تخلص القروي من ذوي الرأسين من خوفه منذ وقت طويل. كان يقف خارج الغطاء الواقي، يقطع الأخشاب وهو يدندن بأغنية مجهولة المصدر، كلما أنهى قطع بضع وحدات من الخشب، كان يحملها على كتفه ويعود متثاقلاً إلى داخل الغطاء الواقي، حيث كان أشبل ووحداته القتالية ينتظرون
عندما كان القروي يضع وحدات لم ينسَ أن يرمق أشبل بنظرة غاضبة
كان يوجد الكثير من القرويين لماذا كان هو بالذات من يتم التضحية به كطعم؟
بعد خروج القروي مرة أخرى لقطع المزيد، بقي أشبل واقفاً في مكانه، في حيرة من امره، لم يهتم باستفزاز القروي ونظراته الحاقدة على كل حال، لاحقا، بعد أن تنتهي هذه الأزمة، يستطيع قتله بحركة من إصبعه. لكن ما أثار حيرته حقاً كان الموقف الحالي. هل الوضع آمن فعلاً... أم أنه مجرد أمان زائف؟
كان أشبل حذراً بطبيعته. قرر جعل الطعم اكبر واكثر اغراءا أشار بيده، وأمر ثلاثة قرويين آخرين بالخروج
شاهد غولن وباقي أفراد الفريق هذا المشهد من مخبئهم الصخري على المرتفع القريب. رأى القرويين الأربعة وهم يعملون في الخارج. كان المشهد مغرياً بالنسبة له وباقي اعضاء الفريق الذين بدأت ايدهم تحكهم بسبب طول الانتظار
نظر جولن إلى الشمس التي اقتربت من الغروب وفكر لبعض الوقت. ثم قال بصوت منخفض: "لننتظر قليلاً بعد"
مرت نصف ساعة أخرى. لم يحدث أي شيء. بدأ قلب أشبل يهدأ تدريجياً. ربما... ربما كان الوضع آمناً فعلاً؟ ربما ذلك اللورد البشري الحقير لم يحدد موقع إقليمه بعد! بدأ الأمل يتصاعد في صدره، وشعر للمرة الأولى منذ يوم أمس بشيء يشبه الارتياح
ولكن، في تلك اللحظة بالذات، حدث تغيير!
لم يكن الأعداء الذين توقعهم أشبل بل كان وحش سحلية عملاقة. جذبتها أصوات ضرب الفؤوس المتواصلة، فتسللت بهدوء من بين الصخور. وقبل أن ينتبه أحد، باغتت أحد القرويين الأربعة. ضربة واحدة بمخلبها الضخم أسقطته قتيلاً على الفور ثم بدأت في تناول وجبتها الشهية دون اكتراث بأحد.
عندما رأى القرويون الثلاثة المتبقون مشهد صديقهم وهو تُسحب أحشاؤه بفم السحلية الدموي، لم يتوقفوا ليقدروا المشهد البديع بل رموا فؤوسهم على الأرض وبدأوا بالجري بأقصى سرعة نحو الغطاء الواقي!
"اللعنة!" شتم أشبل بقوة وهو يضرب الهواء بيده. الغضب اشتعل في عينيه الأربع وهو يرى الوحش يلتهم أحد سكانه أمامه مباشرة.
لم يستغرق وحش السحلية سوى دقيقة واحدة ليلتهم أغلب جسد القروي المسكين. لم تكن هذه الوجبة تمثل له سوى مقبلات خفيفة. رفع رأسه السميك، ونظر بعينيه الجائعتين نحو المكان الذي هرب إليه القرويون الثلاثة. ثم بدأ يتحرك نحو الاتجاه الذي هربوا اليه، رغم انه من الزواحف الا ان حركته لم تكن بطيئة مطلقا وسرعان ما وصل الوحش إلى الحاجز الشفاف وبدأ يضربه بمخالبه. كان أشبل ينتظر وصوله أرسل فوراً جندي النخبة الوحيد الذي يمتلكه، مدعوماً بثلاثة من جنود الميليشيا.
