتى أشيا والمعلم جين لم يصلا لطور حكيم العناصر بهذا السن المبكر "
حذث نفسه بتعجب وتسائل قبل أن يلتف الشاب برأسه ببطء، ملقياً بنظرة جانبية حادة بطرف عينه نحو السياف المقنع قائلا
" معلم اورليش أترك لي هذه المواجهة "
رأى المعلم في تلميذه عزيمة أشيا وصرامة جين، كيف لا والأولى كانت معلمته السابقة و الثاني هو جده.
" إنه لك لكن إبقى يقضا "
ابتسم اورليش بعدما سمح له بمواجهة ملك العمالقة غورد الذي كان يتسائل عن هوية هذا الشاب قبل أن يسمعه ينادي السياف المقنع ب المعلم وعليه أطلق ضحكة سخرية عالية جذا ومسموعة بالأرجاء.
" فهمت إنه تلميذك اذا يا اورليش، لم أكتفي بالمعلم فأتاني تلميذه "
تحدت غورد وأضاف بنبرة مستفزة
" يا للسخرية "
كلاهما لم يتأثرا بإستفزاز ملك العمالقة، لكن جورا لم يبقى ساكنا بل انفجر من مكانه ضاغطاً بقدميه على الهواء كأنه يطأ أرضاً صلبة، وبمددٍ من عنصر الرياح انطلق كصاعقة برقية اخترقت المدى نحو عدوه.
إستقبل وجه غورد لكمة قوية مغلفة بالبرق من الشاب اليافع، كانت كافية لزحزحته من مكانه قليلا فقط.
" أهذا هو مستوى تلميذ أورليش ؟ "
إبتسم الملك متسائلا
استفزازه كان لا شيء بالنسبة لجورا ثم وجه هذا الأخير عدة لكمات برقية وبنفس الوقت تتغير اللكمات من البرق الى النار ثم الى الصخر.
كانت تتغير بسرعة كبيرة جذا لدرجة ان اورليش تعجب من ذلك وتسائل بصوت منخفض
" اعلم انك كنت تمتلك تلاث عناصر بالفعل وهذا لوحده انجاز جبار لكن مند متى أتقنت عنصر الرياح ايضا يا جورا ؟ "
استطاع جورا قذف غورد بعيدا بفضل ضرباته المتعددة تلك.
نجى ملك العمالقة بفضل صلابته متعرضا فقط لإصابات وخدوش، هذا ما جعله صعب إسقاطه أرضا. كان لازال واقفا.
" متقن للعناصر الأربع إذا "
قال ذلك وهو يمسح نزيف دم من فمه قبل أن يطرح سؤالا على جورا
" من أنت حقا ؟ "
" انا جورا حفيد جين "
" فهمت اذا حفيد ذلك المهرج "
لوهلة شعر جورا بالإستفزاز لكن سرعان ما ظبط نفسه لكي لا يقع في ما يريده عدوه.
خطرت فكرة على بال جورا ثم ابتسم بخبث وسأل
" هل تريد معرفة اين إكسيرك العزيز ذاك ؟ "
شعر الملك بإنزعاج وغضب كبيرين مع نفسه، كانت واضحة على ملامحه عندما تحدت
" اذا انت من سرقه، لكن لا فائدة، اي بشري سيشربه سيموت لا محالة "
" لكني استطعت تجاوز ذلك وعدم الموت "
رد جورا
" مستحيل ! "
تعجب غورد بينما يطحن في أسنانه، علم أن جورا لم يكن يكذب.
" اشيا واورليش والان انت... لقد ضقت ذرعا منكم "
ثم يطلق صرخة قوية جذا كأنه زئير وحش ما، ظهرت هالة مرعبة حوله مشكلا وضعية استعداد غريبة.
حيث رفع ركبة رجله اليسرى للأعلى بينما يديه شكلت قبضتين وكأنه ملاكم.
برزت حلقتين متوهجتين بيضاوتين اللون حول معصميه
تحت ضوء القمر بالوقت المثالي الذي أعطاه مشهدا مهيبا وهو بتلك الوضعية رغم ظلام الليل وغبار المعركة والحرب هنا وهناك.
