{ انعكاس الحقيقة }

في الطابق العلوي من مركز التحقيقات الجنائية، كان الهواء مشحونًا بأصوات متداخلة؛ رنين الهواتف،وخطى متسارعة تشقّ الأرض بقلقٍ صامت. فوق الطاولات، تكدّست الملفات، وتزاحمت على اللوحات البيضاء صور وأسهم تربط الاحتمالات، كأنها شبكة عنكبوتية تنتظر من يفكّ عقدها.

لم يكن تقرير الشرطة سوى خيوط مبعثرة: تمثال أُعيد تغطيته، كاميرا تعطّلت فجأة، وأثر دخولٍ بلا كسرٍ ظاهر.

لكن خلف هذه التفاصيل الصامتة… كانت هناك يد تعرف تمامًا ما تفعل.

يد تركت الستارة مطوية بعناية، وعدّلت زاوية العدسة بدقة لا تُرى للعين الساذجة،

وكأنها تخاطب من يعرف كيف يقرأ المشهد… لا من يكتفي بمشاهدته.

أقلام تدوّن، وأصابع تنقر على الطاولة .

في وسط ذلك، وقف “كيم تاي جون” أمام إحدى اللوحات، ينظر بتركيز إلى صورة مكبّرة للمتحف، يتتبع بأعينه أدق التفاصيل، وكأن الصورة تنطق بما عجز الناس عن قوله

وفي الجانب الآخر من المدينة، حيث النظام لا يعني الجمود بل هدوءًا مرسومًا بعناية، كان منزل آل ‘تشوي’ يعيش مساءه المعتاد .

تتزين جدرانها بأغلفة مجلات عالمية تحمل صور والدي “مين” وعناوين صاخبة.

الأجواء هادئة راديو قديم يهمس بأخبار الأحداث …وصوتا شقيقته وشقيقه يتبادلان الأحاديث في الخلفية…

بينما كانت " تشوي هاي رين " تقلّب الأوراق بهدوء في صالة معيشة رحبة يغمرها الضوء الهادئ والذوق البسيط.

…لكن وسط هذا الانسجام، كان ‘مين ’ جالسًا على طرف الأريكة …وعيناه شاردتان.

عقله لا يزال عالقًا تحت شجرة البلوط وفي كلمات شون…ونظراته التي لم تقل كل شيء…

{وكأن شيئًا ما على وشك أن ينفجر، وهو فقط ينتظر الشرارة.}

-فجأة-

رفع رأسه …وكأن فكرة ما استقرت في ذهنه.

تسلل بهدوء إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه دون أن يُثير انتباه أحد.

تردد صوته في داخله “إن كانت لن يُشركني… فسأسبقك هذه المرة.”

-وقف فجاء

{ذهب مين إلى أمام باب مكتب والدته …يتلفّت بحذر… هذه ليست المرة الأولى… بل الرابعة.…كل مرة يعود خائبًا، إما لصوت أقدامٍ يقترب…أو لقفلٍ أحكم إغلاقه.

أما اليوم… ومن حسن حظه فالباب لم يكن مُحكم الإغلاق.}

همس لنفسه (بنفس عميق~) هذه فرصتي… لأدخل كأنني ظلٌّ لا يُرى.

تسلل كقطٍّ خائف من قطرة ماء… ودخل المكتب بخطوات مرتجفة …الغرفة مليئة بالأوراق والمجلدات…وعلى المكتب الكبير تنتشر ملفات مفتوحة وملاحظات بخط اليد.

بدأ بتصفح ما على المكتب بسرعة…فوجد تقريرًا مطويًا وعليه تعليق بقلم أحمر.

-توقف عنده قليلاً-

ثم انتزع ورقة بيضاء من طرف الطاولة الصغيرة المجاورة، ورسم عليها ما رآه قبل أيام…

{ الرسم كان سيئًا للغاية…}

عدسة ضخمة تشبه عين سمكة…وجسم الحارس بدا كعصا مكنسة.

لكن أسفل الرسم كتب بدقة وصف الزاوية التي كانت مثبتة بها العدسة، واتجاه الرؤية، والموقع الذي بدت منه.

وفي غمرة تركيزه …التقط دون وعي ورقة صغيرة كانت بجانب رسمته!… لم ينتبه أنها ليست له.

