الفصل السادس – ظلال الرحيل: بداية الشرخ
لم يكن في السماء سوى صمت الرماد، والدخان المتصاعد من بين أطلال ليبيريو لا يزال عالقًا في ذاكرة من نجوا.
عاد فيلق الاستطلاع إلى السفينة التي أقلتهم من ساحة الحرب، لكن الرحلة إلى الوطن لم تكن انتصارًا... بل نهاية لشيء، وبداية لشيء آخر لا يُسمى.
على ظهر المنطاد، جلس سايتاما بالقرب من ساشا التي كانت تضع ضمادة على ذراعها المصابة. لم تكن إصابتها خطيرة، لكن انعكاس الدم على الرداء الأبيض جعل وجهها شاحبًا.
"أنت بخير؟" سألها سايتاما وهو ينظر إلى جرحها.
أومأت بخفة، محاولة رسم ابتسامة:
"إنه خدش... رأيت أسوأ منه حين سرقت دجاجة من مزرعة."
ابتسم سايتاما بهدوء، لكن عينيه بقيتا تراقبانها دون كلام. لم يكن من النوع الذي يظهر قلقه، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا في الأجواء… شيئًا أثقل من الدخان.
في الجهة الأخرى من المنطاد، كان أرمين يمسك رأسه بيديه. الذكريات التي رأها، الناس الذين قتلهم أثناء تحوله إلى عملاق من ليبيريو ، النداءات، الصراخ، الأطفال الذين لم يكبروا... كلّها صارت تطارده.
اقترب جان منه، ووضع يده على كتفه:
"فعلت ما كان يجب فعله... لا أحد يحملك الذنب وحدك."
لكن أرمين لم يجب.
في الزاوية الخلفية، جلس إيرين وحده، عيناه ثابتتان على الأفق.
لم يكن يتحدث، ولم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه أكثر من اللازم.
سايتاما كان من القلائل الذين لم يتجنّبوه، لكنه لم يقترب منه أيضًا. رأى في عينيه شيئًا شبيهًا بشيء رآه مرارًا في وجوه الوحوش التي قاتلها سابقًا... شيء لا يتعلق بالغضب فقط، بل بالقناعة الكاملة بأن "الشر ضروري".
الجنود نقلوا المصابين، والضباط كتبوا تقاريرهم، وعيون كثيرة بدأت تنظر إلى إيرين نظرات مريبة... حتى هانجي، التي لطالما حاولت فهمه، بدأت تشعر بالشك.
اجتماع مع سايتاما وميكاسا وجان وليفاي، قالت هانجي:
"لا يمكننا تجاهل أن إيرين تصرف دون إذن القيادة. لقد ورط الجزيرة في حرب مفتوحة."
قال ليفاي ببرود وهو يجلس مائلًا على الكرسي:
"كان يجب أن نقيّده منذ البداية."
لكن سايتاما، الذي كان يتناول كوب شاي من يد ساشا، قال ببساطة:
"هل سألتموه لماذا فعل ذلك؟"
ردت هانجي:
"رفض الكلام... منذ أن عدنا."
ميكاسا نظرت نحو الأرض، كلماتها بطيئة:
"إيرين تغير. لم يعد يكترث لما نفكر به... أو ما نريده."
جان تمتم:
"لست متأكدًا إن كان يرى نفسه جزءًا منا بعد الآن."
سايتاما لم يرد. كان يراقب الجميع بصمت، لكنه قرأ شيئًا مهمًا: ليس الجميع خائفًا من إيرين، لكن لا أحد يعرف إن كان ما زال معهم... أم سبقهم جميعًا إلى هاوية لا عودة منها.
اخرجت بطاطا ، وبينما كانت ساشا تتناول عشاءً بسيطًا، طلبت من سايتاما أن يجلس بقربها.
"يبدو أنك أكثر هدوءًا من البقية،" قالت بابتسامة مائلة، "لم أرك منزعجًا طوال المهمة."