تقدم جندي النخبة، وهو محارب ضخم ذو رأسين، نحو السحلية. كان يحمل فأس حرب عريضاً، حاداً على كلا جانبيه. و في عيونه الاربعة نظرة غطرسة واضحة
استعد، واستغل اللحظة الحاسمة عندما رفعت السحلية رأسها لتزأر. بكل قوته، استهدف عنق السحلية
"بززز!~"
دخل ثلاثة أرباع نصل الفأس داخل لحم العنق السميك
"رووار!~" صرخت السحلية بألم مدوٍّ وتراجعت إلى الوراء بترنح. بالكاد استطاع جندي النخبة استعادة فأس معركته العالق. كانت الضربة قوية، وكادت أن تقطع عنق السحلية بالكامل. لكنها فشلت في إنهاء حياة الوحش بضربة واحدة، هرب الوحش، الذي صارت حياته معلقة الآن بخيط رفيع، تاركاً وراءه خطاً طويلاً من الدماء
"الحقوه! اقتلوه!" زأر أشبل بصوت عالٍ وهو يرى الوحش المصاب يحاول الهرب.
لم يعد وحش السحلية يمثل خطراً بحالته الميؤوسة هذه. لذا، خرج جندي النخبة وثلاثة جنود الميليشيا من الغطاء الواقي على الفور، وبدأوا المطاردة
بمحض الصدفة... كان اتجاه هروب الوحش مباشرة نحو موقع فريق غولن!
عندما رأى غولن هذا المشهد هتف في داخله: 'وأخيراً!' لحسن الحظ أنه صبر طوال هذا الوقت. وأخيراً، وقعت الفريسة في الفخ!
همس غولن لفريقه بتعليمات سريعة، كلامه كان موجهاً بشكل خاص إلى لورا. كانت الوحيدة التي تمتلك قوة بعيدة المدى في الفريق. لذا على عاتقها ستقع الضربة المفاجئة الأولى
قال غولن وهو يشير إليها: "استهدفي ذلك الضخم أولاً. يبدو أنه اقوى من البقية."
أشارت لورا أنها تفهم. تذكر غولن فجأة أن اللورد أعطاهم عدة جرعات سموم وجرعات تحمّل في حالة مواجهة أعداء أقوياء. طلب من لورا إخراج سهامها. ثم أخرج من جعبته إحدى جرعات السموم، وأعطاها إياها.
"اغمسي رؤوس السهام في السم. نحن نواجه عدواً بمثل قوتنا، الحذر واجب."
أخذت لورا القارورة و أزالت غطاءها، وغمست رأس أربعة أسهم فيها بعناية. ثم وضعت واحداً من الأسهم المسمومة على وتر قوسها، وأمسكت البقية بين أصابعها، منتظرة اللحظة المناسبة.
"انتظريه حتى يقتل الوحش، ثم أطلقي سهمك. لا يهم إن مات من أول ضربة أم لا، المهم أن تصيبيه،" أخبرها غولن ببعض التعليمات الإضافية وهو يجهز نفسه و من حوله، بدأ ايضا باقي أعضاء الفريق بالاستعداد
أومأت لورا برأسها رداً. ثم بدأت تراقب. ركزت عينيها على جندي النخبة ذي الرأسين.
في مجال رؤيتها، سرعان ما وصل حامل فأس المعركة إلى السحلية التي بدأت قوتها تخور. لحسن الحظ، كانت السحلية قد اقتربت من مرمى لورا. عندما أدركت السحلية أنها لم تعد تستطيع الهروب من مصيرها، لفت جسدها الثقيل لمواجهة ملاحقيها. زمجرت بتهديد، كاشفة عن أنيابها المغطاة بالدماء. لكن تهديدها كان ضعيفاً للغاية. لم يخف سوى جنود الميليشيا قليلاً، أما جندي النخبة فلم يتأثر على الإطلاق.
"لماذا كل هذا العناء؟ كان يجب أن تموتي من الضربة الأولى! حينها كنت سأبدو أفضل أمام اللورد!" قال جندي النخبة بغضب وازدراء وهو يرفع فأس المعركة الثقيل بيديه الاثنتين بقوة. ثم هوى به على جبهة الوحش بكل ما يملك.
شق النصل الجمجمة دون أي مقاومة تذكر، ودخل عميقاً في دماغ الوحش الضعيف. انهارت السحلية على الأرض، ميتة في الحال.