وفجأة…صوت الباب يُفتح

-تجمّد مكانه-

دخلت أمه بخطى واثقة، جلست خلف مكتبها، وفتحت جهاز تسجيل صوتي قديم…وبدأت مراجعة مقابلة صوتية.

قالت دون أن تلتفت:مين… ماذا تفعل في مكتبي هذه المرة؟

(تلعثم) أمسك أول كتابٍ رأته يداه:آاهه… كنت أبحث عن كتاب “الأسد والصحفي الجريء”! للقراءة الواجبة، تعرفين.(ضحك بخفة)

رفعت حاجبها بابتسامة نصفية ولم تعقّب.

قال وهو يلوّح: سأذهب إلى شون لنعمل سويًا على بعض “التحليلات الاستراتيجية لهذا الكتاب ”.

أشارت إليه بالخروج دون أن تنبس بكلمة …فخرج مسرعًا…والكتاب لا يزال في يده.

وبعد أن أغلق الباب خلفه، تنفّس بعمق، ثم همس: خرجتُ حيًّا… وأنا أحمل كنزًا لا أعرف قيمته بعد (ضحك بخفه) انتظرني يا شون .

زفر طويلًا…يداه ترتجفان…وقلبه ينبض …وكأنّه نجح في سرقة كنز من معبد مهجور….

(بهمس فخور):خرجتُ حيًّا… وأنا أحمل شيئًا لا أفهمه بعد.

{ في تلك الساعات الرمادية بين وضوح النهار وهدوء المساء…حيث لا يزال الوقت يسمح بالمغامرة…لكنّه يوشك أن يخذل الضوء….}

في ذلك المساء، كان منزل “شون” يعيش سكونًا نسبيًّا…الأثاث أنيق، منظم، يعكس طابعًا عمليًا يتناسب مع ساكنيه.

صعد “مين” الدرج بخفة، وفي يده كتاب “الأسد والصحفي الجريء” دون أن يدرك أنه لا يزال يحمله…

كان باب مكتب – والدة شون – مفتوحًا جزئيًا… تجلس خلف مكتبها وسط أكوام من الملفات والقصاصات القانونية. رفعت بصرها،…فابتسمت ما إن رأته يطل من الباب.

قال مبتهجًا وهو يلوّح: "مساء الخير، خالتي سو! جئت لأحل واجباتي مع شون… الأمور أصبحت جديّة!"

(ضحكت بسخرية خفيفة): "يبدو أنك الوحيد الذي يؤمن بأن شون يحلّ واجباته".

ردّ بثقة:هذه المرة مختلفة! أنا قادم بمهمة استخباراتية…

-فتح شون الباب ببرود…نظر إلى الكتاب…وسأله:" بجدية كتاب أطفال؟ كنت أظنّ أنك ستحضر أدلة…لا قصصًا!"

{في ذلك المساء، جلس “مين” و”شون” في …وسط فوضى الأوراق والرسوم …وقد خفت الضجيج…وحلّ محلّه صمتٌ ممتلئ بالتفكير}.

مين (ساخرًا):أظن أنني أنقذت العدالة اليوم… بطريقتي العبقرية، طبعًا!

شون (نظرة جانبية):عدالة؟ كدتَ تُكشف بسبب رسمة عدسة تشبه عين سمكة ومكنسة مع لحية!

مين (يبتسم بفخر):المهم… أنها فتحت الطريق.

{أخرج من جيبه الورقة التي رسمها…وبينما يشرحها…سقطت الملاحظة الأخرى دون أن ينتبه!}.

تناولها شون بفضول، قرأها، ثم تجمّد للحظة.

(بداخل نفسه):"هذه ليست ملاحظته… هذا ليس خطه "

قرأها “ زاوية الانعكاس لا تكشف الوجوه إلا إذا عدلت الزاوية من الداخل قبل فتح القاعة الانحناء في الزجاج لايُصنع إلا من الداخل الحيلة بُنيت قبل الكسر "

-خبأ الورقة-

وبينما طغى السكون مجددًا على غرفة شون بعد رحيل مين …

{كانت الأوراق مبعثرة…الرسم الركيك لعدسةٍ بحجم سمكة لا يزال على الطاولة…وفي وسط الغرفة جلس شون على الأرض يُحدّق في ملاحظاته}

في الملاحظات التي أمامه:

1. العدسة وُضعت قبل وقوع الجريمة.

