{ نظرة لا تُرى }
بعد أن ودّع “مين” تحت ظل الشجرة، لم يتوجه “شون” مباشرة إلى المنزل كما ادّعى. بل اتخذ طريقًا مختلفًا، طريقًا يعرفه جيدًا… كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب، والحي المحيط بالمتحف بدا كلوحة صامتة.
ذلك المبنى الرخامي الأسود، بزجاجه الداكن، بدا وكأنه يبتلع الضوء بدلًا من أن يعكسه.
كعادته، لم يُظهر شيئًا من داخله، ولا سمح لشيء بالخروج، لا صوت ولا صورة.
تحيط به أسوار من وهمٍ قانوني، وكأنّ اقترابك منه يتطلب تصريحًا غير مكتوب.
وقف شون خلف شجرة صغيرة عند السياج الجانبي، حيث كان الظل يغمره.
سمع أصواتًا خافتة خلف الأشجار. توقّف، وتسلّل بخفة نحو الجدار، ليبقى في ظلّه. لم يكن ينوي التلصص، بل الاستماع فقط… كما تعلّم
{ كما علّمته المعلمة “يي سول” — لا يلتقط الكلمات وحدها، بل ما وراءها من تردّد، وخوف، وتناقض—}
~(صوت تهامس الحارسين…)
“المصوّر دخل من الباب الخلفي…؟”
“نعم، ومعه كاميرا قديمة… لكن الغريب أن مساعد المدير تعرّف عليه مباشرة، لم يسأله شيئًا، فقط همس له وأدخله.”
“شعرت أن هناك شيئًا مخفيًّا… حتى المدير لم يسمح لنا بالاقتراب."
{لم تكن نبرة الحارس توحي بالكذب، بل بالحيرة.}
أدرك شون أن الرجل الذي دخل لم يكن مجرّد زائر… لكنه ليس المجرم أيضًا
(تردد صوته في داخله)…–“هل هو شاهد… أو شيء أكثر تعقيدًا."
أثناء تراجعه بين الشجيرات، لمح شيئًا صغيرًا يلمع على الأرض …قرب زاوية السور الخلفي…انحنى…والتقطه.
-قطعة زجاجية صغيرة، مقعّرة قليلًا، حوافها دقيقة وكأنها انتُزعت من أداة باهظة-.
نظر إليها مطولًا، وقلبه ينبض بسرعة غير معهودة.
توقف …لثوانٍ وهو يحدق فيها، ثم أغمض عينيه بإحساسٍ غريب…
وكأن شيئًا ما بدأ يتشكل في عقله.…بعد لحظات من التفكير، عاد إلى وعيه، وأدار ظهره متجهًا نحو منزله.
كل خطوة كان يتخذها، كانت تزداد وضوحًا في ذهنه الخيوط التي ربطت أجزاء القضية، بينما كانت صورة الزجاج المكسور تومض أمامه…
{ فتح باب غرفته بهدوء، ودخل كأنّه يحمل سرًّا لا يحتمل الضوضاء }
كانت الأرضية من الرخام الهادئ، والجدران بلونٍ كريميّ خافت، يضفي على المكان شيئًا من السكون والخصوصية.
غرفته ليست فوضوية ولكنها لا تحمل رتابة الكبار…مراهق يعرف ما يحتفظ به، وأين.
أرفف تملؤها بالكتب والدفاتر، وقصاصات صغيرة، ومجلات مستعملةولوحة رسم قديمة بخط يده معلّقة فوق المكتب…
~اقترب من طاولته…أخرج القطعة الزجاجية…ووضعها فوق ملاحظاته….
(تساءل في داخله):“الحراس مرتبكون… دخول رجل بكاميرا… لكن ما سقط ليس من عدّته.”
جلس، واخذ كتابًا صغيرًا من مكتبته عن الأجهزة البصرية…وراح يقلب صفحاته بعناية.
توقف عند رسمٍ يُظهر نوعًا خاصًّا من الكاميرات المخفية، تُثبّت داخل الإكسسوارات أو الأزرار…
وتُستخدم غالبًا لتوثيق المشاهد دون أن تُلاحظ.
نظر إلى القطعة(بتركيز عال): “هذه ليست عدسة لكمره سياحية… بل كاميرا خفية.”
[اختلطت الأفكار في رأسه…لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا… ذلك الحماس الذي لم يشعر به منذ زمن.]
(توقف…)
ودوّن على الورقة:“إذا كان هناك تصوير… فالمجرم لم يسرق فقط…بل خطّط…وأراد أن يُسجّل جريمته.”