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان جندي النخبة يشد يداه لانتزاع فأسه العميق من جمجمة الوحش... شعر فجأة بخطر! لم يكن هناك وقت للتفكير، ولا حتى للتفاعل. بالكاد استطاع أن يزيح جسده الضخم قليلاً إلى الجانب. نجا من مصير القتل الفوري، لكنه لم ينجُ من الإصابة. اخترق السهم الهواء ومزق خاصرته، مزيلاً قطعة صغيرة من اللحم الرمادي في طريقه.
"تباً لكم أيها الأوغاد!" صرخ بألم وغضب وهو يلتفت نحو مصدر السهم.
لكن، قبل أن يكون لديه أي رد فعل آخر، شعر جندي النخبة بألم حاد وفظيع ينتشر من خاصرته. نظر برعب إلى أسفل من موضع الخدش، بدأت خطوط خضراء داكنة تنتشر بسرعة مرعبة، مثل شبكة عنكبوت سامة، لتطال جميع أنحاء جسده
أدرك أنه سُم. أراد أن يصرخ، لكن حتى لسانه أصيب بالشلل. لم يعد قادراً على التحكم بجسده الضخم. فترنح، ثم سقط أرضاً بثقل
"هيا بنا! لا أريد لأحد منهم أن ينجح بالهروب!" زأر غولن وبدأ بالركض بأقصى سرعة نحو الأهداف المتبقية ولحقه اعضاء الفريق بقت لورا فقط في الخلف، على ركبة واحدة، تضع سهماً آخر على وتر قوسها لتستهدف الهدف الثاني
حدث كل شيء بسرعة البرق. لم يكن جنود الميليشيا الثلاثة مستعدين لهذا النوع من التطور المفاجئ. رأوا قائدهم يسقط فجأة
تجمدوا لثانية عندما رأوا عدة جنود غرباء، مجهزين بدروع وأسلحة أفضل بكثير، يركضون نحوهم من العدم، أدركوا الواقع المروع الذي هم فيه الآن. فبدأوا بالهروب فوراً، بأقصى ما تستطيعه أرجلهم، نحو الغطاء الواقي!
رغم أن المسافة بينهم وبين الغطاء الواقي لم تكن بعيدة كثيراً... إلا أنها كانت تبدو مثل الحد الفاصل بين الحياة والموت!
أطلقت لورا سهمها الثاني. وأصاب أول الهاربين في ظهره فسقط قتيلاً
أما الثاني، فقد لحق به أحد حاملي السيوف من فريق غولن. غرس سيفه في ظهره بدفعة مفاجئة فقتله ايضا
أما جندي الميليشيا الثالث والأخير، فلم يعد يفصله عن الغطاء الواقي سوى خطوات قليلة وامتلأت عيناه بالأمل
لكن، في هذه اللحظة، سمع صوتاً حاداً يمزق الهواء من خلفه قبل ان يكون لديه ردة فعل اخترق الرمح ظهره، ومزق قلبه، وخرج من الجهة الأخرى من صدره. تجمد الجندي في مكانه، نظر إلى الأسفل فرأى طرف الرمح الحديدي يخرج من صدره مغطى بدمائه. سقط على ركبتيه، قتيلا هو الآخر
لم يكن جندي النخبة حامل الفأس يعلم بشيء عن مجريات المعركة. كان نظره الى الاعلى و جسده مشلولاً تماما
في هذه اللحظة، ظهرت شابة شقراء جميلة في مجال رؤيته الضبابي. كانت تحمل قوساً وجعبة سهام على ظهرها، وفي يدها خنجر حاد يلمع طرفه تحت ضوء شمس الغروب الذهبية. انحنت إليه و نظرت اليه ثم تمتمت، وشفتاها الكرزيتان تلمعان بابتسامة خبيثة: "لماذا كل هذا العناء؟ كان يجب أن تموت من الضربة الأولى... حينها كنت سأبدو أفضل أمام اللورد"
'نفس الكلمات التي قلتها أنا منذ لحظات!'
كانت هذه آخر أفكار جندي النخبة من ذوي الرأسين، قبل أن يخترق الخنجر الحاد قلبه
____نهاية الفصل الثالث والعشرين.