2. الزجاج لا ينكسر بهذه الزاوية إلا من الداخل.

3. ملاحظة والدة مين تؤكّد التلاعب المسبق بالعدسة.

(داخل دائرة حمراء )التقرير الرسمي:“لا كسر ظاهر، لا بصمات، لا أدلة تثبت السرقة.”

(تمتم):"الجاني لم يقتحم المكان… بل كان فيه قبل الجميع"

( تحت الدائرة الحمراء ) :يوجد شخصان مشتبه بهم مساعد المدير التقني …وموظف الأمن الليلي.

(يتمتم ): "كلاهما يعرف مداخل النظام… هل أحدهما عطّل الحماية ؟… والآخر غيّر زاوية العدسة؟.

{بعد عدة دقائق من انغماسه بالملاحظات }

-وقف-

ابتسم…ثم فتح صندوقه الخشبي…أخرج قفازات…ظرف بني…وأقلام بحبر خاص…!

وضع دليلًا جديدًا…!! ومعه رسمة لضفدع صغير يرتدي قبعة بوليسية!.

كتب بخط مضحك ومتعرج :“هدية من مُعجب سري – إصدار رقم 2”

قال وهو يلفّه بخيط سميك: "(يبتسم ) لنرَ ماذا ستفعلون به… (يضحك) هذا أمر ممتع للغاية "

مع غروب اليوم ذاته…

كان مركز التحقيقات يعج بالحركة مجدداً.

طرد جديد…! وُضع على طاولة الأدلة…! يحمل ذات الختم الكرتون…!

[هدية من مُعجب سري – إصدار الثاني]

أمسكه المحقق"كانغ"(تنهد~) :"كلما اقتربنا من التحليل الرسمي من خط النهاية…من هذا الذي يزرع الدليل لا ليُخفي…بل ليُضيء… كأن الجريمة كُتبت ليُعاد تمثيلها أمام العيون الصحيحة فقط.

محقق "تشانغ" (بصوت غاضب قليلاً) :" لا …لا أحد يعلم اسمه…! ما هذا الختم الطفولي …! هل أصبح من الطبيعي أن نستمع إليه …! إنه فقط يعبث معنا !

فتح المحقق"دو هيو"بحذر المغلف وفي داخله: رسمة لعدسة تشبه عين سمكة مرفقة بملاحظة مكتوبة بخطٍ واضح:

“الانحناء في الزجاج لا يُصنع إلا من الداخل… الحيلة بُنيت قبل الكسر.”

-ساد الصمت للحظات-

-فجاء -

تسارعت التحليلات، وجاء تقرير المختبر مؤكّدًا:

الزجاج داخليّ الصنع، لا يُكسر بسهولة إلا من الداخل.

العدسة المثبتة أُعيد توجيهها قبل الحادثة… لا في أثنائه.

قال المحقق " دو هيو " وهو ينظر إلى الملاحظة:”هناك من كان داخل القاعة قبل الحادثة… خطّة محكمة، لا عبث.”

•اجتمع المحققون، وعلى الطاولة ثلاث صور:

1. موظف الأمن.

2. مساعد المدير.

3. السكرتيرة المسؤولة عن إغلاق القاعة.

قال المحقق "كانغ" : لقد بدأت الصورة تتضح… بين هؤلاء…يكمن الجاني. أو ربما… من يتقن دور “الأقل شأنًا”.

"ومن يراقب الظل لا يبحث عن عدالة كاملة…بل عن توازن دقيق بين الكشف والإخفاء….ومَن يعرف أن الزجاج لا يُكسر إلا من الداخل… يعرف أن الحقيقة لا تنكسر إلا حين تُرى من الزاوية الخاطئة….لكن هناك من قرأ الانحناء… وبدأ يعيد تشكيله…

وفي أروقة مركز التحقيقات …ساد هدوءٌ ثقيل…كأنّ الجدران نفسها تنتظر الحقيقة.

أما الدليل… فقد بدأ يشقّ طريقه إليهم…من خلف قناعٍ لا يُرى…لكنّه يترك أثرًا لا يُمحى…

2025/05/22 · 25 مشاهدة · 1202 كلمة
Mona
نادي الروايات - 2026