ركز على جورا وكأنه قد حدد مكان ضربته التالية بالفعل
" الفن السري الفاي تاي " ثم أضاف
" رحب بأسلوب قتال العمالقة القدماء "
تسائل جورا حول ذلك بينما هو واقف محدق في وضعية ملك العمالقة بتركيز عالي جذا، دون ان يغفل عينه أمام هذا الجبل.
ممسكاً بخنجريه المقلوبين في قبضة عكسية، يحيط بجسده مزيج مرتعش من شرارات البرق ولفحات اللهب.
دون سابق إنذار اندفع الملك، لم تكن حركته بطيئة كما يوحي حجمه، بل كانت انفجارية.
سدد قبضة يمينية نحو جورا لم تكن مجرد لكمة بل كانت مهارة قبضة الزلزال. هكذا اطلق عليها غورد.
مع كل حركة كانت الأرض تحت قدميه تتشقق وتندفع للأمام كأمواج البحر.
قفز جورا في الهواء مستعيناً بتيارات الرياح، ليمر النصل الهوائي للكمة من تحته، محطماً صخرة خلفه كأنها من ورق.
وهو في الهواء غلف خنجريه بـالنار واندفع نحو كتف العملاق، لكن هذا الأخير لم يتراجع بل ضرب بكلتا يديه الهواء مولداً ضغطاً أرضياً صلباً ضد النيران.
فأجبر جورا على التراجع قليلا ثم غرس خنجرا في الأرض ليطلق أشواك ارضية تعيق حركة الملك، وفي اللحظة ذاتها أطلق بيده الأخرى صاعقة برق زرقاء.
ابتسم العملاق ببرود وضرب قبضته بالأرض في وضعية دفاعية.
في لحظة التلامس صعدت أعمدة من الصخر الصلب من تحت قدميه، لتمتص الصاعقة وتفتت الأشواك.
وبحركة خاطفة من فنونه القتالية، أمسك غورد بكتلة صخرية طائرة وبقبضة يده العارية حطمها ليرسل شظاياها كالقذائف نحو جورا.
فجأة ظهر ذئب أسود ضخم إلتهم الشظايا كأنها لاشيء تحت تفاجئ وتسائل ملك العمالقة
" ماهذا ؟! من اين ظهر ؟ "
كان المتدخل كاغي الذئب الشيطاني الخاص بجورا وهو من استدعاه بالوقت المناسب من خاتمه الذي بإصبعه.
" احسنت كاغي "
مدح جورا ذئبه لكن سرعان ما تعجب عن حجمه وشكله المختلفين عن السابق.
كان اكثر ضخامة من المعتاد وفروه يتوهج كنار ملتهبة سوداء اللون. بلغ ارتفاعه الجديد لثمانية أقدام.
" يبدوا انه اصبح اكثر قوة لعل هذا بفضل الإكسير الذي استخدمته سابقا لكن هذا غريب كاغي يتواجد بالخاتم وليس بداخلي "
حذث نفسه متسائلا لكن هذا ليس وقت التفكير في ذلك.
استخدم جورا أقصى سرعته، فصار يتحرك كشبح من الريح والبرق.
اقترب من العملاق، متفادياً سلسلة من اللكمات المدوية التي كانت تخلف حفراً في الأرض بعمق أمتار.
استطاع تلميذ اورليش ببراعة أن يغرز خنجره المشحون بـالبرق في فخذ الملك، ثم دار حوله ليجرح ظهره بالنصل المشتعل بـالنار.
بينما الذئب قد عض ذراع غورد اليسرى بفكيه وأسنانه الحادة كالسيف.
تأوه الملك غورد لكن الألم زاد من شراسته وغضبه، أنقذ ذراعه من فكي الذئب من خلال قبض يده بقوة وتحريكها ثم شحن نفسه جيذا صارخا بصوت مرتفع حتى تحولت لون بشرته بالكامل الى اللون الأحمر الداكن وصاح
" فن الأرض السحق المطلق "
ضرب الهواء بقبضتيه معاً، فانضغط الأكسجين ليتحول إلى جدار صخري غير مرئي صدم جورا والذئب وألقى بهما بعيداً.
