الفصل الخامس – غارة على ليبيريو
كان الجو داخل منطاد فيلق الاستطلاع مشحونًا بالتوتر، والسماء فوق ليبيريو داكنة ملبدة بالغيوم والرماد. من خلال نوافذ المنطاد الصغيرة، يمكن رؤية المدينة تحتهم تزداد غموضًا، وكأنها تتحضر للعاصفة.
جلس سايتاما، الرجل الغريب في طباعه الذي لم يعرف أحد كيف وصل إلى هذا العالم، في زاوية المقصورة. وجهه هادئ لكن عينيه تعكسان فراغاً داخليًا عميقًا. كان يرى أمامه هذا الصراع العنيف الذي لا يشبه أي شيء عرفه، ولم يكن يدري ما عليه أن يفعل أو إلى أي جانب ينحاز.
قالت هانجي، وهي تراجع أوراق الخطة وهي تنظر إلى خريطة ليبيريو: "إيرين أعطانا فقط الإحداثيات. لا نعرف متى يبدأ، ولا كيف ستكون الأمور بالضبط."
تنهد ليفاي قائلاً: "من الواضح أنه بدأ يتحرك من تلقاء نفسه. هذا غير مقبول، خصوصًا بعد كل ما حدث."
ميكاسا وقفت جاهزة، سلاحها في يدها، والعيون تتابع أي حركة.
فجأة، اهتز المنطاد بسبب انفجار عنيف تلاه تصاعد أعمدة الدخان والنيران من وسط المدينة.
هتف جان: "العملاق الهجومي يظهر… إيرين بدأ الهجوم!"
على الأرض، اندلعت المعركة الضارية. إيرين بقوة جسده العملاق يهاجم بوركو، عملاق الفك، الذي ظهر بدوره من بين الأنقاض. تحولت ساحة المعركة إلى مشهد من الدمار والدماء، المدنيون يصرخون والجنود يتقاتلون ببسالة.
ظهر راينر العملاق المدرع ليدافع عن بوركو، وبدأ القتال الحامي بين العمالقة الثلاثة. كانت معركة تشبه الموت البطيء، كل ضربة تحمل معها احتمال النهاية.
ثم ظهر العملاق مطرقة الحرب، لارا تايبر، التي زادت من تعقيد الصراع. إيرين، رغم قوته، وجد نفسه يواجه صعوبة بالغة في مواجهتها، حتى اكتشف أن جسد لارا مخبأ داخل كريستالة ضخمة تحت الأرض.
حاول إيرين تحطيم الكريستالة، لكنه فشل، حينها استخدم بوركو فكيه العملاقين لتحطيم الصخرة البلورية، مدمراً جسد لارا وأيقظ الفوضى.
خلال ذلك، بدأ فيلق الاستطلاع بقيادة ليفاي وميكاسا وجان وكوني وساشا بهجوم منسق على قوات مارلي في المدينة، لمساعدة إيرين وإخلائه من المعركة.
هبطوا من المنطاد، وبدأوا الاشتباك مع جنود المارلي، وميكاسا تقطع طريق القناصة، وجان وكوني يفتحان ممرًا لإخلاء المدنيين، وساشا تغطي المنطقة بمهارة.
في لحظة حرجة، تدخل سايتاما بقوته الفريدة، لا ليقتل أعداءً عشوائيين، بل لإنقاذ المدنيين وإيقاف نزيف الدماء، مانعًا وقوع المزيد من الضحايا.
انهار جسد العملاق مطرقة الحرب أخيرًا، وتفتّتت الكريستالة بعد أن أمسك إيرين بــ"بوركو"، وجعل فكيه يسحقان البلورة الصلبة، كاشفًا عن جسد لارا تايبر النازف داخلها.
بدون تردّد، أمسكها، شرب الدماء التي خرجت من التحطم ، ليكتسب قوة العملاق الثاني.
لكن وجه إيرين حين نهض، مغطى بالدم والطين، لم يكن وجه نصر. كان كالممسوس. عيونه فارغة، وحركاته عنيفة، وكأنه لا يرى شيئًا حوله سوى هدفٍ غير مرئي.
لم يعد يسمع ميكاسا. لم يعد يلتفت لليفاي. حتى نداء هانجي في اللاسلكي لم يحركه.
