الفصل مائة وواحد: هــــــروب٦

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

..

الصبح طلع…

مش شمس قوية… شمس باهتة كده، عاملة زي لمبة ضعيفة بتحاول تنوّر أوضة كبيرة.

القرية كانت ساكتة… سكات غريب.

لا صوت عيال، ولا حد بيكنس، ولا باب بيترزع.

أنس صحِي بدري.

عنيه مفتوحة بس دماغه واقفة، شايل اللي شافه إمبارح…

الراجل اللي كان بيراقب في الظلمة…

كلام الناس اللي قرّص على قلبه…

وصوت مهند وهو بيقول:

"أنا… عايز أشوف ماما."

بصّ على مهند اللي كان نايم على الكنبة…

نايم بهدوء، بس نومته مش مريحة.

كل شوية يتحرك… يكشّر… يتنفس بسرعة.

زي اللي بيحلم بحاجة مش واضحة.

أنس قرب، وقف جنبه، وشه اتشد…

وقال لنفسه بصوت واطي جدًا:

"لازم نمشي من هنا… ولازم بسرعة."

لفّ، وبدأ يلمّ شوية الأكل اللي اشتراه، وحطّهم في الشنطة.

قلبه بيزنّ…

إحساس واضح…

إن القرية مش أمان زي ما كان فاكر.

قبل ما يفكر حتى يجهز الخروج…

صوت مهند جه من وراه:

"أنس؟ إنت… واقف ليه؟"

قام مهند، قاعد نفسه، شعره باهد… صوته متلخبط:

"فيه إيه؟"

أنس ابتسم ابتسامة ملزّوقة:

"ولا حاجة… بس بفكر نروح نتمشى شوية… نشوف مكان نفطر منه."

مهند بص حوالين الأوضة…

عينيه فيها توتر خفيف:

"المكان ده… مش مريح… من أول ما دخلناه وأنا مش مرتاح."

أنس حاول يهدّي:

"عشان جديد عليك… هتاخد عليه."

مهند هزّ رأسه، بس شكله ما اقتنعش.

وبسرعة… بدأ يسأل:

"هو… إحنا ليه شبه هربانين؟

وليه مش بنرجع؟

وليه محدش يعرف إحنا هنا؟

و… ليه أنا… مش فاكر؟"

السؤال الأخير جرّح صدر أنس.

ثبّت نفسه وقال:

"هقولك كل حاجة… بس مش دلوقتي.

وعدتَك… ولما يجي وقتها هتحصل."

مهند سكت.

ماحبّش الإجابة.

بس في نفس الوقت… صدّقه.

ولسه الجو هادي…

والدنيا رايقة…

لحد ما صوت خبطة خفيفة على الباب كسّر كل الدفا.

أنس اتجمد.

ومهند اتشد مكانه.

أنس وقف قدّام الباب…

وفتح شِقّ صغير.

ولقى ست كبيرة… لابسة إسود… وشّها ملامحه متحجرة.

بصت لمهند اللي ورا أنس، وبعدين قالت:

"إنتو منين؟

وجايين ليه؟

والله القرية عمرها ما حبت الغُريب."

الكلمة دي غرست جوّه قلب أنس ومهند في نفس اللحظة.

أنس حاول يمشيها بالذوق:

"إحنا بس بناخد راحة يومين… ونمشي.

مش جايين نضايق حد."

الست ضيّقت عينيها:

"إن شاء الله…

بس خُد بالك…

فيه ناس هنا مش بتحب وجود حد مش مننا."

وبمجرد ما خلصت…

رجعت خطوة، ومشيت…

من غير ما تبص وراها.

الباب اتقفل.

مهند قال بقلق واضح:

"إيه ده؟

فيه ناس هنا… عايزة تمشّينا؟"

أنس ما حاولش يمثل.

ما بقاش ينفع.

"آه… وفيه حد… كان بيراقبنا قبل ما نيجي.

وفيه كلام عنك… وعن أمّك… وعن كل حاجة.

ويا مهند…

أنا مش هسيبهم ياخدوك مني… ولا يوجّعوك تاني."

مهند حسّ رجليه بتتلج…

مش فاهم، مش فاكر، ومش قادر يجمع الصورة.

بس عارف إن فيه خطر…

وفيه سر…

وفيه حد مش سايبهم يعيشوا.