(تردّد قليلًا…)ثم فتح الدرج، وأخرج صندوقاً مخمليًّا لونه أسود.…وضع القطعة بداخله…وأغلقه…
[ارتفعت دقات قلبه …لا خوفًا…بل توقًا… وكأن المغامرة تناديه بصوت لا يسمعه إلا من اعتاد التحدي].
اخذ ورقه ملاحظات … (يبتسم بفخر )وكتب عليها بخطٍ مائل:
“من يراقب، لا ينسى… لكنّ العين حين تنكسر، تُبقي أثرها في الضوء.”
استقام في وقفته كأن شيئًا داخله قد استقر، لا تردّد، لا عودة… فقط طريق واحد إلى الأمام.
وثبتت خطواته على الأرض، كأنها تعاهدت مع الظلال على المضيّ قدمًا مهما كان الثمن.
{تلك اللحظة…لم يعد مجرد فتى يراقب… بل لاعب خفي بدأ بتحريك أول حجر على رقعة الجريمة}.
—— ——
~(( قسم الشرطة – صباح اليوم التالي))
في ردهة قسم الشرطة، حيث تمتزج رائحة الورق القديم برنين الهواتف المتقطّعة.ويتصاعد التوتر مع كل ملف جديد يُفتح…
تلقّى الضابط المناوب طردًا صغيرًا، لا يحمل اسم مرسل …ولا ختم جهة معروفة.…كان مغلفًا بعناية.
فتحه بحذر…فوجد بداخله دعوة ورقية أنيقة…
مكتوب فيها:“يسرّنا دعوتكم إلى العرض الحقيقي. الحضور اختياري… لمن يرى ما لا يُقال.”
رفع الغطاء عن العلبة المرفقة بالدعوة، فإذا بها صندوق أسود صغير، كصناديق المجوهرات.
فتحها… وتجمّد للحظة…تفاجأ
{بداخله لم يكن هناك خاتم… بل قطعة زجاجية ملساء… موضوعة فوق وسادة حريرية سوداء.}
-ما هذا بصوت (مرتفع و متفاجئ )…
ما هذا؟” ترددت كلماته بصوت مرتجف…وكأن فمه يرفض تصديق ما يراه أمامه…كان يُظهر علامات الحيرة والتوتر…عيناه تتحركان بسرعة بين الطرد والمحتويات…بينما بدأ قلبه ينبض أسرع.
~كتب بالملاحظة المرفقة “السرّ لا يُخفى في الظلام فقط… أحيانًا، يُلتقط في الضوء.”
اجتمع حوله المحققون، ورفع أحدهم القطعة قائلاً:
– “هل يمكن أن تكون من زجاج النافذة ؟”
-" لا تبدو كذالك! "
-انتظر اعطيني إياها (تفاجأ) هذه… ليست مجرد زجاج. إنها جزء من عدسة.”
{ الحديث كان يتنقل بين الأرجاء، كل واحد منهم يضيف تساؤلات جديدة، لكن لا أحد يستطيع الوصول إلى إجابة واحدة}
دخل كيم تاي جون إلى القاعة
-هدوء … ساد الصمت …
نظر إلى الصندوق …وقرأ الرسالة …عينا المحقق تحرّكتا بين الكلمات والقطعة الزجاجية.
ثم قال (بصوت جاد، لكن عينيه كانت مليئة بالتحدي…)“من أرسل هذا… يعرف تفاصيل لم تُنشر بعد.”
-صمت للحظة…
قال (بصوت ثابت، بينما كان يراقب ردود الفعل ): “أريد فحص هذه القطعة فورًا… وابحثوا عن كاميرات لم نعلم بوجودها في المتحف.
بدأ الجميع في التحرك وكأنهم استشعروا بداية النهاية.
الضباط يتنقلون بسرعة بين الملفات والأدلة، والأفكار تتسابق في أذهانهم. همسات سريعة تتبادل بين المحققين، بينما العيون تراقب كل تفصيل صغير. الجميع غارق في البحث، يطاردون الخيط الذي قد يقودهم إلى الحقيقة.
الترقب يملأ المكان، والبحث لا يتوقف
{لم تكن القطعة الزجاجية سوى شظيّة من مشهد خفيّ، لكنها في عيني شون… كانت صدىً لحقيقةٍ دُفنت تحت ضجيج الكاميرات…وفي عالم تتقن فيه الوجوه ارتداء الأقنعة…بدأ “قناع العائلة” يكشف عن وجهه الآخر…}