كان راينر ممددًا على الأرض بعد هزيمته على يد ايرين، محطمًا، فاقدًا للوعي. وبوركو فقد وعيه منذ فترة. أما المدنيون... فقد تحوّل الميدان إلى مقبرة جماعية.
هنا... دخل سايتاما .
هبط بهدوء بين الركام والدخان، واقترب من جسد العملاق الهجومي. كان الجميع يراقب بصمت. ميكاسا وقفت على سطح مبنى مدمّر، وهي تمسك بخط المناورة، تنظر بصمت إلى ما يحدث.
وقف سايتاما أمام العملاق.
رفع رأسه، وقال بصوت منخفض، لكن كلماته اخترقت أذني كل من سمعه: "لقد انتهى هذا. يكفي."
لكن إيرين لم يستجب.
مدّ سايتاما ذراعه، وضرب صدر العملاق بلطمة واحدة، ليست قاتلة، لكنها هزت الجسد بقوة، حتى سقط العملاق على ركبتيه.
وفي اللحظة التالية، قفز سايتاما نحو مؤخرة العنق، ووضع يده على لوح الجسد، ثم قال: "إذا لم تخرج... سأخرجك بنفسي."
وببساطة، كسر الغلاف الخلفي للعنق، وسحب جسد إيرين من الداخل كما يُسحب جندي جريح من درعه. كان إيرين غائبًا عن الوعي من الإرهاق.
هبط سايتاما بجسده قرب ميكاسا، ووضعه أرضًا.
قال لها بهدوء: "إنه حي. لكنه سيظل يدمر كل شيء إن لم يُوقف."
نظرت إليه ميكاسا، ثم إلى إيرين، وكأنها ترى ايرين لأول مرة بهذا الضعف.
جاء ليفاي من الخلف، وأمر: "انسحاب فوري. المنطاد يصل خلال دقيقة."
وبدأ الجميع التحرك.
سايتاما حمل إيرين على كتفه، وصعد معهم عبر خطوط المناورة إلى السطح حيث المنطاد بدأ يقترب.
في الأعلى، صعد أفراد فيلق الاستطلاع واحدًا تلو الآخر، وتركوا وراءهم مدينةً تغرق في الدخان، والخوف، والجثث.
لكن المعركة انتهت.
ليس بانتصار. ولا بهزيمة. بل بتدخلٍ من خارج كل المعادلات.
في الداخل، وعلى الرغم من هذا العنف، كان هناك تهديد آخر ينتظر.
بينما كانت ساشا ترتب بعض المستلزمات داخل المنطاد، دوى صوت خافت لصعود مفاجئ، لم يلحظه الحراس في الخلف.
من بين الظلال، خرجت فتاة بعينين تشتعلان حقدًا، تمسك بندقية قديمة الطراز. كانت غابي، خلفها فالكو، يتردد ويهمس لها: "غابي... لا تفعلي هذا..."
لكنها لم تسمع. كانت نظرتها ثابتة، محمّلة بكل الحقد الذي ترسّب في قلبها بعد مشهد تدمير مدينتها، بعد رؤية أصدقائها يُسحقون، وأحبابها يُقتلون.
رفعت البندقية، وصرخت بصوت غاضب: "ستموتون أيها الغزاة!"
وأطلقت.
في اللحظة التالية، ظهر سايتاما فجأة، كأنه خرج من الهواء. أوقف الرصاصة بأصبعيه، ثم نظر إليها بهدوء، دون غضب، دون قسوة.
ساشا كانت متجمدة في مكانها، لم تفهم ما حدث حتى رأت الرصاصة مكسورة بين إصبعين.
قال سايتاما لغابي: "أفهم غضبك. لكنك صغيرة على حمل هذا النوع من الكراهية."
فالكو اندفع نحوها، ممسكًا بيدها المرتجفة، وقد بدأت دموعها تنهمر. لم تعد تقاتل، بل انهارت.
ساشا نظرت إلى سايتاما، ما تزال غير مصدقة ما حصل. قال لها بهدوء: "تابعي. كل شيء انتهى الآن."
ثم أدار ظهره وغادر.
كانت هذه
اللحظة بداية تغير في مشاعر ساشا تجاه سايتاما، شعور خفيف ورقيق بدأ ينمو بصمت.
نهاية الفصل الخامس