رد سايتاما:
"ربما لأنني لا أنتمي لهذا المكان... أو لهذا العالم."
نظرت إليه باستغراب:
"ماذا تعني؟"
تردد، ثم قال وهو يحدق في السماء:
"جئت من مكان بعيد... هناك كنت أقاتل من أجل الملل. هنا... الناس يقاتلون من أجل البقاء. الفارق مخيف."
قالت ساشا بهدوء:
"ومع ذلك، أنت تبقى إلى جانبنا."
أجابها:
"لأنكم لا تستحقون الموت... وهذا يكفيني."
سقط الصمت بينهما، ورفرفت فوقهما رياح الليل الباردة.
في مكان آخر في القاعدة، كان زيك ييغر قد نُقل سرًا إلى أحد الزنازين الحجرية. لم يكن مقيدًا كليًا، لكنه مراقب.
أشار إليه أحد الجنود:
"سيُعقد لقاء بينه وبين القيادة خلال يومين."
لكن زيك لم يرد. كل ما فعله أنه مسح نظارته ببطء، ووضعها على عينيه.
في تلك اللحظة،على المنطاد ظهر شخصان غريبان يتسللان بين الظلال خلف الجنود … طفل وطفلة يرتديان معاطف .
كانا فالكو وغابي.
نجحا في التسلل على متن المنطاد أثناء الفوضى، والآن وجدا نفسيهما في قلب العدو.
غابي تملأها الكراهية، قبضت يدها على بندقية صغيرة سرقتها من أحد الجنود.
"سأقتلهم. سأنتقم لأمي... ولو كانت آخر لحظة في حياتي!"
فالكو حاول تهدئتها:
"لكنهم أنقذونا، غابي. لا يمكنك تجاهل ما فعله ذلك الرجل الأصلع... لقد أنقذنا من الجنود في ليبيريو."
لكن غضبها كان أعمى.
**
وفي لحظة خاطفة، سمع سايتاما صوتًا غريبًا قرب الحظائر. ترك كوب الشاي، وتسلل عبر الظلال.
رأى فتاة صغيرة، غابي، تحمل السلاح بتوتر، تقف أمام مجموعة من الجنود.
ساشا كانت واحدة منهم... تضحك على نكتة ألقاها كونّي، دون أن تدرك الخطر.
رأى سايتاما انعكاس البندقية في الضوء.
ورأى أصبع غابي يضغط على الزناد.
**
في لحظة لم تُرَ إلا كوميض، ظهر سايتاما بين الطفلة والهدف.
انطلقت الرصاصة...
واصطدمت بصدره، وسقطت أرضًا دون أن تخترق شيئًا.
ساشا حدقت فيه، ثم غابي، ثم سقطت على الأرض دون وعي.
فالكو اندفع نحو غابي وصرخ:
"توقفي! ماذا تفعلين؟!"
لكن سايتاما لم يتحرك.
أخذ البندقية من غابي، دون عنف، وركع أمامها، ناظرًا في عينيها:
"الحقد ثقيل... لا يجب أن يحمله طفل."
**
في وقت لاحق، أُعيد فالكو وغابي إلى الحجز المؤقت.
ساشا، التي نجت، جلست على سريرها وهي تضع يدها على صدرها، تنظر إلى سايتاما وتهمس:
"أنقذتني مرة أخرى... ما الذي أنت عليه بحق الجحيم؟"
لكن سايتاما فقط ابتسم، ورفع كتفيه كأنه يقول: "مجرد رجل أصلع."
ابتسمت ساشا، ثم همست لنفسها، وجهها يحمر قليلًا:
"غريب... لكنه رائع."
وفي النهاية، ومع ضوء الشفق، اجتمع الفيلق حول نار صغيرة، لا يتحدثون كثيرًا، لكنهم يعلمون أن ما بعد هذا اليوم... لن يشبه ما قبله.
وكان سايتاما يجلس في الطرف، يحدّق في النيران، وعيناه تقرآن ما هو أبعد من اللهب.
نهاية الفصل السادس