بينما كان الملك يستعد لتوجيه اللكمة القاضية، ركز جورا كل طاقته في خنجريه. دمج الريح لزيادة الاختراق والبرق للسرعة والنار للانفجار ثم عنصر الأرض للصلابة.
اندفع جورا كالنيزك، تفادى قبضة غورد التي حطمت الأرض خلفه، وانزلق من تحت ذراع العملاق.
في تلك اللحظة الخاطفة غرس خنجريه المشحونين بطاقته المدمجة في نقطة ضعف بدرع الجلد الصخري عند خاصرة الملك.
انفجرت الطاقة داخل جسد العملاق، مما جعله يسقط على ركبتيه ثم على وجهه محطماً أرجاء المكان تحت ثقله.
وقف جورا لاهثاً بينما كان الملك غورد ينظر إليه بغضب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة غارقا في دمه.
مدركاً أن صلابته وقوة فنه القتالي مهما بلغت قوتهما قد هُزمت أمام مرونة العناصر الطبيعية وعزيمة وصرامة جورا.
تقدم جورا نحوه بخطوتين قبل ان يسأل بتعالي وثقة تامة
" أي كلمات أخيرة ؟ "
فضل ملك العمالقة الصمت وغرق في دوامة يأسه وعجزه طاحنا بأسنانه.
" اذا تناول طعم هذا التراب جيذا "
تحدت جورا بنبرة حادة ثم انحنى نحو رأس العملاق لينهي حياته
" حتى.. لو.. مت أنا.. لن أهزم "
عبر عن يأسه وغضبه مع صعوبة قليلة في الكلام ثم اخرج شيء ما من تحت ملابسه وأضاف بأخر ما تبقى له من طاقة
" انا استدعيك يا سيادة ثعبان الأرض العظيم "
بينما تحدت ودون سابق انذار حطم جوهرة ملطخة بدمه، لقد كانت الجوهرة ذلك الشيء الذي أخرجه.
رأى جورا ماحدث لكنه تأخر برد فعله، أنزل خنجره بسرعة نحو رقبة الملك وقطع رأسه وفصله عن جسده الضخم.
" اعتقد اني فعلتها في الوقت المناسب "
حدت جورا نفسه
اقترب اورليش من مكان جورا ثم شاهد ذلك بعينيه وكان فخورا بقوة تلميذه، لكن بسبب كثرة الغبار ومسافته البعيدة نوعا ما عندما كان يقترب لم يرى ما فعله غورد قبل ان تنتهي حياته.
وسط صمت تام لاحظ كل من المعلم والتلميذ طلوع دخان غريب ذو لون أورجواني داكن من تلك الجوهرة المحطمة والملطخة بدم ملك العمالقة غورد.
تسائل اورليش عن تلك الجوهرة مع نفسه.
استمر الدخان بالصعود شيئا فشيئا الى السماء تحت أنظار اورليش المستغربة وجورا المترددة وقبل أن يبتلع هذا الأخير ريقه من القلق تشكل الدخان على هيئة ثعبان ضخم جذاا. بشكل عمودي وملتوي ذو ارتفاع هائل كأنه جبل شاهق.
كانت له حراشف بكل انحاء جسده، من الواضح أنها صلبة جذا.
ذو لون أسود داكن بالكامل، إمتلك أربعة أعين حمراء اللون في مقدمة رأسه الشبيه بالخودة الحربية، برزت فوق ناصيته نتوءات قرنية حادة وقصيرة.
انفرج فكه السفلي كاشفا عن سلسلة من الأسنان المذببة التي لمعت تحت ضوء القمر كأنها أنصال معدنية.
ظهر بهيئة كاملة بالفعل، تحت صدمة وتفاجئ جورا واورليش مما رأوه.
مباشرة اخترق الثعبان برأسه الأرض المستوية كأنها بحر بالنسبة له حتى اختفى بالكامل قبل أن يخرج من جهة اخرى قريبة مطلقا هديرا بصوت مرتفع ومزعج ووحشي.
.
.
.