قلبه وقع…

وبص لأنس بحدة خوف:

"طب… هنمشي إمتى؟"

"......هنبات الليله دي هنا...وبعدها نلم حاجتنا ونمشي.....

"قبل ما حد يفهم إحنا مين."

━━━━

الليل كان نازل تقيل…

تقيل لدرجة إن مهند حسّه داخل صدره، مش فوق دماغه بس.

الأوضة صغيرة…

بس السِكُوت فيها كبير…

أكبر من الطبيعية…

وأكبر من إن حد ينام من غير ما يفكر مرتين.

أنس كان واقف عند الشباك…

بيشوف الشارع الفاضي…

وبيحاول يقنع نفسه إن الظل اللي شافه من ساعة ما دخلوا…

كان مجرّد شجرة بتتهز.

مهند قعد على السرير…

إيده بتلمس الخشب من جنبه…

ومخه بيقلب…

مش هادي…

ولا متزن…

كأنه بيفتش جواه عن حاجة مش لاقيها.

قال بصوت منخفض:

"أنس…

إحنا لو غلطنا وجينا لمكان غلط…

إحنا هنعرف إمتى؟"

أنس لفّ له، وقال:

"أول ما نحس إننا مش لوحدنا…

ساعتها نِمشي.

بس لحد دلوقتي… إحنا بخير."

مهند هز راسه…

بس تعبيره قال عكس كده تمامًا.

بعد لحظات…

صوت خفيف جه من الباب.

مش خبط…

ولا حد بيحاول يدخل.

لأ…

صوت "خَرْخَرَة" صغيرة، زي حد بيلمسه بصباعه…

وبيجربه.

أنس اتنفس بعمق…

ومشي ناحية الباب بخطوات محسوبة.

"استنى…"

مهند قال بسرعة.

أنس بصله من غير ما يتكلم…

وبعدين حط ودنه على الباب.

ولا صوت.

ولا نفس.

ولا أي دليل إن فيه حد وراه.

فتح الباب فجأة.

ولا حد في الممر.

بس الهوا كان داخل…

ساقع…

كأنه هوا من قبو، مش من باب..

قفل الباب، وقال:

"شكلها ريح…"

مهند بص له بصة واضحة.. إنه مش مصدّق الكلمة.

رجعوا يقعدوا…

بس الهدوء رجع أثقل من الأول.

بعدها بدقائق…

سمعوا صوت خطوات…

بطيييييئة…

ما بينجرّوش…

لكن كأن صاحبها بيحاول يمشي من غير ما يبين.

أنس هَوّى على مهند بإيده:

"اقعد… ما تتحركش."

مهند اتوتر: "أنس… فيه حد برا؟"

"يمكن.

أو يمكن متخيلين…

ما تستعجلش."

بس الخطوات كانت حقيقية.

ما كانتش خيال…

ولا هزة في الأرض.

لحد ما…

اتوقفت قدام باب أوضتهم.

بالظبط.

مهند شهق نفس صغير…

وعينه علّقت على الباب…

كأنه هيشوفه بيتفتح لوحده.

لكن ولا حاجة حصلت.

ولا حتى خربشة.

بس… صوت.

صوت “هَهْ” خفيفة…

زي زفير حد واقف برا، ساكت…

ومش عايز يتحرك.

أنس شد أكتافه…

ووقف بين مهند وبين الباب…

من غير ما يفكر.

مهند قال بصوت مبحوح: "إحنا مش لوحدنا، صح؟"

أنس رد من غير ما يلفّ: "الوحدة عمرها ما كانت المشكلة…

المشكلة… مين اللي معانا."

لحظة صمت.

وبعدين الخطوات بدأت تبعد…

تمشي تاني…

بس ببطء…

لحد ما اختفت تمامًا.

مهند بلع ريقه: "إحنا… هنبات هنا؟"

أنس رجع، وقعد جنبه: "آه… بس هنبدّل الدور.

واحد ينام… والتاني يفضل صاحي."

مهند بصله بخوف: "وأنا… مش عايزك تنام وتسيبني."

أنس قرب أكتر: "أنا مش هسيبك، يا مهند.

ولا لحظة.

ولو البلد كلها بتتنفس عند الباب."

الكلمة دي ريّحته…

نعم…

لكن برّه الأوضة؟

اللي واقف…

واللي بيسمع…

لسّه موجود.

والقرية؟

لسّه مخبّية اللي جاي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/14 · 4 مشاهدة · 869 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026